اقتصاد العالم في 2023: انخفاض الفوائد وزيادة الديون مع نهج حذر في قرارات البنوك والمستثمرين – بقلم شاشوف

اقتصاد العالم في 2023 انخفاض الفوائد وزيادة الديون مع نهج


يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 بواقع معقد، يتمثل في تيسير نقدي حذر وسط ديون سيادية مرتفعة وتضخم لم ينكسر تمامًا. وفق تقرير بلومبيرغ، يتوقع أن يكون هناك خفض محسوب لأسعار الفائدة، وهو ما يعكس عدم العودة إلى فترات الفائدة المنخفضة جدًا. يتحكم التضخم والدين في السياسات النقدية، مع عدم استقرار النمو. في أوروبا، من المتوقع استقرار الفائدة، بينما تشهد اليابان زيادات بسيطة. تعكس الديون المرتفعة قيودًا على السياسات المالية، وتستمر الأسواق الناشئة في الاعتماد على ضعف الدولار. يُتوقع أيضًا أن يزداد تركيز المستثمرين على جودة الائتمان.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

يستقبل الاقتصاد العالمي عام 2026 محملاً بتحديات معقدة، حيث تظهر رغبة ملحوظة في تخفيف القيود النقدية بعد سنوات من التشديد، في الوقت الذي تبرز فيه ضغوط مالية شديدة بسبب ديون سيادية متزايدة وتضخم لم يتراجع بالطريقة التي كانت تأملها البنوك المركزية.

بين هذين القطبين، يتشكل مشهد اقتصادي مختلف عن فترة الفائدة الصفرية التي سبقت الجائحة، وهو ليس عائداً بالكامل إلى شدة التقييد، بل يقف في منطقة متوسطة حساسة تتطلب اتخاذ قرارات حذرة وفقاً لتحليلات شاشوف من أحدث تقرير لبلومبيرغ.

من توسع 2025 إلى تعقيد 2026

بعد أن كان عام 2025 يمثل مرحلة توسع ملحوظ في سياسات التيسير النقدي عالمياً، حيث بدأت البنوك المركزية في تخفيف أسعار الفائدة بشكل تدريجي، يأتي عام 2026 كعام تحدٍ لحدود هذا التيسير.

المشهد الجديد تشكله ثلاثة عوامل رئيسية متداخلة وفق بلومبيرغ: الأول هو تضخم انخفض عن ذروته لكنه لا يزال أعلى من المستهدف، لا سيما في قطاع الخدمات. الثاني هو المستويات التاريخية من الديون العامة والعجوزات المالية في العديد من الاقتصادات. والثالث هو النمو الاقتصادي غير المتوازن الذي يقوده جزئياً استثمارات الذكاء الاصطناعي، ولكنه لا يزال هشاً أمام الصدمات.

تفسر هذه المعادلة التوافق النسبي بين مؤسسات كبرى مثل “سيتي غروب” و”جيه بي مورغان” و”بلاك روك” و”دويتشه بنك” و”باركليز” على أن عام 2026 لن يكون عام خفض سريع وواسع للفائدة، بل عام “خفض محسوب” يركز على إدارة المخاطر بدلاً من تحفيز النمو.

تشير توقعات بنوك الاستثمار الكبرى إلى أن أسعار الفائدة ستشهد تراجعاً تدريجياً في 2026، لكن ستظل أعلى من مستويات ما قبل جائحة كورونا، مما يعني نهاية فعالة لمرحلة “المال الرخيص” وبداية مرحلة انتقالية تتسم بانحدار منحنيات العائد وعودة السندات كأدوات دخل، مع تقليص هوامش المناورة أمام الحكومات المثقلة بالديون.

لا تتوقع المؤسسات الكبرى عودة سريعة إلى معدلات فائدة منخفضة للغاية، بل تتوقع استمرار معدلات حقيقية مرتفعة نسبياً، وهو ما يعكس إدراكهم بأن التضخم – رغم انخفاضه – لم يُهزم بعد.

التضخم

بينما تتشارك مؤسسات مثل “بلاك روك” و”يو بي إس” و”غولدمان ساكس” و”إتش إس بي سي” في القناعة بأن التضخم في 2026 سيظل فوق المستوى المستهدف، خاصة في قطاع الخدمات.

هذا الأمر يفرض على البنوك المركزية اتخاذ سياسات قائمة على البيانات، مما يمنع أي تيسير قد يعيد تفجير الضغوط السعرية مرة أخرى.

لذا، يُنظر إلى خفض الفائدة كأداة لتخفيف المخاطر الاقتصادية والمالية، وليس كوسيلة قوية لإعادة تسريع النمو.

في السياق الأمريكي، تتوافق توقعات “مورغان ستانلي” و”جيه بي مورغان” و”دويتشه بنك” و”بنك أوف أمريكا” على سيناريو خفض إضافي للفائدة خلال 2026، ولكن ضمن ظروف أكثر تعقيدًا من دورات الخفض السابقة.

تشير تقديرات “جيه بي مورغان” إلى احتمال خفض إضافي يصل إلى 75 نقطة أساس في 2026، بعد خفض تراكمي بلغ نحو 150 نقطة أساس تم خلال 2025.

من ناحية أخرى، يتحدث “دويتشه بنك” عن تخفيضين فقط قبل التوقف، مع بقاء الفائدة دون 3.5% بنهاية العام وفقاً لبيانات شاشوف، بينما يرى “بنك أوف أمريكا” إمكانية تنفيذ ثلاثة تخفيضات إضافية في النصف الثاني من العام دون تحديد حجمها.

لكن هذا الاتجاه يبقى محكوماً بعاملين ضاغطين، الأول هو نمو مدعوم باستثمارات الذكاء الاصطناعي قد يُبقي التضخم مرتفعاً نسبياً، والثاني هو العجز المالي وإصدارات الدين الضخمة التي تعيد التركيز على الاستدامة المالية.

وبناءً على ذلك، يُتوقع أن تنخفض عوائد سندات الخزانة الأمريكية في النصف الأول من 2026، قبل أن تعاود الارتفاع لاحقاً نتيجة المخاوف المتعلقة بالعجز وإصدارات الدين.

أوروبا واليابان: مساران متعاكسان

في أوروبا، ترجح مؤسسات مثل “بي إن بي باريبا” و”باركليز” و”دويتشه بنك” أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مستقرة طوال عام 2026.

لا يعود هذا إلى قوة الاقتصاد، بل إلى تعقيد المشهد: نمو ضعيف نسبياً، تضخم خدمات مرتفع، وتفاوتات مالية كبيرة بين دول الاتحاد.

أما اليابان فتقف على الجانب الآخر من الدورة النقدية وفق قراءة شاشوف من تقرير بلومبيرغ. من المتوقع أن تُنفذ زيادات تدريجية ومحدودة في أسعار الفائدة، في خطوة تعكس خروجاً بطيئاً ومدروساً من فترة طويلة من سياسة فائقة التيسير.

تذهب بعض التقديرات إلى إمكانية إجراء ثلاث زيادات بمقدار 25 نقطة أساس لكل منها بحلول نهاية 2026، وهو تحول رمزي أكثر من كونه تشديداً حقيقياً بالنظر إلى حجم الاقتصاد الياباني.

تشترك مؤسسات مثل “فرانكلين تمبلتون” و”إتش إس بي سي” و”يو بي إس” و”بنك أوف أمريكا” في الرأي بأن الأسواق الناشئة قد تكون من المستفيدين في 2026، شريطة استمرار ضعف الدولار الأمريكي وتراجع التضخم المستورد.

في هذا السياق، تُعتبر الصين حالة محورية، حيث أن وفرة السيولة العالمية وضعف الدولار قد يمنحانها قدرة أكبر على خفض الفائدة ودعم النمو في ظل ضعف الطلب المحلي.

لكن هذا المسار يظل رهناً بتطورات السياسة النقدية في الدول الكبرى واستقرار الأوضاع المالية العالمية.

الديون السيادية: القيد الأكبر

إذا كان هناك عامل تُجمع عليه الآراء، فهو أن الديون العامة ستكون السمة الأبرز لعام 2026. تقارير مالية تؤكد أن المستويات المرتفعة من الدين ستحد من قدرة الحكومات على اتخاذ القرارات.

في الاقتصادات المتقدمة، تجاوزت نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 100% في عدد من الدول. وعلى مستوى مجموعة العشرين، تتصدر اليابان القائمة بنسبة تقارب 226.8%، تليها إيطاليا عند 138.8%، ثم الولايات المتحدة بحوالي 128.7%، بينما تأتي الصين في المرتبة السابعة بنسبة 102.3% حسب البيانات التي جمعها شاشوف. في المقابل، تظهر السعودية عند مستوى منخفض نسبياً يبلغ 31.8%، مما يمنحها مجالاً مالياً أوسع.

تمثل هذه الأرقام قيوداً حقيقية على السياسات المالية والنقدية، وتحدياً مباشراً لاستدامة الأنظمة المالية.

ومع استمرار إصدارات السندات السيادية عند مستويات تاريخية مرتفعة، تتوقع مؤسسات انحدار منحنيات العائد، بحيث تنخفض عوائد السندات القصيرة الأجل بفعل خفض الفائدة، في حين تستمر الضغوط على العوائد الطويلة بسبب المعروض الكبير وارتفاع الفائدة الحقيقية.

دفعت هذه الواقع المستثمرين إلى تفضيل الآجال القصيرة في ظل عدم وضوح مسار الفائدة الأمريكية، مع توقع السوق خفضاً واحداً فقط خلال العام.

ماذا تعني هذه البيئة للمستثمرين؟

<pتخلص مؤسسات مثل “فانغارد” و”بلاك روك” و”باركليز” إلى أن عام 2026 سيشهد عودة واضحة لدور “الدخل الجاري”، حيث ستظل أدوات الدخل الثابت مدفوعة بالعائد نفسه بدلاً من ارتفاع أسعار السندات.

في الوقت نفسه، قد تستفيد أسواق الأسهم من توجه البنوك المركزية نحو دعم النمو وتراجع الضغوط التضخمية، ويؤكد مانبريت جيل من “ستاندرد تشارترد” أن خفض الفائدة وضعف الدولار تاريخياً يمثلان بيئة داعمة للأصول ذات المخاطر.

لكن الصورة ليست مثالية بالكامل، حيث يفرض ارتفاع إصدارات الديون السيادية وتراجع التيسير الكمي تدقيقاً أكبر في جودة الائتمان وآجال الاستحقاق. لذا، ترى “غولدمان ساكس” و”بلاك روك” و”فرانكلين تمبلتون” أن الإدارة النشطة للمحافظ، diversification of income sources، والتحكم بمخاطر الائتمان ومدة استحقاق السندات ستكون عناصر حاسمة في قرارات المستثمرين خلال عام 2026.

في الختام، عام 2026 ليس عاماً للتحفيز الكبير، ولا للتشديد الشديد، بل عاماً يتسم بالتوازن الصعب، حيث تنخفض الفائدة بحذر، وترتفع الديون لتقييد الجميع. ضمن هذه الهوامش الضيقة بين التيسير والضغط، ستُتخذ القرارات النقدية والاستثمارية، وسيُختبر ذكاء صناع السياسات والمستثمرين على حد سواء.


تم نسخ الرابط