السعودية مجبرة على وقف مشروع استراتيجي.. الضغوط المالية تتفاقم – شاشوف

السعودية مجبرة على وقف مشروع استراتيجي الضغوط المالية تتفاقم


علقت السعودية مشروع ‘المربع الجديد’، وهو ناطحة سحاب عملاقة، بعد مراجعة شاملة لجدوى التمويل وسط ضغوط مالية متزايدة. كان المشروع يهدف لإضافة 180 مليار ريال للناتج المحلي وتوفير 334 ألف وظيفة. ومع ذلك، أُرجئ الإنهاء إلى 2040، مما يعكس تغيير استراتيجيات الإنفاق. حاليًا، تركز المملكة على مشاريع أكثر جدوى، مثل الإكسبو وقطاعات سريعة العائد، مع تراجع الطموحات الكبرى. ويمثل التعليق تحولًا في سياسة الإنفاق، ويظهر التحديات المالية والاجتماعية المرتبطة بمشاريع ضخمة، مشددًا على أهمية تحقيق توازن بين الطموحات الاقتصادية والجدوى العملية.

الاقتصاد العربي | شاشوف

أعلنت السعودية عن تعليق أعمال البناء لمشروع ناطحة السحاب العملاقة بتصميم مكعب، الذي كان من المزمع أن يصبح عنصرًا أساسيًا في تطوير وسط العاصمة الرياض تحت مشروع ‘المربع الجديد’. ووفقًا لمصادر ‘شاشوف’ التي استندت إلى تقارير رويترز، فإن هذا القرار يأتي نتيجة لمراجعة شاملة للتمويل وتحليل الجدوى الاقتصادية للمشروع، في ظل إعادة ترتيب المملكة لأولويات الإنفاق بسبب الضغوط المالية المتزايدة وارتفاع تكاليف المشاريع الكبرى المرتبطة برؤية 2030.

كان من المقرر أن يكون المبنى مكعبًا ضخمًا بأبعاد 400 متر في 400 متر، مزودًا بقبة عرض ضخمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتي ستكون الأكبر من نوعها عالميًا، يمكن للزوار مشاهدتها من برج حلزوني داخلي يزيد ارتفاعه عن 300 متر.

يهدف المشروع إلى توفير حوالي مليوني متر مربع من المساحات الداخلية، ما يجعله أكبر هيكل منفرد في العالم، ويوازي في حجمه نحو 20 مبنى بحجم برج ‘إمباير ستيت’ الشهير في نيويورك.

كان من المخطط إنجاز المشروع بحلول عام 2030، لكنه الآن مهدد بالتأجيل حتى عام 2040، مما يعكس تغير استراتيجية الإنفاق والاستثمار في المملكة. خلال مؤتمر الرياض في ديسمبر 2025، أكد مايكل دايك، الرئيس التنفيذي لشركة تطوير المربع الجديد، أن المشروع يمثل تحديًا فريدًا، مشيرًا إلى ‘صعوبة إيجاد حلول لأمور غير موجودة اليوم’.

الأولوية لمشاريع أخرى

بحسب المصادر، توقفت الأعمال بعد الانتهاء من حفر التربة ووضع الركائز، في حين يستمر تطوير العقارات المحيطة بالمشروع، مما يدل على أن التعليق لم يشمل جميع أعمال البنية التحتية المحيطة. وذكرت المصادر أن مستقبل المشروع بات غير واضح، إذ لم يُتخذ قرار نهائي بشأن استكماله أو إعادة هيكلته.

يمثل تعليق العمل تغييرًا في سياسة الإنفاق السعودية، حيث بدأ صندوق الاستثمارات العامة، الذي يدير أصولًا تقدر بـ 925 مليار دولار، بتقليص الطموحات المتعلقة بالمشاريع الضخمة والتركيز على مبادرات أكثر ربحية وعاجلة. وتشمل هذه المبادرات، كما تراه ‘شاشوف’، تطوير البنية التحتية لمعرض ‘إكسبو 2030’، واستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2034، بالإضافة إلى مشروع ‘الدرعية الثقافي’ ومشروع القدية السياحي الضخم.

كما بدأ الصندوق توجيه الاستثمارات نحو قطاعات أسرع عائدًا مثل الخدمات اللوجستية والتعدين والذكاء الاصطناعي، حيث تم شطب 8 مليارات دولار من الاستثمارات في المشاريع الكبرى بنهاية عام 2024. يأتي هذا في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط عن المستويات المطلوبة لتمويل الطموحات الاقتصادية، مما يزيد الضغوط على الموازنة العامة للمملكة ويجبرها على إعادة تقييم المشاريع الكبرى.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروع

قدّرت شركة الاستشارات العقارية ‘نايت فرانك’ تكلفة مشروع ‘المربع الجديد’ بنحو 50 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي للأردن.

تشير التقديرات الحكومية السابقة التي عرضتها ‘شاشوف’ إلى أن المشروع سيساهم بـ 180 مليار ريال في الناتج المحلي للمملكة ويوفر 334 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى 104 آلاف وحدة سكنية، إذا اكتمل بحلول عام 2030.

إلى جانب الأثر الاقتصادي المباشر، أثار تصميم المشروع جدلاً على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب تشابه شكله مع الكعبة المشرفة، مما أدى إلى نقاش واسع حول الرمزية المرتبطة بالمشروع. وهذا يعكس الحساسية التي تحيط بالمشروع من النواحي المالية والتقنية والثقافية والاجتماعية، وقد يؤثر ذلك على الدعم الشعبي والمستثمرين المحليين والدوليين.

يعتبر المكعب أول مشروع في العاصمة يخضع لإعادة تقييم شاملة للجدوى، في حين تراجع المملكة عن تمويل عدد من المشاريع الكبرى الأخرى، منها تأجيل استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 في ‘تروجينا’ ضمن مشروع ‘نيوم’، بالإضافة إلى تعديلات على بعض مشاريع ‘ذا لاين’ والمدن الذكية الأخرى التي شهدت تقليصًا أو إعادة جدولة بسبب الحاجة لضبط التكاليف.

وفقًا لوزير الاقتصاد السعودي فيصل الإبراهيم، تعتمد الحكومة ‘نهجًا شفافًا للغاية’، ولن تتردد في تعديل أو تأجيل أو تغيير حجم أي مشروع إذا دعت الحاجة.

مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، من المتوقع أن تركز الحكومة السعودية على مشاريع تضمن عوائد أسرع وأكبر إمكانية للربحية، بما في ذلك السياحة والثقافة والتقنيات الحديثة، بينما تبقى المشاريع الرمزية الكبرى، مثل المكعب، معرضة للتأجيل أو إعادة الهيكلة.

قد تؤثر هذه السياسة على سوق العقارات في الرياض، وفرص الاستثمار المحلي والدولي، بالإضافة إلى تشكيل تجربة عمرانية وثقافية جديدة في العاصمة.

يمثل تعليق الأعمال في مشروع المكعب العملاق مؤشرًا على تغيير الاستراتيجية السعودية في إدارة المشاريع الكبرى، من الطموحات العمرانية المذهلة إلى أولويات أكثر واقعية وربحية. ويسلط القرار الضوء على التحديات المتعلقة بتنفيذ مشاريع ضخمة في ظل الضغوط المالية والاقتصادية، وما يرافقها من عواقب اجتماعية وثقافية، مما يعكس أهمية الموازنة بين الطموح الاقتصادي والجدوى العملية في المرحلة القادمة.


تم نسخ الرابط

(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));