استقصاء: مؤسسات عالمية متعدية للحدود تساهم في حرب الإبادة على غزة

استقصاء مؤسسات عالمية متعدية للحدود تساهم في حرب الإبادة على


منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر 2023، تواصل الآلة الحربية الإسرائيلية عمليات القصف المدمرة بدعم من شركات عالمية متعددة الجنسيات. الولايات المتحدة، باعتبارها المورد الأول للسلاح، تقف في صميم هذه التعاقدات، حيث تسهم شركات مثل بوينغ ولوكهيد مارتن في تزويد إسرائيل بالمعدات العسكرية. إضافةً إلى الدعم التكنولوجي من شركات مثل غوغل وأمازون، التي توفر أنظمة ذكاء اصطناعي. في الوقت الذي تُصنَّف فيه هذه الشركات كشركاء في جرائم حرب، يعيش الفلسطينيون في غزة كابوساً يومياً، مع تفشي المجاعات والنزوح والدمار، مما يجعل الحالة تستدعي نقاشًا جادًا حول المسؤولية الدولية.

تقارير | شاشوف

منذ بداية حرب الإبادة على غزة في السابع من أكتوبر 2023، استمرت آلة القتل الإسرائيلية بلا توقف، حيث شهدنا آلاف الغارات الجوية ومئات الأطنان من القنابل، بالإضافة إلى أسلحة وتقنيات لم تُستخدم في أي حرب سابقة على القطاع، كلها جُربت أمام أعين العالم.

لكن خلف هذه الحرب، التي تجاوزت مآسيها حدود التعريف القانوني، تقف شبكة معقدة من الشركات العالمية متعددة الجنسيات، التي لعبت دورًا مباشرًا أو غير مباشر في تمكين إسرائيل من مواصلة حربها، سواء عبر بيع السلاح والذخائر، أو عبر تزويدها بالتكنولوجيا المتطورة والأنظمة السحابية، أو حتى عبر توفير غطاء اقتصادي وسياحي للاستيطان.

وفقًا لتتبع مرصد “شاشوف”، تظل الولايات المتحدة المورد الرئيسي للسلاح الذي دمر غزة، لكنها ليست مجرد دولة تدعم حليفها التقليدي، بل الشركات الأمريكية العملاقة هي المحرك الرئيسي لهذه الصفقات. شركة “بوينغ” زودت إسرائيل بالقنابل الذكية من نوع JDAM وGBU-39، التي وثقت آثارها على المنازل المدمرة وعائلات أبيدت بالكامل. شركة “لوكهيد مارتن” كانت جزءًا من هذه المنظومة من خلال مكونات مقاتلات F-35 التي شاركت في القصف، حيث أصدرت محكمة استئناف هولندية في فبراير 2024 حكمًا بوقف شحنات قطع الغيار المرسلة لإسرائيل، مما يعكس حجم التواطؤ الغربي في استمرار الحرب.

أما “رايثيون تكنولوجيز” المعروفة اليوم بـ RTX، فهي شريك أساسي لشركة Rafael الإسرائيلية في إنتاج صواريخ “تامير” المستخدمة في أنظمة القبة الحديدية وديفيدز سلينغ. ولم تكتف الشركة بتزويد إسرائيل بالصواريخ، بل أعلنت عن بناء مصنع جديد في ولاية أركنساس الأمريكية لإنتاج هذه الصواريخ بالتعاون مع تل أبيب، ما يعني أن هذه المنظومة ستظل في خدمة إسرائيل لسنوات قادمة.

وشركة “جنرال دايناميكس” لم تكن بعيدة عن المشهد الدموي، فهي جزء من سلسلة إنتاج القذائف عيار 155 ملم التي أبحرت بكميات كبيرة لتعويض مخزونات إسرائيل خلال الحرب، وفق تقارير “شاشوف”.

ومؤخراً، وفي الوقت الذي كانت غزة تشهد أوج الكارثة الإنسانية، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صفقة عسكرية جديدة بقيمة 6.4 مليارات دولار لصالح إسرائيل، تضمنت ثلاثين مروحية هجومية من طراز أباتشي، وأكثر من ثلاثة آلاف مركبة هجومية، بالإضافة إلى معدات دعم لوجستي بقيمة 750 مليون دولار.

تزامن الإعلان عن الصفقة مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في لحظة كان يفترض أن يكون فيها الضغط الدولي موجهاً نحو وقف الحرب، لا نحو تغذيتها بمزيد من الأسلحة.

الإبادة الذاتية.. أوروبا بين المنع والاستثناء

بجانب هذه الشركات الأمريكية، تعمل الشركات الإسرائيلية كأذرع صناعية للحرب. شركة “إلبيت سيستمز” و”رفائيل” و”IAI” (شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية) هي الأعمدة الثلاثة التي أنتجت الطائرات المسيرة والصواريخ والقذائف الذكية.

لقد أدرجت منظمة العفو الدولية خلال هذا الشهر هذه الشركات ضمن قائمة 15 شركة متورطة في جرائم حرب محتملة ضد الفلسطينيين، بعدما تبين أن منتجاتها استُخدمت لاستهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية.

في أوروبا، تذبذب الموقف بين التشديد والمرونة. في سبتمبر 2024، علقت بريطانيا نحو ثلاثين ترخيصاً لتصدير السلاح إلى إسرائيل، لكنها أبقت على الاستثناءات الخاصة بسلسلة توريد برنامج F-35، معتبرة أن هذه المكونات ‘حيوية’ ولا يمكن وقفها.

أما ألمانيا، فقد رفعت صادراتها العسكرية إلى إسرائيل بشكل كبير في عام 2023، وبعدها خفضتها تدريجياً في 2024، وصولاً إلى إعلان في أغسطس 2025 بتجميد أي صادرات يمكن استخدامها في غزة.

إسبانيا – التي كان لها دور بارز في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية – واجهت انتقادات حقوقية واسعة بعدما استمرت شركة “CAF” الإسبانية في تشغيل وتوسيع ترام القدس الذي يخدم المستوطنات الإسرائيلية، ما يعني العقود المباشرة في ترسيخ البنية التحتية للاستيطان، على الرغم من التحركات الرسمية والشعبية الإسبانية الكبيرة لمناصرة غزة.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. حرب من نوع جديد

لكن الحرب على غزة لم تُخض فقط عبر الطائرات والدبابات، بل أيضًا عبر الخوارزميات والأنظمة السحابية. نفذت شركتا “غوغل” و”أمازون” مشروع “نيمبوس”، وهو عقد ضخم للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة الإسرائيلية، رغم احتجاجات الموظفين داخلهما تحذّر من استخدام هذه التكنولوجيا في استهداف الفلسطينيين.

شركة “بالانتير”، المتخصصة في تحليل البيانات الضخمة، دخلت على الخط بعقد معلن مع وزارة الدفاع الإسرائيلية في أكتوبر 2024 لتزويدها بأنظمة ذكاء اصطناعي تُستخدم في العمليات الميدانية.

كما تورطت شركات مراقبة مثل “هيكفيجن” الصينية و”كورسايت” الإسرائيلية في تزويد الاحتلال بأنظمة مراقبة وتحديد وجه مكنتها من إحكام السيطرة على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وهذه التقنيات، التي تسوّق في العالم كأدوات أمنية، تحولت في السياق الفلسطيني إلى أدوات اضطهاد جماعي.

ولم يكن تدمير المنازل والبنية التحتية في غزة ليحدث بهذا الحجم لولا آليات الهدم الثقيلة التي وفرتها شركات عالمية. شركة “كاتربيلر” الأمريكية زودت إسرائيل بجرافات D9 العسكرية، التي استخدمت في تسوية أحياء كاملة بالأرض.

الشركة أُدخلت تحت مجهر الصناديق الاستثمارية الأوروبية، ما دفع صندوق معاشات نرويجي في يناير 2024 إلى سحب استثماراته منها بسبب دورها في الانتهاكات. كما أن الشركة الكورية الجنوبية “HD Hyundai” متهمة أيضاً ببيع حفارات وآليات ثقيلة تم استخدامها في عمليات الهدم بالضفة وغزة.

في قطاع المياه، برزت شركة “ميكوروت” الإسرائيلية، التي تدير البنية التحتية للمياه بطريقة تُحرم الفلسطينيين من حصصهم وتمنح الأفضلية للمستوطنات. أما شركة “شيفرون” الأمريكية، فقد بقيت لاعبًا رئيسيًا في تشغيل حقول الغاز الإسرائيلية “ليفياثان” و”تمار”، حيث أُوقف الأخير بشكل مؤقت بعد اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.

لعب الاقتصاد الرقمي دوره أيضاً. فشركات سياحة عالمية مثل “Airbnb” و”Booking.com” و”TripAdvisor” و”Expedia” استمرت في إدراج عقارات داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، متجاهلة القوانين الدولية التي تصف هذه المستوطنات بأنها غير شرعية، ما يساهم في توفير غطاء اقتصادي للاستيطان، ويحوله إلى نشاط سياحي مشروع أمام العالم.

لم يكن القطاع المالي بعيداً، فقد واجه بنك “باركليز” البريطاني حملات حقوقية واسعة بسبب استثماراته في شركات السلاح المرتبطة بإسرائيل. ورغم محاولاته نفي التورط المباشر، استمر الضغط الشعبي والحقوقي. وفي الجانب الإعلامي، اتُهمت شركة “ميتا” المالكة لفيسبوك وإنستغرام بأنها تقيّد المحتوى الفلسطيني وتحذف منشورات توثق جرائم الحرب، مما يجعلها شريكًا غير مباشر في التغطية على الانتهاكات.

غزة.. بين الروبوتات والعطش والنزوح

بينما تتحرك هذه الشركات في العواصم الكبرى وتُبرم الصفقات بالمليارات، يعيش الفلسطينيون في غزة كابوسًا يوميًا. الاحتلال دفع بأسلحة جديدة مثل “الروبوتات المفخخة” التي تُرسل إلى الأحياء السكنية وتُفجر عن بُعد، مسببة دمارًا هائلًا ومجازر مروعة. 75% من آبار المياه دُمرت، ربع مليون طن من النفايات تراكمت في الشوارع، 270 ألف فلسطيني أُجبروا على النزوح جنوبًا، و1.7 مليون يعيشون في مناطق ضيقة لا تتجاوز 12% من مساحة القطاع، مما يشبه “معسكرات تركيز” عصرية.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وصف الوضع بأنه “أسوأ مستوى من الموت والدمار رأيته في حياتي”، لكنه رغم ذلك أحجم عن استخدام مصطلح “إبادة”، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن ما يحدث في غزة لا يمكن وصفه بغير ذلك.

الإبادة في غزة ليست صناعة إسرائيلية خالصة، بل هي نتاج منظومة اقتصادية عابرة للقارات، تبدأ من مصانع السلاح في واشنطن، مروراً بخوادم الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون، وصولاً إلى منصات السياحة الرقمية في أوروبا، وجرافات الهدم القادمة من كوريا الجنوبية.

كل هذه الشركات، سواء أكانت واعية بدورها أم لا، ساهمت في استمرار حرب الإبادة على غزة، وأثبتت أن منطق الربح يعلو على منطق القانون، وأن الحياد الذي تدعيه هذه المؤسسات ليس سوى غطاء لجرائم حرب تُرتكب أمام العالم.


تم نسخ الرابط