الاقتراض الحكومي يسيطر على الاقتصاد العالمي.. نمو متعثر بتكاليف مرتفعة – شاشوف

الاقتراض الحكومي يسيطر على الاقتصاد العالمي نمو متعثر بتكاليف مرتفعة


منذ بداية 2026، يعتمد الاقتصاد العالمي بشكل كبير على السياسات المالية التوسعية، حيث تتزايد العجوزات الحكومية وبرامج التحفيز في الاقتصادات الكبرى. يزيد الإنفاق الحكومي كمحور رئيسي لتعزيز النمو، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا. تساعد الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتوسيع الإنفاق العام في دفع النمو العالمي المتوقع. لكن الاعتماد المتزايد على الإنفاق الحكومي يسبب مخاطر طويلة الأمد، مثل تضخم الديون وارتفاع تكاليف خدمتها. تبرز المخاوف من فقدان ثقة الأسواق وأهمية معالجة التحديات المالية لضمان استدامة النمو الاقتصادي في المستقبل.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

منذ بداية عام 2026، يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً غير مسبوق نحو الاعتماد الكبير على السياسات المالية التوسعية، مع تزايد العجوزات الحكومية وتوسيع برامج التحفيز في الاقتصادات الكبرى. يعكس هذا الوضع تغييرًا عميقًا في كيفية تعامل الدول مع النمو والمخاطر والديون العامة.

من أوروبا التي تعاني من تباطؤ مزمن، إلى الولايات المتحدة، وصولًا إلى آسيا، أصبح الإنفاق الحكومي عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الزخم الاقتصادي. تقديرات حصلت عليها “شاشوف” من بنك “جي بي مورغان” تشير إلى أن النمو العالمي قد يرتفع إلى معدل سنوي يبلغ حوالي 3% خلال الأشهر الستة المقبلة، مدفوعاً بالطلب نتيجة استثمارات ضخمة خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى توسع الإنفاق العام في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

في هذا الصدد، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، عن خطة لزيادة الإنفاق العام وتقليل ضريبة الاستهلاك، في خطوة تهدف إلى دعم الاقتصاد قبل الانتخابات المبكرة، لكن هذه الإجراءات سرعان ما أثرت على أسواق المال، حيث ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية إلى مستويات قياسية، مما أثر أيضًا على الأسواق العالمية، مما أدى إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.

نقلت بلومبيرغ عن نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” في لندن، أن هذه التطورات تمثل “إشارة خطر” واضحة، مشيراً إلى أنها تكشف عن ضعف الطلب في القطاع الخاص، وتراجع مستويات الإنتاجية، واعتماد الحكومات المتزايد على الإنفاق لتعويض هذا الخلل الهيكلي.

أوروبا في مواجهة هشاشة متزايدة

تبدو القارة الأوروبية أكثر عرضة لضغوط، خاصة مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصعيد التوترات التجارية بشأن ملف غرينلاند. ومع انحسار مصادر النمو، أصبح الإنفاق الحكومي أحد الأدوات القليلة المتاحة لدعم الاقتصاد الأوروبي.

تشير التقديرات إلى أن الإنفاق المالي سيساهم بنحو نقطة مئوية كاملة في نمو الاقتصادين الأمريكي والألماني خلال العام الحالي، بينما يُتوقع أن يسهم بنحو نصف نقطة مئوية في اليابان. في الجهة الأخرى، تستعد الصين لتسجيل عجز مالي يقترب من 9% من الناتج المحلي الإجمالي للسنة الثانية على التوالي، وهو مستوى يعادل تقريبًا ضعف معدل نموها المتوقع.

تعكس هذه العجوزات المتزايدة جهود الحكومات لحماية شركاتها من التهديدات المتسارعة، سواء المرتبطة بتغير نماذج الأعمال نتيجة الذكاء الاصطناعي، أو الرسوم الجمركية الأمريكية، أو المنافسة القادمة من الصادرات المدعومة من الصين. كما يتجه الإنفاق نحو إعادة التسلح، والتحول نحو الطاقة النظيفة، وتمويل أنظمة الرعاية الاجتماعية في ظل شيخوخة السكان.

في الماضي، كانت مثل هذه السياسات تُموَّل من خلال زيادة الضرائب، لكن القادة السياسيين اليوم يتجنبون تحميل الناخبين التكاليف المباشرة. حسب بيانات صندوق النقد الدولي، بلغ متوسط العجز في الاقتصادات المتقدمة 4.6% خلال العام الماضي، و6.3% في الأسواق الناشئة وفق قراءة “شاشوف”، مقارنة بـ2.6% و4% على التوالي قبل عشر سنوات.

أمريكا وألمانيا في قلب المشهد

في الولايات المتحدة، من المتوقع أن يصل العجز المالي هذا العام إلى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة استمرار السياسات الضريبية المنخفضة. ورغم ذلك، يتوقع بنك “غولدمان ساكس” أن يسجل الاقتصاد الأمريكي نموًا بنسبة 2.5% خلال العام الجاري، مقارنة بـ2% في العام الماضي.

أما في ألمانيا، فتسعى الحكومة إلى دعم النمو من خلال حزمة إنفاق ضخمة تشمل الدفاع والبنية التحتية بقيمة تريليون يورو. ورغم أن الضرائب المرتفعة تحد من هامش المناورة المالية، إلا أن الدين العام الألماني لا يزال عند مستويات أقل نسبيًا مقارنة بدول كبرى أخرى.

يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتجاوز الدين العام العالمي 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ عام 1948. وقد أظهرت الأسواق حساسية مفرطة تجاه السياسات المالية غير الممولة، كما حدث في بريطانيا عام 2022 عندما اقترحت رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس خفضًا ضريبيًا دون تغطية مالية، مما أدى إلى اضطراب الأسواق واستقالتها لاحقًا.

في فرنسا، أدت الصعوبات السياسية في تمرير الموازنة إلى زيادة أسعار الفائدة، مما زاد الضغوط على الماليات العامة. ويرى ريكاردو ريس، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد، أن الحكومات تعلمت درسًا من جائحة كورونا، مفاده أن الإنفاق الضخم لا يؤدي فورًا إلى أزمة، رغم أن التضخم أثر على المستهلكين، لكنه جعل الدين أكثر قابلية للإدارة على المدى القصير.

من التقشف إلى التوسع

بعد الأزمة المالية العالمية، تبنت الدول سياسات تقشفية صارمة لطمأنة المستثمرين، لكن هذه السياسات أصبحت اليوم محل انتقاد واسع، حيث أسهمت في إضعاف الجيوش وتدهور البنية التحتية. وجاءت حرب روسيا وأوكرانيا لتسرع التحول نحو زيادة الإنفاق العسكري عالميًا.

في كندا، صادَق البرلمان في نوفمبر الماضي على برنامج إنفاق جديد بقيمة 140 مليار دولار كندي (103.3 مليار دولار أمريكي) على مدى خمس سنوات، وصفه رئيس الوزراء مارك كارني بأنه “استثمار جيل”، يهدف إلى تنويع الصادرات وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية، وفق متابعة “شاشوف”. وأكد سهير خان، المسؤول السابق عن الميزانية في البرلمان الكندي، أن التحولات الجيوسياسية، خاصة سياسات ترامب، دفعت كندا لتعزيز سيادتها الاقتصادية.

وأعلنت اليابان أيضًا حزمة تحفيز تعادل 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي في نوفمبر الماضي، لاحتواء تكاليف المعيشة، ودعم الاستثمار، وزيادة الإنفاق العسكري. في أوروبا، لم تعد الدعوات للانضباط المالي حصرًا على التيارات المحافظة، بل باتت حتى الأحزاب اليمينية المتطرفة تكسب تأييدًا شعبيًا عبر وعود بزيادة الإنفاق الاجتماعي.

في فرنسا، يعارض حزب التجمع الوطني رفع سن التقاعد، بينما يدعو حزب البديل من أجل ألمانيا إلى زيادة معاشات التقاعد، مما يعكس تغير المزاج السياسي العام تجاه السياسات المالية.

الصين وأمريكا: ثقة مؤجلة

تواصل الصين تسجيل عجز يقترب من 9% من الناتج المحلي الإجمالي للسنة الثانية توالياً، بينما يعكس العجز الكبير في الولايات المتحدة استمرار الإنفاق على الضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى سياسات إدارة ترامب القائمة على خفض الضرائب.

وترى ويندي إدلبيرغ، كبيرة الاقتصاديين السابقة في مكتب الميزانية بالكونغرس، أن المستثمرين لا يزالون يعتقدون أن الولايات المتحدة تمتلك ثروة كافية لتمويل ديونها وأن “يوم الحساب” ما زال بعيدًا.

غير أن موجة التضخم الأخيرة أجبرت البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة، مما أدى إلى تضاعف تكاليف خدمة الدين. ففي الولايات المتحدة، ارتفعت مدفوعات الفائدة على الدين العام إلى أكثر من الضعف خلال أربع سنوات، وهو اتجاه تكرر في ألمانيا واليابان.

ويحذر موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، من أن فقدان ثقة المستثمرين أو إعادة تقييم مبالغ فيها لعوائد الذكاء الاصطناعي قد تشكل الشرارة التي تدفع الحكومات إلى خيارات صعبة، مثل رفع الضرائب أو خفض الإنفاق. ويختصر ريكاردو ريس هذا القلق بقوله: “أنا قلق جدًا، ففاتورة الفائدة وصلت إلى مستويات مرتفعة جدًا مقارنة بأي فترة تاريخية.”

في المحصلة، يبدو أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة، حيث أصبح الاقتراض الحكومي أداة شبه دائمة لإدارة النمو وامتصاص الصدمات، بعد أن فقدت الاقتصادات الكبرى زخمها الذاتي وقدرة القطاع الخاص على القيادة. رغم أن هذا المسار يوفر استقرارًا مؤقتًا، إلا أنه يراكم في المقابل مخاطر طويلة الأمد تتجسد في تضخم الديون وزيادة كلفة خدمتها، واتساع الفجوة بين الوعود السياسية والقدرة الفعلية على السداد.

بينما يراهن صناع القرار على أن الوقت لا يزال في صالحهم وأن ثقة الأسواق ستظل قائمة، يبقى السؤال مفتوحًا حول اللحظة التي قد تتحول فيها الديون من أداة إنقاذ إلى عبء ثقيل، يفرض على الحكومات خيارات مؤلمة، ويعيد طرح جدل الاستدامة المالية بوصفه التحدي الأكبر للاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة.


تم نسخ الرابط