إعادة إغلاق جزئي للحكومة: صراع الهجرة يطفئ أنوار الحكومة الفيدرالية للمرة الرابعة في ولاية ترامب – شاشوف

إعادة إغلاق جزئي للحكومة صراع الهجرة يطفئ أنوار الحكومة الفيدرالية


شهدت واشنطن إغلاقًا حكوميًا جزئيًا جديدًا، هو الرابع خلال فترة حكم ترامب، بسبب انهيار المفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل وزارة الأمن الداخلي. تعكس الأزمة استقطابًا سياسيًا حادًا، حيث استخدم الديمقراطيون سلطتهم لتعطيل حزمة تمويلية. هذا الإغلاق أثر على مؤسسات حيوية مثل وزارة الدفاع والخارجية، مما تسبب في وضع مئات الآلاف من الموظفين في حالة من عدم اليقين المالي. كما أعاد للأذهان إغلاقات سابقة تسببت في توقف الخدمات العامة، مما يزيد من مشكلات الثقة والكفاءة في الحكومة. الطريق إلى تسوية الميزانية يبدو مغلقًا، مما يهدد مستقبل الإدارة الأمريكية.

تقارير | شاشوف

عادت أروقة العاصمة الأمريكية واشنطن لتغرق في ظلام الإغلاق الحكومي الجزئي مرة أخرى، في مشهد يجسد حالة الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة. حيث دخلت الحكومة الفيدرالية في حالة شلل جزئي جديد منذ منتصف ليل الحادي والثلاثين من يناير 2026، وهو الرابع من نوعه خلال رئاسة ترامب. وقد انفجرت الأزمة الحالية نتيجة انهيار المفاوضات الشاقة بين الديمقراطيين والجمهوريين حول مخصصات وزارة الأمن الداخلي، وخاصة التمويل المتعلق بسياسات إنفاذ قوانين الهجرة الصارمة التي يتبناها البيت الأبيض، مما أدى إلى توقف تدفق الأموال اللازمة لتشغيل قطاعات حيوية.

تتجاوز هذه الأزمة مجرد خلاف محاسبي، لتتحول إلى معركة سياسية. فقد استخدم الديمقراطيون في مجلس الشيوخ قوتهم التصويتية لعرقلة حزمة تمويل سداسية أقرها مجلس النواب سابقًا، مشددين وفق اطلاع “شاشوف” على ضرورة إدراج قيود تشريعية واضحة لتقليص سلطات إدارة ترامب في عمليات الترحيل، أو إلغاء المخصصات المالية لوزارة الأمن الداخلي بالكامل من المشروع.

يأتي هذا التعنت المتبادل بعد وقت قصير جدًا من انتهاء إغلاق سابق سجل الرقم القياسي كأطول إغلاق في تاريخ البلاد، مما يضع المؤسسات الفيدرالية تحت ضغط تشغيلي غير مسبوق.

تكرار هذه الإغلاقات يعكس خللاً هيكلياً في آلية الحكم في أمريكا، حيث أصبحت الميزانية الفيدرالية رهينة للصراعات الحزبية بدلاً من أن تكون أداة للإدارة الرشيدة. ومع تعثر تمرير القوانين الاثني عشر الأساسية للميزانية بحلول بداية السنة المالية في أكتوبر، لجأ الكونغرس كما هو معتاد إلى “القرارات المستمرة” المؤقتة لتفادي الكارثة، إلا أن هذا الحل وصل إلى طريق مسدود يوم 30 يناير، مما أدى إلى نفاذ التمويل لعدد من الوزارات السيادية، ودخل مئات الآلاف من الموظفين وعائلاتهم في حالة من المجهول المالي والوظيفي مرة أخرى.

أزمة الميزانية المزمنة: كيف تحول التمويل الحكومي إلى ورقة ضغط سياسية؟

تعتمد الدورة المالية للحكومة الأمريكية نظريًا على تمرير الكونغرس لاثني عشر مشروع قانون للمخصصات المالية تغطي شتى القطاعات، ليقوم الرئيس بتوقيعها قبل الأول من أكتوبر من كل عام. لكن الواقع السياسي في واشنطن جعل من هذا الإجراء الروتيني أمراً شبه مستحيل، مما اضطر المشرعين للاعتماد على حلول مؤقتة قصيرة الأجل لإبقاء أبواب الحكومة مفتوحة. في السيناريو الحالي، وقع الرئيس ترامب ستة فقط من مشاريع القوانين الاثني عشر للسنة المالية 2025، مما ضمن تمويلاً مستقراً لجزء من الحكومة حتى نهاية سبتمبر، بينما تُرك النصف الآخر في مواجهة مصيره المحتوم بعد انتهاء التمويل المؤقت في نهاية يناير.

تشمل شظايا هذا الإغلاق مؤسسات سيادية لا يمكن الاستغناء عنها، مثل وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، ووزارة الخزانة، بالإضافة إلى وزارات النقل والصحة والخدمات الإنسانية والإسكان. ولم يسلم البيت الأبيض من تداعيات نقص التمويل، إلى جانب هيئات رقابية ومالية مهمة مثل هيئة الأوراق المالية والبورصات وإدارة الأعمال الصغيرة. يعني هذا الانقسام في التمويل أن المواطن الأمريكي قد يجد خدمات معينة تعمل بكفاءة تامة، بينما تتوقف خدمات أخرى ضرورية بشكل كامل، مما يُحدث حالة من الارتباك وعدم اليقين في الأسواق.

تتمثل العقدة الحالية في الديناميكية التشريعية المعقدة داخل الكابيتول، فرغم أن الديمقراطيين لا يملكون الأغلبية في مجلس الشيوخ، إلا أن قواعد المجلس تمنحهم القدرة على تعطيل وصول مشاريع القوانين إلى التصويت النهائي. وقد استغل الديمقراطيون هذه الثغرة لرفض مشروع مجلس النواب، وقدموا بدلاً منه نسخة تشمل تمويلاً ضئيلاً لمدة أسبوعين فقط لوزارة الأمن الداخلي كحل إسعافي، الأمر الذي يرفضه الجمهوريون والبيت الأبيض، مما يترك البلاد في حالة جمود بانتظار توقيع ترامب على تسوية يبدو أنها بعيدة المنال.

ملايين الموظفين بين خيار العمل المجاني أو الإجازة الإجبارية

الأغلاق الحكومي يفرز واقعًا مأساويًا للقوى العاملة الفيدرالية، حيث يتم تقسيم الموظفين قسراً إلى فئتين: ‘أساسيين’ و’غير ضروريين’. يُجبر الموظفون المصنفون كأساسيين على أداء واجباتهم دون تلقي رواتبهم في مواعيدها، مما يمثل انتهاكًا لمبدأ الأجر مقابل العمل. في المقابل، يُرسل مئات الآلاف من الموظفين الآخرين إلى منازلهم في إجازات غير مدفوعة الأجر، مما يُشكل عبئًا كبيرًا على الأسر التي تعوّل على الراتب الحكومي شهريًا.

وتتجاوز الآثار السلبية مسألة الرواتب لتؤثر على الخدمات المقدمة للجمهور؛ حيث أعلنت وزارة الخارجية عن تقليص حاد في خدمات إصدار الجوازات والتأشيرات، مما يُعطل مصالح السفر والأعمال. كما حذر مكتب إحصاءات العمل من تأجيل إصدار تقرير الوظائف الشهري الحاسم، مما قد يؤدي إلى تخبط في البورصة وقرارات الاستثمار. وفي الوقت نفسه، تواجه دائرة الإيرادات الداخلية فوضى كبيرة مع بدء موسم الضرائب، حيث يؤدي نقص التمويل إلى تأخير معالجة الإقرارات الضريبية.

تبقى الفئة الأكثر تضرراً في هذه المعادلة هي فئة المتعاقدين مع الحكومة الفيدرالية. ففي حين ضمن الكونغرس إقرار صرف الرواتب المتأخرة للموظفين الفيدراليين المباشرين بعد انتهاء الإغلاق، لا يحصل موظفو الشركات الخاصة المتعاقدة بنفس الحماية، مما يجعلهم الخاسر الأكبر في هذه المعركة السياسية.

من جدار المكسيك إلى قيود الترحيل في ولاية ترامب الثانية

المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان سيناريوهات قاتمة سابقة، حيث يمثل هذا الإغلاق الفجوة التمويلية السادسة عشرة منذ اعتماد نظام الميزانية الحديث. لقد زادت وتيرة هذه الإغلاقات في السنوات الأخيرة لتصبح أداة مفضلة في الصراع الحزبي. الذاكرة القريبة تستحضر الإغلاق التاريخي الذي حدث في 2018-2019 بسبب إصرار ترامب على تمويل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وهو ما يُظهر أن ملف الحدود لا يزال يُمثل نقطة تفجير العلاقات بين البيت الأبيض والكونغرس.

تشهد فترات الإغلاق معارك قانونية جانبياً طاحنة. سعت الإدارة في 2025 إلى تعليق صرف قسائم الطعام للولايات كوسيلة ضغط، وهي خطوة واجهت طعوناً قانونية من حكام الولايات. ورغم انتهاء القضايا عند انتهاء الإغلاق، تظل الأسئلة حول حدود سلطة الرئيس في حجب الأموال الإلزامية قنبلة موقوتة.

قبل ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن العمليات الحكومية تتوقف بشكل تلقائي، ولكن التفسيرات القانونية الحديثة جعلت من ‘الإغلاق’ أمراً واقعاً. ليس فقط خدمات الحكومة متوقفة، بل تمتد الأمور لتشمل محاولات تسريح موظفين، مما يُشير إلى أن الإغلاقات تُستخدم كفرصة لتصفية حسابات إدارية.

تكرار سيناريو الإغلاق الحكومي بهذه الطريقة خلال رئاسة واحدة، يشير إلى تحول خطير في الممارسة الديمقراطية الأمريكية. يبدو أن كلا الطرفين يرون في شلل المؤسسات وسيلة مشروعة للحصول على تنازلات سياسية، غير مكترثين بالعواقب على سمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها.

في غياب أي بوادر لتسوية جذرية، تبقى الولايات المتحدة أسيرة لدائرة مفرغة، حيث أصبح ‘الإغلاق’ هو القاعدة و’العمل المستمر’ هو الاستثناء. استمرار رهن أرزاق المواطنين بالصراعات الحزبية قد يؤدي إلى عزوف الكفاءات عن العمل الحكومي وتراجع التصنيف الائتماني، مما يضع مستقبل الإدارة الأمريكية في خطر حقيقي.


تم نسخ الرابط