أسعار الذهب تشهد ارتفاعًا حادًا بعد انتقادات ترامب لرئيس الاحتياطي الفيدرالي.. حادثة تؤثر على الاقتصاد العالمي – شاشوف

أسعار الذهب تشهد ارتفاعًا حادًا بعد انتقادات ترامب لرئيس الاحتياطي


تتجه العلاقة بين إدارة ترامب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو تصعيد غير مسبوق، حيث تهدد الإدارة بتوجيه اتهامات جنائية لرئيسه جيروم باول، مما ينذر بإرهاق استقلالية المؤسسة المالية الأمريكية. تأتي هذه التطورات في ظل ضغوط لخفض أسعار الفائدة، مما يثير قلق المستثمرين بشأن استقرار الدولار وأسعار الذهب. بينما ينكر ترامب معرفته بالإجراءات القانونية، يعتبر المشرعون في الكونغرس هذا التهديد تهديدًا لاستقلالية وزارة العدل. تزامن النزاع مع قضايا أخرى حاسمة يجعل الأشهر القادمة حاسمة للمستقبل المالي الأمريكي، ويؤكد المحللون أن الضغوط تهدد بتآكل ثقة الأسواق العالمية في الدولار.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في تطور غير مسبوق يُنبئ بإعادة تشكيل العلاقة بين البيت الأبيض والسياسة النقدية الأمريكية، زادت إدارة الرئيس دونالد ترامب من ضغوطها على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حتى أنها لوحت بإمكانية توجيه اتهامات جنائية لرئيسه جيروم باول.

وفقاً لتقارير وسائل الإعلام الأمريكية التي اطلع عليها “مرصد شاشوف”، يبدو أن الصراع قد تجاوز الخلاف حول أسعار الفائدة ليصبح مواجهة على استقلالية واحدة من أهم المؤسسات المالية في العالم، حيث تستخدم الإدارة شهادة باول أمام الكونغرس بشأن مشروع تجديد مبنى البنك كوسيلة قانونية لهذه الملاحقة.

هذا التصعيد الدراماتيكي يحدث في وقت بالغ الحساسية، حيث يترقب الاقتصاديون الأمريكي والعالمي مسار أسعار الفائدة في عام 2026. ويرى المراقبون أن تحرك وزارة العدل الأمريكية بإرسال مذكرات استدعاء للبنك المركزي لا يتعلق في جوهره بالتجاوزات المتعلقة بالتكاليف في مشروع التجديد الذي يبلغ سعره 2.5 مليار دولار، بل هو، كما وصفه “باول” نفسه، “ذريعة” تهدف إلى تقويض سلطة البنك لخدمة رغبات الرئيس ترامب الذي يطالب بخفض حاد وسريع لأسعار الفائدة لتعزيز شعبيته السياسية والوفاء بوعوده الانتخابية بتحسين القدرة الشرائية.

وقد ألقى هذا النزاع بظلاله القاتمة مباشرة على الأوساط السياسية والمالية في واشنطن ونيويورك. في حين أن الرئيس ترامب ينكر معرفته المسبقة بخطوات وزارة العدل، واصفاً باول بعدم الكفاءة، اعتبر العديد من المشرعين الجمهوريين أن هذه الخطوة تهدد مصداقية وزارة العدل. وفي خضم هذه الفوضى المؤسسية، يجد المستثمرون أنفسهم أمام سيناريو “كابوسي” يهدد بفقدان الدولار لجاذبيته كأصل آمن، ويدفع بالذهب إلى مستويات تاريخية لم يشهدها من قبل، وسط مخاوف من تسييس السياسة النقدية بشكل كامل.

استناداً إلى البيانات التي جمعها “شاشوف”، يبدو أن جيروم باول، الذي تنتهي ولايته في مايو المقبل، يتجه نحو المواجهة، معتقداً أن الخضوع لهذه التهديدات يعني نهاية استقلالية الفيدرالي. هذا الموقف المتصلب من كلا الطرفين يضع الأسواق العالمية في حالة ترقب حذر، خاصة مع تزامن الأزمة الحالية مع قضايا أمام المحكمة العليا تتعلق بصلاحيات ترامب في إقالة أعضاء مجلس المحافظين، مما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد شكل النظام المالي الأمريكي للسنوات القادمة.

الذرائع القانونية وحقيقة الصراع

تدور الأزمة الحالية حول تحقيق وزارة العدل في شهادة جيروم باول أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ في يونيو الماضي، والتي تتعلق بالتجاوزات في التكاليف لمشروع تجديد مجمع مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن.

وقد كشف باول في بيان مصوّر أن البنك تلقى مذكرات استدعاء من “هيئة محلفين كبرى” يوم الجمعة الماضية، مهددة بتوجيه لائحة اتهام جنائية. ومع ذلك، يؤكد باول جنباً إلى جنب مع مجموعة من المحللين أن هذه التحقيقات ليست سوى ستار لمحاولة السيطرة على قرارات الفائدة، مشدداً على أن “التهديد بتوجيه اتهامات جنائية هو نتيجة لإعطاء الأولوية للصالح العام بدلاً من اتباع رغبات الرئيس”.

من جانبه، حاول الرئيس ترامب الابتعاد عن الإجراء القانوني المباشر، حيث صرح لشبكة “إن بي سي نيوز” بأنه ليس لديه علم بتحركات وزارة العدل، لكنه استغل الفرصة لمهاجمة باول، مشيراً إلى أنه “غير كفء في مجلس الاحتياطي الفيدرالي ولا في عملية بناء المباني”، وهذا التصريح يعكس الرغبة الخفية لدى الإدارة في التخلص من باول أو دفعه نحو الاستقالة قبل انتهاء ولايته، خاصة أن ترامب يعتبر أن سياسات الفيدرالي الحالية تعيق النمو الاقتصادي الذي وعد به ناخبيه.

وفي سياق متصل، امتنعت وزارة العدل عن التعليق بالتفصيل على القضية، مكتفية بالإشارة إلى تعليمات عامة من وزيرة العدل بإعطاء الأولوية للتحقيق في أي استغلال محتمل لأموال دافعي الضرائب. ومع ذلك، فإن توقيت هذا التحرك، الذي يأتي في ظل ضغوط سياسية مكثفة لخفض الفائدة، يثير تساؤلات حول استخدامه كأداة ضغط سياسي. وقد وصف المؤرخ بيتر كونتي-براون التحقيق بأنه “نقطة تحول في تاريخ البنوك المركزية الأمريكية”، إذ يعد استخدام القانون الجنائي في خلاف حول السياسات خطوة تصعيدية خطيرة.

هذه الخطوة تأتي في إطار أوسع لمحاولات إدارة ترامب للحد من استقلال المؤسسات الفيدرالية. المعركة لا تقتصر على باول فقط، بل تمتد لتشمل محاولات سابقة لإقالة ليزا كوك، عضو مجلس المحافظين، وهي قضية ستنظر فيها المحكمة العليا قريباً.

تمرد تشريعي: الكونغرس يدخل خط المواجهة

لم تذهب تهديدات الإدارة لباول دون رد فعل قوي من داخل الكونغرس، وخاصة من الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس. فقد أعلن السيناتور توم تيليس، عضو اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ، رفضه القاطع لهكذا نهج، محذراً من أن التهديد بتوجيه الاتهام يضع “استقلالية وزارة العدل ومصداقيتها” موضع تساؤل. يمثل هذا الموقف تحدياً مباشراً لترامب داخل حزبه، ويشير إلى أن محاولة تسييس الفيدرالي قد تواجه عقبات تشريعية صعبة.

كما ذهب السيناتور تيليس إلى أبعد من مجرد التصريح، مهدداً بعرقلة أي مرشحين يقدمهم ترامب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك المرشح المحتمل لخلافة باول، “حتى يتم حل هذه المسألة القانونية بالكامل”. هذا التهديد يعقد حسابات البيت الأبيض بشكل كبير، حيث يحتاج ترامب إلى موافقة مجلس الشيوخ لتعيين موالين له في البنك المركزي لضمان تنفيذ رؤيته الاقتصادية بعد انتهاء ولاية باول في مايو 2026.

تمثل هذه المواقف من المشرعين قلقاً عميقاً من أن خضوع الفيدرالي للسلطة التنفيذية قد يعيد تكرار سيناريوهات اقتصادية كارثية، حيث يؤدي خفض الفائدة لأغراض سياسية قصيرة الأجل إلى تفجر التضخم على المدى الطويل. حيث يعتبر أعضاء الكونغرس أن استقلالية الفيدرالي، التي صُممت لعزله عن الضغوط الانتخابية، هي حجر الزاوية لاستقرار النظام المالي الأمريكي، وأن المساس بها قد يهدد مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية عالمياً.

وفي ظل هذه التجاذبات، تنتظر الأوساط السياسية حكماً مرتقباً من المحكمة العليا يوم الأربعاء القادم بشأن شرعية الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، إضافة إلى قضية إقالة أعضاء الفيدرالي. هذه الأحكام القضائية، وفق قراءة “شاشوف”، جنباً إلى جنب مع موقف الكونغرس، ستشكل حائط صد محتمل أمام طموحات الإدارة لإعادة تشكيل المؤسسات الاقتصادية، مما يجعل الصراع الحالي متشابكاً بين السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.

وول ستريت تحذر: الفيدرالي “تحت الحصار”

على صعيد الأسواق المالية، كان لخبر التهديد الجنائي وقع الصدمة. فقد وصف يان هاتزيوس، كبير الاقتصاديين في بنك “جولدمان ساكس”، الوضع بأنه أصبح “تحت الحصار”. خلال حديثه في مؤتمر بلندن، أكد هاتزيوس أن المخاوف العالمية بشأن استقلال البنك المركزي قد ازدادت بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أن المستثمرين بدأوا يأخذون في اعتبارهم سيناريو يفقد فيه البنك قدرته على اتخاذ قرارات مستندة إلى البيانات.

وفقاً لتحليلات “شاشوف”، وعلى الرغم من القلق، يراهن محللو وول ستريت على صلابة جيروم باول. حيث أعرب هاتزيوس عن ثقته بأن باول “سيتخذ قراراته بناءً على البيانات الاقتصادية فيما تبقى من ولايته”، ولن يخضع للضغط السياسي بمجرّد الانصياع. ومع ذلك، فإن وجود هذا الضغط يضيف طبقة من عدم اليقين إلى الأسواق، التي تكره المجهول، مما يدفع المؤسسات المالية إلى إعادة تقييم مخاطر الاستثمار في الأصول الأمريكية.

قد دفع هذا الوضع المضطرب بنك “جولدمان ساكس” إلى تعديل توقعاته بشأن مسار الفائدة، حيث أجل توقعاته لبدء خفض الفائدة من مارس إلى يونيو وسبتمبر، بواقع 25 نقطة أساس لكل خفض. ويعزو البنك هذا التعديل إلى تداخل البيانات الاقتصادية (قوة الناتج المحلي وضعف سوق العمل) مع الضبابية السياسية النقدية، مما يجعل التنبؤ بقرارات الفيدرالي أصعب من أي وقت مضى في ظل هذه البيئة المعادية.

تحذر المؤسسات المالية، مثل “كومرتس بنك”، من أن نجاح البيت الأبيض في السيطرة على السياسة النقدية قد يغير استجابة البنك المركزي بشكل جذري على المدى الطويل، مما قد يؤدي إلى فقدان الثقة في الدولار كعملة احتياط عالمية إذا ما اقتنعت الأسواق بأن طباعة الأموال وتحديد الفائدة تخضع لأهواء سياسية بدلاً من اعتبارات اقتصادية، وهو سيناريو قد يكون كارثياً في حال عودة التضخم للارتفاع.

الذهب يحلق والدولار يترنح

كانت استجابة الأسواق لهذه الأخبار فورية وعنيفة، مما يعكس الحساسية الكبيرة للمستثمرين تجاه أي تهديد لاستقرار المؤسسات الأمريكية. فقد سجل الذهب قفزة تاريخية لبغض مستوى قياسي بلغ 4600.33 دولار للأونصة، مُستفيداً من مكانته كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين المؤسسي. يُظهر هذا الارتفاع القوي هروب رؤوس الأموال من الأصول الورقية التقليدية جراء القلق من تآكل قيمتها نتيجة سياسات نقدية غير منضبطة.

في المقابل، تعرض الدولار الأمريكي لضغوط بيع قوية، حيث انخفض مؤشر الدولار بنسبة 0.37%، منهياً سلسلة مكاسب استمرت خمسة أيام. كما تراجع الدولار أمام العملات الرئيسية، وخاصة الفرنك السويسري والين الياباني واليورو، وهي العملات التي يفضل المستثمرون اللجوء إليها عند القلق من الأوضاع في الولايات المتحدة. يُشير انخفاض الدولار أمام اليوان الصيني إلى أدنى مستوى له منذ مايو 2023 إلى أن تداعيات الأزمة بدأت تضعف من موقف العملة الأمريكية عالمياً.

تشير تحليلات الأسواق التي رصدها “شاشوف” إلى أن المستثمرين لا يراقبون فقط الصراع بين ترامب وباول، بل يربطونه بمخاطر جيوسياسية أخرى، مثل التقارير الواردة عن الاضطرابات في إيران. هذا المزيج من عدم الاستقرار الداخلي في واشنطن والتوترات الخارجية يخلق بيئة خصبة لتقلبات حادة في الأسواق، حيث تتأرجح الأسهم والعقود الآجلة بناءً على كل تصريح جديد يصدر من البيت الأبيض أو الفيدرالي.

وتنتظر الأسواق الآن اختباراً حاسماً مع صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (التضخم) لشهر ديسمبر غداً الثلاثاء. ستكون هذه البيانات بمثابة الحكم الفني في النزاع القائم؛ فإذا أظهرت التضخم مرتفعاً، فإنها ستدعم موقف باول في التمهل بخفض الفائدة، أما إذا جاءت منخفضة، فقد تمنح ترامب ذخيرة إضافية لهجومه. في كلتا الحالتين، فإن الأسواق المالية قد دخلت مرحلة من الاضطراب الهيكلي الذي قد يستمر لشهور.

المواجهة الحالية بين إدارة ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي ليست مجرد خلاف حول السياسات الاقتصادية؛ بل تمثل تحدياً وجودياً للنظام المؤسسي المستقل في الولايات المتحدة. إن استخدام التهديد الجنائي كأداة في الخلافات السياسية النقدية يعد سابقة خطيرة قد تؤدي، إذا ما نجحت، إلى إخضاع “الفيدرالي” بالكامل للبيت الأبيض، مما يغير قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية التي استندت لعقود على استقلالية البنوك المركزية.

بينما يقترب موعد مايو 2026، وهو موعد انتهاء ولاية جيروم باول، يبدو أن الأشهر القادمة ستشهد صراعاً مريراً لن يقتصر أثره على الداخل الأمريكي، بل سيمتد ليشمل كل اقتصاد يرتبط بالدولار. إن إصرار الإدارة الأمريكية على تطويع البنك المركزي قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، ولكنه يغامر بضرب الثقة في النظام المالي الأمريكي في مقتل، وهي ثقة تم بناءها عبر عقود.


تم نسخ الرابط