شهد الاقتصاد اليمني تغييرات متسارعة بعد سيطرة السعودية على مناطق المجلس الرئاسي عقب استقالة رئيس وزراء حكومة عدن، سالم بن بريك، الذي استبدل بشائع محسن الزنداني. تأتي هذه التحولات وسط دعم سعودي مالي بقيمة 90 مليون دولار لتعزيز بنك عدن المركزي ودعم مشاريع تنموية بقيمة 500 مليون دولار. ومع ذلك، يبقى تأثير هذه التغيرات على الاقتصاد المحلي غير مؤكد، إذ تعتمد الحكومة الجديدة على دعم خارجي مع ضرورة إصلاحات إدارية. في الوقت نفسه، خرجت مظاهرات تأييد للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، مشيرةً إلى استمرار التوترات السياسية والاقتصادية.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
تتزايد وتيرة التغيرات في المناطق الخاضعة لسلطة المجلس الرئاسي، التي استولت عليها السعودية بالكامل بعد ما وُصف إعلامياً بـ”طرد الإمارات” في 30 ديسمبر 2025. أثارت هذه التغيرات تساؤلات كبيرة حول مصير المشهد الاقتصادي بالتزامن مع التطورات السياسية.
بعد سبعة أشهر من توليه المنصب، قدّم رئيس وزراء حكومة عدن، سالم بن بريك، استقالته، حيث أعلن المجلس الرئاسي قبوله للاستقالة وكلف وزير الخارجية شائع محسن الزنداني بديلاً له مع تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، وهو ما اعتُبر خطوة لتهيئة المرحلة القادمة لمواكبة التحولات السياسية في البلاد.
تولى بن بريك رئاسة الحكومة في مايو 2025 بعد أحمد عوض بن مبارك، وهو يحتفظ أيضًا بمنصب وزير المالية منذ سبتمبر 2019، كما كان له دور رئيسي في عدة مناصب سابقة، من بينها رئاسة مصلحة الجمارك بين 2014 و2018، حسب متابعة شاشوف.
تم تعيين بن بريك مستشاراً لرشاد العليمي للشؤون المالية والاقتصادية. وتساءل ناشطون عبر منصة “إكس” لماذا لم يتخذ المجلس الرئاسي قرار تغيير الحكومة مع الإبقاء على رئيسها، بينما أعرب آخرون عن ضرورة تشكيل الحكومة استناداً إلى الكفاءات بدلاً من المحاصصة السياسية.
جاء هذا التغيير الحكومي بعد ساعات من إعلان رشاد العليمي تعيين عضوين جديدين في المجلس، هما محمود الصبيحي، وسالم الخنبشي الذي احتفظ بمنصبه كمحافظ لحضرموت، وذلك لسد الشواغر الناتجة عن فقدان عضوية عيدروس الزبيدي وفرج البحسني (الذي اعترض بشدة على إقصائه في بيان اطلع عليه شاشوف). وكان قد أعلن العليمي أيضًا عن توجهه لإعادة الحكومة ومؤسسات الدولة إلى العمل من الداخل، في محاولة لتعزيز حضور السلطة وإعادة ترتيب المشهد السياسي والإداري.
دعم مالي سعودي وشروط اقتصادية
بالتوازي مع هذه التحولات، أعلنت السعودية عن بدء حزمة مشاريع تنموية في الجنوب بقيمة تقارب 500 مليون دولار تشمل 10 محافظات، تتوزع بين بناء مستشفيات ومدارس، وشق طرق، وتعزيز قطاع الكهرباء من خلال تبرعات بالوقود، بالإضافة إلى إنشاء مسجد في جزيرة سقطرى باسم “خادم الحرمين الشريفين” وفق ما هو معلن.
قبل إعلان استقالته بوقت قصير، أعلن سالم بن بريك عن الدعم المالي السعودي الجديد الذي يعزز بنك عدن المركزي بمبلغ 90 مليون دولار، مخصص لتسديد مرتبات موظفي الدولة في القطاعين المدني والعسكري للشهرين الماضيين.
وصرح بأن الحكومة، بالتنسيق مع بنك عدن المركزي، ستبدأ فوراً باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سرعة صرف المرتبات لمستحقيها، وفق آليات شفافة ومسؤولة، مما يعزز الثقة في المؤسسات المالية والنقدية وفق ما رصدته شاشوف.
من جانبه، قال السفير السعودي لدى اليمن والمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، محمد آل جابر، إن السعودية تواصل دعم حكومة عدن، مشيراً إلى أن الظروف الاقتصادية في اليمن صعبة للغاية، بسبب عدم القدرة على تصدير النفط وتراجع إيرادات الدولة بأكثر من 60%، مما جعل الحكومة غير قادرة على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية.
كما أفاد بأن بنك عدن المركزي يعاني من نقص الودائع المالية، مما استدعى وضع استراتيجية سعودية شاملة لدعم الاقتصاد اليمني.
يمكن لهذه المتغيرات أن تؤثر على الاقتصاد بعدة اتجاهات. على المدى القريب، قد يسهم تغيير الحكومة وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي في إثارة حالة من الترقب لدى الأسواق والقطاع الخاص، خصوصًا في ظل حساسية الوضع الاقتصادي اليمني واعتماده الكبير على الدعم الخارجي.
يشير اقتصاديون إلى أن المجلس الرئاسي أراد من خلال تعيين رئيس وزراء جديد من الخارجية، بالتوازي مع الدعم السعودي المعلن، تعزيز الثقة النسبية لدى المانحين والمؤسسات الدولية، وفتح الباب أمام تدفقات مالية أكبر مشروطة بإصلاحات إدارية ومالية.
يمكن أن يحرك الدعم الخارجي الذي تعتمد عليه حكومة عدن عجلة الاقتصاد المحلي في المحافظات المستفيدة، لكن يبقى الأثر الإيجابي مرتبطاً بقدرة الحكومة الجديدة على إدارة هذه المشاريع بشفافية وكفاءة، وتوحيد المؤسسات المالية، وضبط الموارد، إذ أن أي تعثر سياسي أو صراع داخلي قد يحد من الجدوى الاقتصادية لهذه التحولات.
مظاهرات حاشدة للانتقالي في عدن
بالتزامن مع تكليف الزنداني بتشكيل حكومة جديدة، خرجت مظاهرات حاشدة في مدينة عدن، يوم الجمعة، مؤيدة للمجلس الانتقالي، الذي قيل إنه قد حُلّ من مدينة الرياض.
نقلت وسائل إعلام محلية وإماراتية، أن الحشود ضمت الآلاف من المحافظات الجنوبية الذين قدموا من الضالع ولحج وأبين إلى مدينة عدن للمشاركة في فعالية دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، التي دعا إليها عيدروس الزبيدي. جاءت هذه المظاهرات للتعبير عن ما وُصف بـ”دعم الإعلان الدستوري” الذي أعلن عنه البكيدي في 02 يناير الجاري.
بعد هذه الفعالية، خرج الزبيدي لأول مرة منذ ما زعم بـ”تهريبه إلى الإمارات عبر الصومال”، حيث كتب منشورًا تابعه شاشوف على “إكس”، قال فيه: “أيها جماهير شعب الجنوب الأبي، لقد أثبتم اليوم للعالم أنكم أصحاب الحق الشرعي، وأن إرادتكم الحرة هي مصدر الشرعية الحقيقية، وأن صوت الشعب الجنوبي لا يمكن تجاهله أو تجاوزه بعد اليوم. لقد خرجتم بملايينكم لتقولوا كلمتكم بوضوح ودون مواربة”.
وأضاف الزبيدي: “هذه المظاهرة تمثل رسالة سياسية حاسمة، تؤكد تمسك شعب الجنوب بالبيان السياسي والإعلان الدستوري كمسار وطني جامع، يعبر عن تطلعاتكم المشروعة في استعادة دولتكم وبناء مستقبل يليق بتضحياتكم الجسيمة”، موضحًا أن “الجنوب دخل اليوم مرحلة جديدة مع عنوانها الثبات ووحدة الصف، وفرض الإرادة الشعبية على طاولة الإقليم والعالم، ولن نقبل بعد الآن بأي حلول تنتقص من حقنا أو تفرض علينا واقعاً غير مقبول”.
وكان الانتقالي قد أعلن -عبر قنواته الرسمية التي يرصدها شاشوف- أنه لا يزال قائماً ولم يتم حله، وذلك عقب تصريحات لوزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان عن حل المجلس خلال اجتماع مع شخصيات بارزة من المجلس الانتقالي في الرياض.
يُنظر إلى تصاعد التوترات بين مختلف الأطراف على أنه ينعكس على الوضع الاقتصادي العام في عدن وجنوب اليمن، حيث تستمر حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي المنعكس على مستويات المعيشة للمواطنين الذين لا يزالون يطالبون بصرف رواتبهم كاملة ومنتظمة.
كما أن التقلبات السياسية تستمر في إبقاء السوق المالية متقلبة، مع استمرار التضخم وزيادة تكلفة الاستيراد، خاصة للوقود والسلع الأساسية، مما ينذر بإمكانية حدوث تعطل في الخدمات الحيوية إذا لم تُوضع الخطط الطارئة. كما أن هناك مزيدًا من الضغوط على المستثمرين المحليين في ظل الأوضاع غير المستقرة.
تم نسخ الرابط
