السياسة النقدية الأمريكية: استقرار تحت ضغط سياسي في ظل اقتصاد مضطرب وأسواق متقلبة – شاشوف

السياسة النقدية الأمريكية استقرار تحت ضغط سياسي في ظل اقتصاد


في عام 2026، واجهت السياسة النقدية الأمريكية تحديات معقدة، حيث قررت الاحتياطي الفيدرالي تثبيت سعر الفائدة بين 3.5% و3.75% بعد تخفيضات متتالية. رغم تباطؤ التضخم، لا يزال فوق هدف 2%، مما أوجد مجالاً لصانعي السياسة. رداً على ذلك، دعا ترامب إلى خفض كبير في الأسعار، مما زاد من التوتر بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي. الأسواق استجابت بضعف الدولار، مع تأثيرات سلبية على استقلالية البنك المركزي. باول أعرب عن قلقه بشأن المساعي السياسية التي قد تهدد استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، مما وضع الاقتصاد الأمريكي عند مفترق طرق غير مسبوق.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في عام 2026، تواجه السياسة النقدية الأمريكية تحديات معقدة، حيث تتداخل قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي مع ضغوط البيت الأبيض، مما يؤثر على الدولار والأسواق العالمية.

في يوم الأربعاء الماضي، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على سعر الفائدة في نطاق 3.5% إلى 3.75%، وهو قرار جاء بعد ثلاثة تخفيضات متتالية في عام 2025، وصلت بتكاليف الاقتراض إلى أدنى مستوى لها في ثلاث سنوات كما هو موثق في مرصد ‘شاشوف’. ورغم أن التثبيت كان متوقعًا، إلا أنه يحمل دلالات أعمق من كونه مجرد قرار تقني.

رئيس مجلس الاحتياطي ‘جيروم باول’، الذي يتنافس مع الرئيس الأمريكي ترامب، أشار إلى أن التضخم لا يزال فوق هدف البنك البالغ 2%، حيث استقر عند 2.7% في ديسمبر الماضي. ولكنه لفت الانتباه أيضًا إلى تراجع واضح في تضخم قطاع الخدمات، مما يوفر مساحة أكبر لصانعي السياسة النقدية لتنفيذ استراتيجياتهم. وأكد التزام البنك بتحقيق ثلاثة أهداف متوازنة: دعم التوظيف الكامل، وتقليص التضخم بشكل مستدام، والحفاظ على استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل.

باول ألقى باللوم على الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضتها إدارة ترامب في “تجاوز” التضخم، معتبرًا أن الضغوط السعرية الحالية تعكس اختناقات تكلفية ناجمة عن السياسات التجارية أكثر من كونها تشير إلى قوة الطلب. ورجح أن يصل تأثير الرسوم الجمركية على أسعار السلع إلى ذروته خلال هذا العام ثم يبدأ في الانخفاض، واصفًا الارتفاعات الحالية بأنها ‘مؤقتة’.

هذا الوصف أرسل رسالة واضحة إلى الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي لا يشعر بضرورة ملحة لتشديد السياسة النقدية وأن التوجهات التجارية للبيت الأبيض تؤثر على التضخم بأسلوب لا يمكن تجاهله.

رغم تأكيد الفيدرالي على التوظيف شبه الكامل، تشير البيانات الأخيرة إلى تعقيد الوضع، حيث تباطأ نمو الوظائف بشكل أكبر مما هو متوقع في ديسمبر مع إضافة 50 ألف وظيفة فقط، مقارنة بـ56 ألفًا في نوفمبر بعد التعديل بالخفض. وفي نفس الوقت، تراجع معدل البطالة إلى 4.4%.

وفق تحليل خبراء من وكالة رويترز، فإن سياسات ترامب التجارية المتقلبة، مع سياسة هجرة مشددة، بالإضافة إلى استثمارات الشركات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تقلل من الطلب على العمالة وتزيد من حالة عدم اليقين بشان التوظيف مستقبلاً. كما أظهرت بيانات إنفاق المستهلكين، التي تمثل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي، نمواً ثابتًا نسبته 0.5% في نوفمبر وأكتوبر، مما يعكس استمرار النشاط الاقتصادي بدون زخم قوي في سوق العمل.

ترامب يهاجم: الفائدة يجب أن تكون “الأدنى في العالم”

في تصعيد جديد ضد الاحتياطي الفيدرالي، دعا الرئيس دونالد ترامب إلى خفض كبير في أسعار الفائدة، معتبرًا أن الفائدة في أمريكا يجب أن تكون الأدنى عالمياً. جاءت تصريحاته عقب قرار التثبيت، في استمرار لأسلوبه الضاغط على البنك المركزي لدفعه نحو تيسير نقدي أكبر.

ومع ذلك، أشار مجلس الاحتياطي في بيانه الذي أقر بأغلبية 10 أصوات مقابل صوتين، إلى أن الاقتصاد الأمريكي يشهد ‘نمواً قوياً’، وأن التضخم لا يزال مرتفعًا، مما يبرر التريث وعدم إعطاء أي إشارات حول موعد استئناف خفض الفائدة.

هناك شبه إجماع على أن هذا التباين بين وجهة نظر البيت الأبيض ورؤية صانعي السياسة النقدية يعمق الفجوة بين الطرفين، مما يزيد من ارتباك الأسواق.

الأمر الأكثر خطورة هو أن المشكلة الحالية ليست فقط في سعر الفائدة، بل أيضًا في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. وصف باول محاولة ترامب لعزل ليزا كوك، عضو مجلس المحافظين، بأنها قد تكون ‘أهم قضية قانونية’ في تاريخ البنك الممتد لـ113 عاماً.

أشار باول في تصريحاته، التي تابعتها شاشوف، إلى أن التهديد الحقيقي لا يتعلق بالتحقيقات الجنائية الجارية ضده، بل في السؤال الجوهري: هل سيبقى الاحتياطي الفيدرالي قادرًا على تحديد السياسة النقدية بناءً على البيانات الاقتصادية، أم سيخضع للضغط والترهيب السياسي؟

بدأت وزارة العدل الأمريكية تحقيقًا جنائيًا مع باول هذا الشهر بسبب تجديد مقر البنك المركزي بقيمة 2.5 مليار دولار حسب تتبع شاشوف، في الوقت الذي تقترب فيه نهاية ولايته كرئيس للمجلس في مايو المقبل، مع بقائه كعضو لمدة عامين إضافيين. مع قرب إعلان ترامب عن مرشحه لخلافة باول، يبدو أن الفترة الانتقالية المقبلة مرشحة لتكون مصدرًا لاضطراب غير معتاد في عمل المؤسسة النقدية.

الدولار تحت الضغط: الأسواق تترجم القلق

رد فعل الأسواق جاء سريعًا، حيث واصل الدولار تراجعه مسجلاً أدنى مستوى له في أربع سنوات، مع انخفاض مؤشر الدولار إلى 96.06 نقطة، مقتربًا من قاع 95.566. جاء هذا الضعف نتيجة مخاوف المستثمرين من تقلب السياسات الاقتصادية الأمريكية، والهجمات المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، واحتمالات التأثير على استقلاليته.

قفز اليورو متجاوزًا مستوى 1.20 دولار قبل أن يتراجع قليلاً، وسط قلق متزايد في البنك المركزي الأوروبي من تداعيات ارتفاعه السريع. وعلاوة على ذلك، ارتفع الفرنك السويسري قريبًا من أعلى مستوياته في 11 عامًا، وصعد الجنيه الإسترليني قرب أعلى مستوى له في أربع سنوات ونصف. كما سجل الدولار الأسترالي أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مدعومًا بتوقعات رفع الفائدة في أستراليا، فيما استقر اليوان قرب أعلى مستوى في 32 شهرًا حسب بيانات المؤشرات التي جمعها شاشوف.

يرى المحللون أن أخطر ما يهدد هيمنة الدولار ليس البيانات الاقتصادية بحد ذاتها، بل أي تهديد محتمل لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، خاصة مع انتظار حكم المحكمة العليا بشأن قضية ليزا كوك.

وسط هذه الضغوط، حرص باول على توجيه رسالة طمأنة للأسواق، مؤكدًا أن مسؤولي البنك المركزي لا يعتبرون رفع أسعار الفائدة أمرًا واردًا في المستقبل، وأن الخطوة التالية، إن وجدت، لن تكون تشديدًا نقديًا. يعكس هذا التصريح إدراك الفيدرالي لحساسية المرحلة، ومحاولته الحفاظ على الاستقرار المالي في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية.

بشكل عام، يبدو أن الاقتصاد الأمريكي لا يقف على حافة أزمة تقليدية، بل عند مفترق طرق خطر. بين التضخم الذي لم يُهزم تمامًا وسوق عمل يفقد زخمه وضغوط سياسية غير مسبوقة على مؤسسة يُفترض أن تكون مستقلة، تبقى السياسة النقدية محاصرة باعتبارات تفوق الاعتبارات الاقتصادية. ومع هذا الواقع، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيظل قادرًا على اتخاذ قراراته بعيدًا عن السياسة أم لا.


تم نسخ الرابط