ارتفاع اليورو واليوان في أوقات الاضطرابات: فترة تنفس عالمية أمام هيمنة الدولار الأمريكي – بقلم شاشوف

ارتفاع اليورو واليوان في أوقات الاضطرابات فترة تنفس عالمية أمام


يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً هيكلياً يعيد تشكيل تدفقات رأس المال، حيث يتجه الاستثمار الآسيوي نحو تنويع التمويل بعيداً عن الدولار الأمريكي. زادت إصدارات السندات المقومة باليورو بشكل ملحوظ، ما يعكس تآكل هيمنة الدولار، وسط تداعيات السياسات التجارية لإدارة ترامب. ارتفعت إصدارات اليورو في آسيا، محدثة زيادة واضحة في النفوذ الأوروبي. كما اتجهت روسيا لإصدار سندات باليوان، مشيرة إلى تحول عالمي تدريجي بعيداً عن الدولار، مع استمرار نمو الطلب على التمويل باليورو. يبدو أن العالم يتجه نحو تعددية مالية، حيث تشارك مناطق جديدة في الساحة المالية العالمية، مما يعيد رسم قواعد اللعبة النقدية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تشهد الأسواق العالمية تحولات بنيوية ملحوظة تعيد رسم خريطة تدفقات رأس المال، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هيمنة الدولار في النظام المالي العالمي.

بينما تواصل إدارة ترامب اتخاذ سياسات تجارية ومالية مثيرة للجدل مما يزيد من التوتر مع آسيا وأوروبا، تتجه الاقتصادات الآسيوية نحو تنويع خيارات التمويل، مبتعدةً عن الدولار الأميركي الذي ظل متربعًا على العرش لعقود.

وفقًا لتقرير من وكالة “بلومبيرغ” الذي اطلع عليه “شاشوف”، تعكس هذه التحولات اضطرابات جيوسياسية وتغيرات اقتصادية وعلاقات تجارية جديدة تفرض واقعًا جديدًا، حيث تراجع النفوذ الأميركي لصالح تعددية نقدية آخذة بالتوسع.

صعود التمويل باليورو: طفرة غير مسبوقة في آسيا

تفيد بيانات بلومبيرغ بأن المقترضين من منطقة آسيا والمحيط الهادي قد زادوا إصداراتهم المقومة باليورو إلى مستوى قياسي بلغ 23% من إجمالي إصدارات السندات باليورو والدولار في 2025، بزيادة 6% عن العام الماضي. هذه القفزة لم تأتِ من فراغ، حيث ارتفعت مبيعات سندات اليورو من الشركات والحكومات الآسيوية بنسبة 75% هذا العام، وفق معلومات شاشوف، لتصل إلى 86.4 مليار يورو (100.7 مليار دولار).

على الرغم من أن الإصدارات بالدولار تظل الأكثر شيوعًا، وقد شهدت أيضًا نموًا بنحو 29% بين المقترضين الآسيويين، فإن حصة الدولار من سوق التمويل في تراجع، مما يعكس اتجاهًا متزايدًا للابتعاد عنه، أو على الأقل تقليل الاعتماد عليه. وهذا الميل نحو اليورو يعكس، وفق خبراء بلومبيرغ، تآكلًا تدريجيًا للميزة التمويلية الأمريكية.

ومن الأسباب الرئيسية لهذا التحول هو الاضطراب السياسي والاقتصادي الذي نتج عن سياسات دونالد ترامب التجارية. فقد أدت الرسوم الجمركية الأمريكية والضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة إلى تزعزُع ثقة المستثمرين العالمين في استقرار الدولار.

وفقًا للخبراء، بمن فيهم دانيال كيم من بنك HSBC، فإن هذا الاتجاه ليس مجرد رد فعل على أسعار الفائدة، بل هو استراتيجية حقيقية لتنويع التمويل وتقليل التعرض لمخاطر الدولار، في عالم أصبح يتميز بتعدد مصادر التمويل. كما أن تراجع الدولار بنسبة 11% مقابل اليورو في 2025 قد جعل التمويل باليورو أكثر جاذبية للمستثمرين الآسيويين.

استبعاد الدولرة

يقول بن وانغ، رئيس أسواق الدين الصينية الخارجية في دويتشه بنك، إن “إزالة الدولرة” أصبحت موضوعًا رئيسيًا لهذا العام. شهدت الأسواق تغيرًا ملحوظًا في أحجام التداول، حيث شكلت سندات اليورو أكثر من 10% إلى 20% من تداولات دويتشه بنك في آسيا خلال النصف الثاني من 2025، بعدما كانت نسبة هامشية مطلع العام.

ورغم التراجع النسبي، لا يزال الدولار يحتفظ بغالبية السوق، إذ يمثل 63% من السندات الصادرة بعملات أجنبية في يونيو 2025، بزيادة قدرها 20 نقطة مئوية منذ 2007، وفقًا لبنك التسويات الدولية. بينما تراجعت حصة اليورو، كما أفادت شاشوف، إلى 25% بعد أن كانت 32% قبل 18 عامًا.

لكن كبير اقتصاديي شركة فوجيتسو، مارتن شولتز، يرى أن هذه المعطيات تشير إلى تطبيع تدريجي بعد “طفرة دولارية” استمرت لفترة طويلة، مما يعكس عالمًا يتجه نحو تعدد الأقطاب المالية.

يرجع جزء كبير من صعود اليورو إلى انخفاض كلفة التمويل، حيث استطاعت الشركات الآسيوية الاقتراض باليورو بتكلفة أقل من الدولار أو عملاتها المحلية. وقد بلغت علاوة السعر التي يدفعها المستثمرون لمبادلة اليورو بالدولار أدنى مستوى لها في 5 سنوات، عند 3.1 نقطة أساس فقط.

هذا العامل عزز جاذبية التمويل الأوروبي للشركات التي تسعى لتقليل التكاليف وزيادة المرونة المالية.

صفقات آسيوية ضخمة باليورو

من بين الإصدارات البارزة التي شهدتها السوق الأوروبية هذا العام، كانت هناك سندات صينية بقيمة 4 مليارات يورو، جذبت عروضًا تجاوزت 100 مليار يورو، بالإضافة إلى إصدار شركة الاتصالات اليابانية NTT بقيمة 5.5 مليارات يورو، وهو أكبر إصدار آسيوي من نوعه في 2025.

تشير هذه الأرقام إلى تحول استراتيجي في تمويل الشركات الآسيوية عبر الأسواق الغربية بعيدًا عن الدولار. ويرى كريس إيغو من شركة أكسا لإدارة الاستثمارات أن ذلك يمثل “سوقًا أوسع للاستثمار، وتنوعًا في التدفقات النقدية، وفرصة للمؤسسات لجذب رؤوس أموال جديدة”.

وفقًا لتقديرات أوين غاليمور من دويتشه بنك، من المتوقع أن تقفز الإصدارات الآسيوية من سندات اليورو إلى 125 مليار دولار في 2026، بزيادة تقدر بأكثر من 20%.

تبدو بذلك جاذبية القارة الأوروبية كمركز تمويلي مستمرة، خاصة في ضوء السياسات النقدية المستقرة نسبيًا للبنك المركزي الأوروبي مقارنة بالاحتياطي الأمريكي.

روسيا: خطوة جديدة لإزاحة الدولار

وفي إطار متصل، دخلت روسيا أيضًا على خط إعادة تشكيل النظام المالي العالمي بإصدار أول سندات قروض فدرالية مقومة باليوان بقيمة 20 مليار يوان (حوالي 2.8 مليار دولار). وأعلنت وزارة المالية الروسية استعدادها لطرح هذه السندات سنويًا إذا استمر الإقبال عليها، وفقًا لمتابعات شاشوف.

يأتي هذا التحرك مدفوعًا بعدة عوامل، أبرزها العقوبات الغربية التي ضيقت الخناق على موسكو، وازدياد استخدام اليوان في النشاط التجاري، وتراكم فائض روسي كبير من العملة الصينية، بالإضافة إلى التوجه الرسمي نحو تقليل الاعتماد على الدولار.

اقتصاد جديد يتشكل بدولار أقل

لا يزال الدولار يحتفظ بموقعه، لكن التحركات التي تشهدها آسيا وروسيا خلال عامي 2025 و2026 تشير إلى مرحلة انتقالية في النظام المالي العالمي، حيث يعود اليورو كمكون رئيسي في التمويل الدولي، ويصبح اليوان تدريجيًا أداة دين واستثمار، بينما تسهم سياسات ترامب التجارية في تسريع الابتعاد عن الدولار.

في الوقت نفسه، تشجع تكاليف التمويل الأوروبية الشركات على التحول إلى اليورو، بينما تعيد التوترات الجيوسياسية توزيع مراكز الثقل النقدية عالميًا.

قد لا نشهد قريبًا نهاية الدولار كعملة احتياطية عالمية، لكن من المؤكد أن هيمنته لم تعد مطلقة كما كانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأن هذه المرحلة تُعتبر استراحة دولية من هيمنة الدولار، إذ يتجه العالم نحو تعددية مالية ونقدية تحكمها حسابات اقتصادية وسياسية أكثر تعقيدًا، حيث باتت آسيا وأوروبا وروسيا تشارك الولايات المتحدة ساحة النفوذ المالي، وربما تُعيد رسم قواعد اللعبة في السنوات القادمة.


تم نسخ الرابط