تسارعت جهود الحكومات عالميًا لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مما أدى إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وتفاقم أزمة ارتفاع الأسعار. ووصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه أكبر انقطاع لإمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، حيث ارتفعت أسعار خام برنت إلى 102.90 دولار للبرميل. قامت عدة دول باتخاذ إجراءات طارئة لحماية اقتصادياتها، مثل تقديم دعم حكومي وتقليص الضرائب. وأدت الأزمة إلى مخاوف من ارتفاع أسعار الغذاء بسبب تكاليف الإنتاج الجديدة، مع سعي حكومات مثل كوريا الجنوبية ومصر لتأمين إمدادات الطاقة والغذاء المحلية وسط تصاعد الضغوط.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تتسارع جهود الحكومات في أنحاء العالم لمواجهة الآثار الاقتصادية المتزايدة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وسط اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع كبير في أسعار الوقود والغاز. هذا الأمر دفع العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات طارئة لحماية اقتصاداتها والمستهلكين من موجة تضخم جديدة قد تؤثر على الغذاء والكهرباء والنقل.
التطورات الأخيرة التي تتابعها ‘شاشوف’ في أسواق الطاقة تشير إلى أن الأزمة الحالية تحولت إلى صدمة إمدادات واسعة النطاق تهدد استقرار الأسواق العالمية، خاصة مع تعطل جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط.
وأدت الحرب المستمرة في المنطقة إلى تعطل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، بعد أن اضطُرّ كبار المنتجين في الخليج، مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، إلى خفض إنتاجهم بسبب الاضطراب في حركة الملاحة والتصدير.
وكالة الطاقة الدولية تصف هذه التطورات بأنها أكبر انقطاع لإمدادات الطاقة يشهده العالم في تاريخه الحديث، مما انعكس مباشرة على الأسعار في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار خام برنت إلى 102.90 دولار للبرميل، بزيادة تعادل نحو 42% مقارنة بالمستويات التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي.
في خطوة لتخفيف الضغط على الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن تنسيق أكبر عملية إفراج عن النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء، في محاولة لتعويض جزء من النقص الحاد في الإمدادات. كما اضطُرت أمريكا إلى اتخاذ إجراء استثنائي بتخفيف القيود على صادرات النفط الروسية كحل مؤقت يهدف إلى زيادة المعروض العالمي في ظل الأزمة الحالية.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
تفجرت اضطرابات سوق الطاقة بسبب التوترات الأمنية في مضيق هرمز، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. وفق تقديرات حديثة اطلعت عليها شاشوف من بنك الاستثمار الأمريكي ‘جيه بي مورغان’، فقد تصل التخفيضات في إمدادات النفط الخام العالمية إلى نحو 12 مليون برميل يومياً بحلول نهاية الأسبوع المقبل، في حال استمرار اضطراب حركة النقل البحري في المنطقة.
وأشار البنك إلى أن الإنتاج المتوقف فعلياً قد بلغ بالفعل نحو 6.5 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى أعلى مما كان متوقعاً في التقديرات السابقة، وفي الوقت نفسه، لا تزال بعض الشحنات التي غادرت الخليج قبل إغلاق المضيق تصل إلى وجهاتها، إلا أن الشحنات الجديدة توقفت إلى حد كبير.
وتوقع البنك أن تبدأ الإمدادات المتجهة إلى آسيا في الانخفاض خلال الأيام القليلة المقبلة، بينما قد تتوقف الشحنات المتجهة إلى أوروبا في وقت لاحق من الأسبوع المقبل إذا استمر الوضع كما هو. كما حذر من أن الأسواق العالمية بدأت بالفعل تواجه نقصاً واضحاً في بعض المنتجات النفطية، مثل الديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال والنافثا.
في هذا السياق المضطرب، بدأت الحكومات في مختلف أنحاء العالم اتخاذ إجراءات استباقية لتقليل تأثير الأزمة على المواطنين والشركات. هذه الإجراءات تشمل مزيجاً من السياسات المالية والتنظيمية، مثل تقديم الدعم الحكومي للوقود، ووضع سقوف للأسعار، والإفراج عن المخزونات الاستراتيجية من الطاقة والسلع الأساسية.
في كوريا الجنوبية، يدرس المسؤولون تقديم قسائم دعم إضافية للأسر لمساعدتها في مواجهة الارتفاع المتوقع في فواتير الكهرباء نتيجة زيادة أسعار الوقود. كما تعمل الحكومة الكورية على إعداد خطة طوارئ لزيادة إنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة النووية ومحطات الفحم، في حال استمرار تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الشرق الأوسط.
القلق يمتد إلى أسعار الغذاء
آثار أزمة الطاقة امتدت إلى أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، نظراً لارتباط تكاليف الإنتاج والنقل بأسعار الطاقة. في مصر، على سبيل المثال، قررت السلطات وضع سقف لأسعار الخبز غير المدعوم الذي تبيعه المخابز الخاصة، في محاولة لمنع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل من التسبب في زيادة أسعار الغذاء. الخبز في مصر يمثل سلعة أساسية لملايين المواطنين، وقد يحمل ارتفاع أسعاره أبعاداً اقتصادية وسياسية حساسة.
في الصين، دفعت المخاوف من ارتفاع تكاليف الزراعة الحكومة إلى الإفراج عن كميات من الأسمدة من الاحتياطيات الاستراتيجية قبل موسم الزراعة الربيعي، بهدف تثبيت الأسعار وضمان توفر الإمدادات للمزارعين.
في آسيا وأوروبا، تتجه الحكومات إلى التدخل المباشر في أسواق الطاقة بهدف الحد من ارتفاع الأسعار. في الفلبين، أعلنت الحكومة أنها تدرس تنظيم أسعار الكهرباء وزيادة إنتاج الطاقة باستخدام الفحم لتعويض ارتفاع تكاليف الغاز الطبيعي المسال.
في الهند، دعت السلطات المواطنين إلى عدم شراء أسطوانات غاز الطهي بدافع القلق، في ظل تزايد الطلب على هذه السلعة الحيوية، وشجعت الحكومة الهندية المستهلكين على التحول إلى الغاز الطبيعي عبر الأنابيب لتخفيف الضغط على الإمدادات.
تعتمد الهند بشكل كبير على واردات غاز البترول المسال، إذ شكلت الواردات نحو 60% من إجمالي الطلب المحلي العام الماضي، وجاء نحو 90% من تلك الواردات من الشرق الأوسط.
في القارة الأوروبية، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بشكل حاد منذ بداية الأزمة، حيث زادت الأسعار في السوق الهولندية بنحو 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. تعمل المفوضية الأوروبية حالياً على إعداد توجيهات تسمح بتطبيق قواعد أكثر مرونة لاستيراد الغاز، بهدف تسريع وصول الشحنات وتجنب أي تأخير قد يفاقم أزمة الإمدادات.
ومن المتوقع أن تستفيد هذه الإجراءات بشكل خاص من واردات الغاز القادمة من أذربيجان عبر ممر الغاز الجنوبي الذي يربط منطقة بحر قزوين بالأسواق الأوروبية.
دعم مالي وإجراءات ضريبية
إلى جانب التدخلات التنظيمية، تلجأ العديد من الحكومات إلى أدوات مالية مباشرة لاحتواء ارتفاع الأسعار. في ماليزيا، أعلنت الحكومة زيادة الإنفاق على دعم البنزين إلى نحو 510 ملايين دولار للحفاظ على استقرار أسعار الوقود الأكثر استخداماً في البلاد.
كما قامت إثيوبيا بزيادة دعم الوقود بشكل كبير لتخفيف الأعباء المالية عن المستهلكين في ظل الارتفاع العالمي للأسعار.
في أوروبا، تدرس إيطاليا خفض الضرائب على الوقود لمساعدة المواطنين والشركات على مواجهة التكاليف المتزايدة، مع احتمال فرض ضرائب إضافية على الشركات التي تحقق أرباحاً استثنائية نتيجة الأزمة.
في خطوة أخرى لمواجهة النقص في الإمدادات، أعلنت أستراليا أنها ستفرج عن كميات من البنزين والديزل من الاحتياطيات المحلية، وستخفف مؤقتاً معايير جودة الوقود لزيادة المعروض المتاح في السوق، خاصة في المناطق الريفية.
واتخذت البرازيل مساراً مختلفاً من خلال خفض الضرائب على الديزل وفرض ضريبة على صادرات النفط الخام، كوسيلة للحد من ارتفاع أسعار الوقود داخل البلاد.
مع استمرار الحرب وتزايد الاضطرابات في حركة النقل البحري، يتوقع خبراء الطاقة أن تستمر الضغوط على الأسواق العالمية لفترة أطول. ويرون أن الأهم في المرحلة الحالية هو مدى قدرة الدول المستوردة للطاقة على الحفاظ على إمدادات الوقود في حال استمرت الأزمة لفترة أطول، إذ تبدو أسواق الطاقة العالمية في موقف صعب قد يغير من موازين الطاقة العالمية في السنوات المقبلة.
تم نسخ الرابط

اترك تعليقاً