مع بداية عام 2026، تواجه الولايات المتحدة اضطرابات عمالية غير مسبوقة، حيث زادت التسريحات الجماعية بنسبة 205% مقارنة بالعام السابق، مع تسريح 108,435 وظيفة في يناير. شملت الانهيارات قطاعات النقل والتكنولوجيا والرعاية الصحية، فيما أكدت شركات مثل ‘بوينغ’ و’أمازون’ تقليص القوى العاملة. تعكس هذه التحديات أثر السياسات الاقتصادية السابقة التي أدت إلى تفاقم التضخم والخسائر في أعمال حيوية. في عالم الإعلام، تعرضت ‘واشنطن بوست’ لتسريح ثلث موظفيها بقرار وصف بالمجزرة. هذه الظروف تشير إلى مرحلة هشة في سوق العمل الأمريكي، المعرضة لتحديات التطور الكثيف والضغوط الاقتصادية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
مع بداية عام 2026، تشهد الولايات المتحدة موجة غير مسبوقة من الاضطرابات العمالية، وهي الأشد منذ نحو 20 عاماً. فقد أظهرت البيانات الأخيرة من مرصد “شاشوف” المستندة إلى “رويترز” زيادة هائلة بنسبة 205% في عدد التسريحات الجماعية للموظفين في يناير 2026 مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي.
تأثرت 108,435 وظيفة بخطط التسريح، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله في يناير منذ عام 2009، مما يُشير إلى دخول قطاع الأعمال الأمريكي في مرحلة حرجة من عدم اليقين وفقدان عقود العمل الأساسية.
على سبيل المثال، أبلغت شركة “بوينغ” لصناعة الطائرات عن إلغاء حوالي 300 وظيفة في قسم الدفاع ضمن سلسلة التوريد، مشيرة إلى أنها تعيد تقييم قوتها العاملة لتتوافق مع الالتزامات الحالية.
تأتي هذه الأحداث كدليل حي على التعقيدات الاقتصادية التي نتجت عن سياسات الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة ترامب، التي تميزت بالحمائية التجارية وتغير الرسوم الجمركية وإعادة هيكلة سلاسل التوريد وفق اعتبارات سياسية أكثر من كونها اقتصادية.
تلك السياسات، التي على حد رأي المراقبين، ساهمت في خلق بيئة اقتصادية غير مستقرة، دفعت الشركات إلى وضع استراتيجيات تقشفية من أواخر عام 2025.
وفقاً لخبراء اطلع عليهم شاشوف، فإن التشاؤم السائد في مجالس إدارات الشركات بشأن آفاق عام 2026 يُظهر حجم الإرث الثقيل للسياسات السابقة التي أربكت الأسواق وأعاقت القدرة على توقّع نمو مستقبلي.
قطاع النقل والتكنولوجيا.. انهيار في معاقل “بيزوس”
تصدر قطاع النقل قائمة القطاعات الأكثر تضرراً، مع خطر تسريح 31,243 موظف. وكانت صدمة كبيرة إذ أعلنت شركة “United Parcel Service” (UPS) عن نيتها الاستغناء عن نحو 30,000 موظف وإغلاق 24 منشأة ضمن جهودها لزيادة الربحية وتقليل اعتمادها على توصيلات شركة “أمازون”.
لم يكن قطاع التكنولوجيا بمنأى عن هذه العاصفة، إذ تم الإعلان عن تسريح 22,291 موظفاً، حيث كانت شركة “أمازون” هي المهيمنة في هذا الصدد بخطتها الاستغناء عن 16,000 موظف إداري، مما يعكس الضغوط الهيكلية التي تواجه عمالقة التكنولوجيا في ظل التغيرات السوقية السريعة.
القطاع الصحي أيضاً تأثر بأزمة التسريحات، نتيجة لتراجع التعويضات من برامج “Medicaid” و”Medicare” الفيدرالية، مما يُظهر الضغوط المالية التي تعانيها المؤسسات الخدمية.
وكما أن الذكاء الاصطناعي أصبح عامل ضغط، حيث ساهم بنسبة 7% من إجمالي التسريحات المُعلنة، إذ اتجهت الشركات لدمج التقنيات الذاتية كبديل عن العمالة البشرية لتقليل التكاليف وفق متابعة شاشوف.
وعلى الرغم من هذه الانهيارات، سجلت فرص العمل الجديدة أدنى مستوياتها لشهر يناير منذ عام 2009، حيث لم يسجل إلا 5,306 وظيفة، أغلبها في قطاع التأمين، مما يعكس حالة من “الشلل” في التوسع الوظيفي.
تسريحات “واشنطن بوست”.. أحلك أيام الصحيفة
الأزمة لم تتوقف عند القطاعات اللوجستية والتقنية، بل اثرّت بشكل كبير على الإعلام الأمريكي. حيث تعيش صحيفة واشنطن بوست “أحلك الأيام” كما قال رئيس تحريرها التنفيذي السابق، مارتي بارون.
أعلنت الصحيفة عن تسريح المئات من الصحفيين، مما يعادل ثلث قوتها العاملة، في خطوة وصفها النقابيون بـ”المجزرة الحقيقية”، تحت مسمى “إعادة الهيكلة الاستراتيجية” التي يقودها جيف بيزوس، مُتضمنة قرارات صارمة بإغلاق القسم الرياضي وتقليص التغطية الدولية والمحلية وإغلاق قسم الكتب.
هذا التراجع الكبير في “واشنطن بوست” يُعبر عن التحديات الشديدة في سوق الإعلام المتزاحم، لكنه يحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، حيث طالت التسريحات أسماء بارزة مثل كارولاين أودونوفان والصحفي نيل جرينبيرغ.
بينما يحاول رئيس التحرير الحالي مات موراي تبرير هذه الإجراءات بضرورة ضمان مستقبل الصحيفة، يسود الغضب في صالات التحرير والنقابات التي قامت بتنظيم احتجاجات ضد هذه القرارات، خاصة مع فقدان الثقة بعد قرارات إدارية سابقة.
ارتباك هيكلي كامل
استنادًا إلى المعطيات الاقتصادية الكلية والمؤشرات الجيوسياسية الحالية في عام 2026، يمكن القول إن التسريحات الوظيفية في الولايات المتحدة تعكس حالة من الارتباك الهيكلي الناتجة عن تصادم السياسات الاقتصادية مع التحولات التكنولوجية الكبيرة.
قد يعيش الاقتصاد الأمريكي حالياً مرحلة “تصفية الحساب” مع السياسات التي تبنتها إدارة ترامب، والتي اعتمدت مبدأ “أمريكا أولاً” عبر فرض رسوم جمركية شاملة وتداخل في الحروب التجارية.
أسفرت تلك السياسات عن إجبار الشركات على تغيير خطوط إنتاجها أو مورديها لأسباب سياسية، مما زاد من التكاليف التشغيلية على المدى الطويل. ومع حلول عام 2026، لم تعد الشركات قادرة على تحمل هذه التكاليف، مما دفعها لتقليص الإنفاق على العمالة.
يُعتقد أن الشركات الأمريكية وجدت نفسها بين مطرقة التكاليف المرتفعة وسندان تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، بينما تستهدف السياسات دعم التصنيع المحلي وقد أسفرت عن رفع أسعار المواد الأولية، فكان تخفيض العمالة هو الخيار الأسهل.
انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي أصبح واقعاً، فقد شهدت قطاعات مثل البرمجة والتحليل المالي خدمات العملاء انخفاصاً كبيراً، حيث أصبحت الخوارزميات قادرة على أداء مهام فرق كاملة بتكلفة زهيدة.
تفضل الشركات الآن استثمار المليارات في مراكز البيانات والتقنيات المتقدمة بدلاً من إنفاقها كرواتب سنوية، إذ أن الأصول التقنية لا تطلب زيادات سنوية أو تأمين صحي.
المشهد الاقتصادي الأمريكي هذا العام، وسط الأزمات المتزايدة من التسريحات، يرسم صورة قاتمة لدولة تسعى للتعافي من الأزمات السياسية والاقتصادية، وتواجه تحديات التطور التقني، مما يضع سوق العمل أمام أصعب اختبار منذ أجيال، في انتظار ما تحمله الأيام المقبلة من تغيرات.
تم نسخ الرابط
