اخبار المناطق – الصريب في لحج… قصة كفاح تخلق الخبز والسرور

الصريب في لحج… ذاكرة تعب تصنع الخبز والفرح


في جنوب اليمن، وتحديدًا في دلتا تبن بمحافظة لحج، لا تزال ذاكرة الناس تحتفظ بصور من زمن كانت فيه الحياة بسيطة والعمل شاقًا، لكن الأرواح كانت غنية بالرضا. من بين تلك الصور، تبرز مهنة الصريب كأحد أبرز ملامح التراث الزراعي في المنطقة، حيث كانت النساء يؤدين دورًا حيويًا في جمع “السبول” من حقول القمح في أيام تتداخل فيها معاني التعب والكرامة، والفرح والكدح.

ومن خلال استذكارات أهالي لحج، كما وثقها الأستاذ جمال سالم، ندرك مدى قيمة هذا التراث ونعرف كيف ساهمت النساء في الحفاظ على حكيات اليوم وبناء كرامة المواطنون، ما يجعل هذا الموضوع أكثر قربًا ووضوحًا للجمهور اليوم.

*في الفجر الأول*

كانت “الصّرابات” تخرجن مع الفجر قبل ارتفاع حرارة الشمس وهن يحملن الأجب المصنوعة من عسب النخيل. لم تكن تلك الأجب مجرد أدوات، بل كانت رمزًا للمرأة اللحجية التي تعمل بصمت، وتواجه الحياة بقوة لا تشبه إلا نفسها.

تصل النساء إلى منطقة أعلى الحقول، حيث يجمعهن المكان المعروف باسم صوم الدهل. هناك، وبين أصوات العصافير ورائحة الأرض المبتلة بالندى، يبدأ يوم طويل، لكنه ينطلق بفرح… إذ لم يكن من عادة الصرابات أن يبدأن العمل قبل المحجرة والرقص اللحجي؛ فالرقصة كانت وسيلتهن لطرد التعب، وفتح باب النهار على ابتسامة.

*روح الصريب… العمل الذي يصنع الخبز*

في الصباح، تنطلق النساء إلى الحقول، ويبدأ الصريب وهو جمع السبول المتبقية بعد الحصاد. تتحرك الأيدي بخفة وكأنها تعرف كل سبلة باسمها، وبين حين وآخر، تقوم النساء بمرح بعض الحبوب داخل الأجب باستخدام أعواد القصب، فيمزجن اللعب بالتعب، لتبقى الروح خفيفة رغم مشقة النهار.

كان الصريب عملاً شريفًا، لكنه لم يكن دائمًا منصفًا. فقد كان بعض المزارعين يقللون من العشى — أي نصيب النساء — فإذا شعرن بالظلم، ارتفع صوتهن بعبارة أصبحت جزءًا من تراث لحج:

*واحاج بيت الله… خلي الظلامة*

صرخة تحمل ألمًا وفي الوقت نفسه إيمانًا يطلب العدل من الله قبل الناس.

*العشى… ميزان الكرامة*

مع العصر، يتم جمع السبول في مكان يسمى الوصر ليأتي المعشي ويوزع الحصص. كانت النساء ينظرن إلى حصتهن وكأنها ميزان لكرامتهن، وإن اكتشف المعشي شيئًا من “المرح” الزائد داخل الأجب، يكبه فوق الوصر دون تردد، فتقول النساء بصوتٍ يحمل تحديًا:

*خاف الله يا ظالم!”*

كلمات قليلة… لكنها كانت بمثابة ميثاق شرف بين السنةلات والرجال.

*ليل الطحن… وصنع الحياة*

بعد يوم طويل، تعود النساء إلى بيوتهن، يفترش التعب أجسادهن لكنهن لا يتوقفن. ففي الليل يبدأ عمل آخر: لبج الحب ثم طحنه. تُجهز المطحنة بتقنية متقنة، ويبدأ الطحن: جرشة، سدفة، تدقيق، حتى يصبح الدقيق ناعمًا، أبيض، يشبه نقاء القلوب التي طحنته.

*تراث لا يجب أن يذوب*

مهنة الصريب ليست مجرد عمل زراعي، بل هي قصة صبر وكرامة. إنها صورة للمرأة اللحجية التي صنعت الحياة بيديها وأطعمت أبناءها من تعبها. ورغم أن الزمن قد تغير والمهن تبدلت، إلا أن روح الصريب لا تزال تسكن ذاكرة لحج، روح العمل الشريف… والتكاتف… والفرح الذي يولد من قلب المشقة.

ومن خلال الجهود القيمة للأستاذ جمال سالم في توثيق هذا التراث واستذكار الماضي الجميل لأهالي لحج، يمكننا اليوم أن نفهم هذا العمل ليس بوصفه وظيفة فحسب، بل كحكاية كرامة وإرادة وكنز حضاري يجب أن نحافظ عليه للأجيال المقبلة.

اخبار وردت الآن: الصريب في لحج… ذاكرة تعب تصنع الخبز والفرح

تُعتبر محافظة لحج واحدة من وردت الآن الغنية بالتراث والثقافة في اليمن، ولكنها تحمل في طياتها أيضاً قصص الكفاح والتحدي. من بين البلديات الموجودة في هذه المحافظة، تبرز منطقة الصريب، التي تعكس بوضوح ذاكرة تعب قاطنيها، الذين يمزجون بين العمل والفرح، ليصنعوا مستقبلاً أجمل لأبنائهم.

من تاريخ الصريب

تاريخ الصريب يعود إلى عصور قديمة، حيث كانت المنطقة مركزًا زراعيًا هامًا. فالأرض الخصبة والمناخ المعتدل جعلها وجهة للزراعة، وكانت غالبية سكانها يعتمدون على الزراعة لتوفير لقمة العيش. ومع ذلك، لم يكن طريقهم سهلاً، إذ واجهوا تحديات كثيرة منها الجفاف والحروب والنزاعات.

الحياة اليومية في الصريب

في الصريب، لا يزال العُمال والفلاحون يستيقظون كل صباح بدراستهم الجادة لتجعل من يومهم يوماً مثمراً. يخرج الرجال إلى الحقول والنساء إلى المزارع، حيث تُزرع المحاصيل المختلفة مثل القمح والذرة والشعير. وتعتبر هذه المحاصيل ليس فقط مصدر غذاء، بل أيضًا رمزًا للأمل والصمود.

الخبز والفرح

لا تقتصر الحياة في الصريب على العمل الشاق فقط، بل تتخللها أيضًا لحظات من الفرح. فالأهالي يجتمعون للاحتفال بالمناسبات والأعياد، حيث تُعد الأطباق الشعبية والمخبوزات التقليدية، التي تُعتبر حجر الزاوية في ثقافة المواطنون. كما يرتبط الخبز في حياتهم بأحداث وتقاليد عريقة، فهو ليس مجرد غذاء، بل رمز من رموز الهوية والانتماء.

تحديات الحاضر

رغم كل هذه الجهود، تواجه الصريب تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. انقطاع الكهرباء، نقص المياه، والصعوبات في الوصول إلى الأسواق، كلها عوامل تؤثر على حياة السكان. إلا أن إرادة الإنسان في الصريب لا تزال قوية، حيث يسعى الأهالي جاهدين لتحسين واقعهم وتوفير فرص أفضل لأبنائهم.

المستقبل أمامنا

تُعتبر الصريب مثالًا حيًا عن قدرة الإنسان على التكيف والمثابرة، حيث يتحول التعب إلى طاقة إيجابية وصناعة للفرح. إن دعم السلطة التنفيذية المحلية والمبادرات الأهلية يمكن أن يُحدث فرقًا في تحسين الظروف المعيشية والبيئية في المنطقة.

في الختام، تبقى الصريب رمزًا للمثابرة والإرادة في مواجهة التحديات، وقصة تعب تصنع الخبز والفرح، مما يجعلها تحفة فريدة في سجل تاريخ لحج.