بنك عدن المركزي استقبل دفعة نقدية كبيرة من العملة المحلية، تمثل إجراءً لتعزيز السيولة وسط أزمة نقدية حادة في اليمن. الحاويات، المحملة بأموال تعود لعام 2018، كانت مخزنة في ميناء عدن قبل الإفراج عنها. يُعزى هذا الإجراء إلى شح السيولة في الأسواق، رغم توافر العملات الأجنبية. الخبراء يحذرون من أن ضخ هذه الأموال قد يثير مخاوف من تضخم جديد، إذ لا توجد موارد نقدية مستقرة. غياب الشفافية من البنك المركزي يزيد من الشكوك حول الإدارة المالية، ويظهر أن الحلول المؤقتة أصبحت نهجًا دائمًا، مما يعقد الأزمة الاقتصادية أكثر.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
في خطوة تبرز عمق التحديات النقدية في مناطق حكومة عدن، استقبل بنك عدن المركزي دفعة مالية كبيرة أُدخلت إلى خزينة البنك كجزء من جهود لتعزيز السيولة والقدرة على الوفاء بالالتزامات، في وقت تعاني فيه البلاد من اختناقات نقدية مزمنة، واضطرابات مالية معقدة، وضغوط معيشية متزايدة.
وفقاً للمعلومات المتداولة التي تابعها شاشوف، فإن بنك عدن المركزي استقبل ما بين ثلاث إلى أربع حاويات محمّلة بأموال نقدية من العملة المحلية، تعود إلى إصدار عام 2018، وكانت هذه الأموال مخزنة في ميناء الحاويات في عدن لسنوات، حتى تقرر الإفراج عنها واستخدامها حالياً.
وتشير المعلومات التي حصل عليها “شاشوف” إلى أن هذه الأموال صادرة من روسيا، وأن جزءاً منها كان موجوداً في ميناء كالتكس للحاويات في عدن، مع وجود حاويات مماثلة في ميناء جدة.
يأتي ذلك في ظل غياب أي توضيح رسمي من بنك عدن المركزي بشأن هذا الأمر، وعدم إيضاحه للرأي العام حول حجم الأموال وخطة ضخها والأهداف الدقيقة لاستخدامها.
خطر حقيقي
تأتي خطوة الإفراج عن هذه النقود وسط شح في السيولة النقدية في الأسواق، في وقت تشهد فيه الأسواق توافراً من العملة الأجنبية (الدولار والريال السعودي) حسب معلومات شاشوف.
ويبدو أن لجوء بنك عدن المركزي إلى السيولة المخزنة منذ سنوات يمثل حلاً إسعافياً أكثر من كونه خطوة نابعة من استقرار مالي أو تحسن في المؤشرات الاقتصادية.
ويلاحظ المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” في تعليق لـ”شاشوف” أن هذه الخطوة تحمل دلالات مهمة، أبرزها الاعتراف الضمني بأزمة سيولة حادة. فالإفراج عن الأموال المطبوعة منذ عام 2018، والتي ظلّت مجمّدة لفترة طويلة، يؤكد أن البنك المركزي مضطر لاستخدام كل ما هو متاح لديه من أدوات نقدية حتى تلك التي كانت مؤجلة أو محاطة بحساسية سياسية ونقدية بالغة الخطورة.
وأضاف الحمادي أنه لو كانت هناك موارد نقدية منتظمة أو تدفقات مالية مستقرة، لما كان هنالك حاجة للعودة إلى هذه الحاويات بعد سنوات من تجميدها، مما يؤكد ضعف قدرة الدولة على توليد إيرادات ذاتية أو تأمين دعم خارجي كافٍ وثابت.
كما أشار إلى أن ضخ كميات كبيرة من العملة النقدية في السوق، دون أن يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج أو تحسن في الميزان التجاري، يثير مخاوف حقيقية من موجة تضخمية جديدة، قد تؤدي إلى تراجع إضافي في قيمة الريال اليمني، وارتفاع الأسعار، وزيادة المعاناة للمواطنين.
هذا وقد أثار وصول هذه الحاويات موجة واسعة من التساؤلات والانتقادات، خاصة من صحفيين وناشطين اقتصاديين، مثل ماجد الداعري، الذي طالب بتوضيح عاجل من بنك عدن المركزي حول حقيقة اللجوء إلى سيولة الحاويات من ميناء المعلا.
وتساءل الداعري: “إذا كانت المرتبات تُصرف من هذه الحاويات، فأين ذهبت أكثر من مليار ريال سعودي؟” في إشارة إلى إعلان السعودية عن حزمة دعم اقتصادي وتنموي لليمن بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي في منتصف يناير 2026.
يفتح هذا التساؤل الباب أمام إشكاليات أعمق تتعلق بمصير الودائع والمنح الخارجية، وعلى رأسها الدعم السعودي، وآليات الصرف والرقابة داخل البنك المركزي، ومدى وضوح العلاقة بين الموارد المتاحة والالتزامات القائمة.
يزيد غياب الرد الرسمي حتى الآن من حدّة الشكوك، ويقوض الثقة الهشة القائمة بالفعل بين الشارع والمؤسسات المالية.
نتائج محتملة
على المدى القصير، ومن منظور اقتصادي، قد تسهم هذه الخطوة في تخفيف مؤقت لأزمة السيولة، وفقاً للاقتصادي الحمادي، خصوصاً في ما يتعلق بصرف المرتبات أو تغذية السوق النقدية، لكن هذا سيبقى مؤقتاً وهشاً ما لم تُرافقه سياسات مالية واضحة، وضمانات رقابية صارمة.
وعلى المدى الأطول، تبرز عدة سيناريوهات مقلقة يطرحها الحمادي في حديثه لـ”شاشوف”، منها تعميق الأزمة التضخمية إذا استُخدمت هذه الأموال دون ضوابط نقدية صارمة، وتآكل الثقة في البنك المركزي إذا استمر الغموض وغياب الشفافية.
وأشار إلى أن الحلول المؤقتة تحولت إلى نهج دائم لدى السلطات النقدية والسياسية التابعة لحكومة عدن، مما يعني الاستمرار في إدارة الأزمة بدلاً من معالجتها جذرياً.
يمثل إدخال حاويات تضم مليارات الريالات إلى خزينة بنك عدن المركزي مؤشراً خطيراً على عمق الأزمة النقدية وحدود الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الاقتصادي في اليمن. وبينما قد يبدو هذا القرار ضرورياً في فترة ضغط، فإن خطورته تكمن في كونه مسكّناً مؤقتاً لأزمة بنيوية عميقة.
وبدون شفافية كاملة وإجابات واضحة عن الأسئلة المثارة ورؤية اقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة، ستبقى مثل هذه الخطوات محل شك وجدل، وقد تتحول من أداة إنقاذ إلى عامل إضافي في تعقيد المشهد الاقتصادي وفق التحليلات الاقتصادية، بما في ذلك زيادة كلفة الانهيار على المواطن اليمني المنهك أصلاً.
تم نسخ الرابط
