أزمة اقتصادية ومالية عميقة: هل يواجه العالم تجربة ‘الأرجنتين’ مجددًا؟ – شاشوف

أزمة اقتصادية ومالية عميقة هل يواجه العالم تجربة الأرجنتين مجددًا؟


تحذر مجلة ‘إيكونوميست’ من أن الاقتصادات الغنية تواجه خطر الانهيار المالي، مشابه لما حدث في الأرجنتين. الدين العام في هذه الدول بلغ 110% من الناتج المحلي، وأصبح الضبط المالي خياراً غير ممكن بسبب الشعبويات. في ظل تضخم واحتجاجات سياسية، مثل في فرنسا، تعاني الديمقراطيات من عدم استقرار. بالإضافة إلى ذلك، تخشى المجلة أن الذكاء الاصطناعي ليس حلاً للديون، بل قد يؤدي لتفاقم الأوضاع. انهيار الطبقة الوسطى يشكل تهديداً لجذر الديمقراطيات، مما يبرز ضرورة فهم محدودية الأموال العامة لتجنب الفوضى الاقتصادية.

اقتصاد العالم | شاشوف

في تحذير عالمي بالغ الخطورة، صدرت عن مجلة “إيكونوميست” البريطانية تنبيهًا بأن الدول الغنية تتجه بسرعة نحو فوضى مالية واقتصادية مشابهة لما حصل في الأرجنتين خلال القرن العشرين، حيث تحول الاقتصاد الذي كان مزدهرًا إلى حالة مزمنة من التضخم والعجز وفقدان الثقة في المؤسسات المالية.

بينما تتزايد الديون في الاقتصادات الكبرى، يغيب الانضباط المالي لصالح الشعبويات والإنفاق الانتخابي، مما يجعل الديمقراطيات الغربية عاجزة عن قبول حقيقة أن الأموال العامة ليست بلا حدود.

زيادة الديون إلى مستويات تاريخية

وفقًا لتقرير الإيكونوميست الذي اطلع عليه “شاشوف”، فإن الدين العام في الدول الغنية قد بلغ حوالي 110% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل منذ حروب نابليون في القرن التاسع عشر. ويعود هذا الارتفاع ليس فقط إلى الأزمات الاستثنائية مثل جائحة كورونا أو النزاع في أوكرانيا، بل إلى منهجية إنفاق أصبحت سمة ثابتة في السياسة، حيث أن الحكومات بدلاً من السعي نحو الإصلاح المالي، تتجه إلى مزيد من العجز لتفادي ردود الفعل الشعبية أو الانكماش الاقتصادي القصير الأمد.

في فرنسا، تصف المجلة المشهد بسخرية، قائلة إن “باريس تُبدّل رؤساء حكوماتها أسرع من تغييرات نبلاء فرساي لشعورهم المستعارة”، مما يشير إلى هشاشة النظام السياسي وعجزه عن مواجهة التحديات الهيكلية، خاصة وسط الاحتجاجات ضد الإصلاحات المتوقفة في نظام التقاعد.

كما تواصل اليابان إنفاقها بالرغم من أن ديونها الضخمة تفوق 250% من الناتج، بينما تواجه بريطانيا موجة ضرائب غير مسبوقة لسد عجزها، في حين يُعلن ترامب عن خطط لتخفيض الضرائب، على الرغم من أن العجز الأمريكي تجاوز 6% من الناتج المحلي.

وفقًا لتفسير إيكونوميست لـ”شاشوف”، فإن جوهر الأزمة ليس اقتصاديًا فحسب، بل سياسي وعقائدي، ففي الاقتصادات الديمقراطية المتقدمة، لم يعد ضبط الإنفاق خيارًا واقعيًا. فالإنفاق الدفاعي يرتفع مع تصاعد التوترات الجيوسياسية (كالتي تحدث في أوكرانيا وتايوان والشرق الأوسط)، كما أن تكلفة شيخوخة السكان والرعاية الصحية تأخذ جزءًا متزايدًا من الميزانيات، فيما يصبح رفع الضرائب بمثابة انتحار انتخابي في مناخ شعوبي يرفض أي تقشف.

تشير المجلة إلى أن كندا في التسعينيات كانت الوحيدة بين دول مجموعة السبع التي نجحت في تقليص ديونها من خلال “انضباط مالي صارم”، لكن إعادة هذا السيناريو اليوم تبدو شبه مستحيلة.

الذكاء الاصطناعي.. أمل مضلل

على الرغم من التفاؤل السائد بأن الذكاء الاصطناعي سيزيد الإنتاجية ويقلل عبء الديون، ترى المجلة البريطانية أن هذا الأمل “مضلل”، فهذه التكنولوجيا لن تنقذ المالية العامة، لأن ارتفاع الدخول سيؤدي إلى زيادة الإنفاق على التقاعد والرعاية الصحية، بينما سترتفع أسعار الفائدة بسبب نمو الاستثمار في مراكز البيانات والرقائق، مما سيجعل خدمة الديون السابقة أكثر تكلفة.

في سياق ذلك، قد تلجأ الحكومات إلى التضخم كوسيلة غير معلنة لتقليص القيمة الحقيقية للديون، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة العجز المستمر عن تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب.

فالبنوك المركزية تملك الأدوات اللازمة لذلك، لكن خطر “التواطؤ السياسي” معها يتزايد، وتحذر إيكونوميست من أن هجمات السياسيين الشعبويين مثل ترامب ونايجل فاراج على استقلال البنوك المركزية قد تفتح الباب أمام تضخم غير منضبط.

تشير المجلة إلى أن “ارتفاع الأسعار لا يحتاج إلى تصويت سياسي، بل يحدث ببساطة عندما تفشل الحكومات في إدارة اقتصادها”، مضيفةً: “التضخم يعيد توزيع الثروة بشكل عشوائي، حيث يخسر أصحاب المدخرات بينما يحقق مالكو الأصول والعقارات مكاسب، وهذه إعادة ترتيب اعتباطية للثروة”.

انهيار الطبقة الوسطى.. خطر على الديمقراطيات

وربما يكون أخطر ما في تحليل إيكونوميست هو تحذيرها من أن التقلبات المالية والضريبية والتكنولوجية تهدد بتدمير الطبقة الوسطى، التي تُعتبر القاعدة الأساسية للديمقراطيات الغربية.

ومتى تآكلت الطبقة الوسطى، تميل الديمقراطية نحو فقدان توازنها الاجتماعي والسياسي، كما حدث فعلاً في الأرجنتين، التي كانت يومًا من أغنى دول العالم لكنها تورطت في حلقة مفرغة من التضخم والفساد والانقسامات الطبقية، كما تشير المجلة، حيث تقول: “لم يعد التنافس في بوينس آيرس يتعلق بمن ينجح في العمل أو الإبداع، بل بمن ينجح في استغلال الدولة لحماية نفسه من آثار التضخم”.

ختامًا، تشير المجلة إلى أن الخروج من الأزمة ممكن فقط إذا تذكر العالم أن الأموال العامة ليست بلا حدود، وأن تجاهل هذه الحقيقة هو السبيل الأقصر نحو الفوضى الاقتصادية.

التهديد المحدق بالغرب الغني

يعكس تقرير إيكونوميست تهديدًا شديدًا للنموذج الغربي للإدارة الاقتصادية، إذ يمكن استنتاج أن الديمقراطيات الغنية أصبحت رهينة لديناميات انتخابية قصيرة الأجل، مما يصعب اتخاذ القرارات الصعبة والمهمة.

أصبحت الديون هي الهيكل الدائم الذي يهيمن على الوضع المالي، مما يضعف قدرة هذه الدول على مواجهة أزمات مستقبلية كبيرة. كما أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى مصدر جديد لعدم المساواة إذا لم تُدار ضمن رؤية ضريبية واجتماعية مبتكرة.

في ضوء ذلك، فإن التحذير الحقيقي من إيكونوميست لا يتعلق بالاقتصاد فحسب، بل بالنظام السياسي الغربي نفسه الذي بدأ يفقد توازنه التاريخي بين الرأسمالية المنضبطة والديمقراطية الاجتماعية.

هذا ليس تشاؤمًا بقدر ما هو جرس إنذار مبكر للعالم الغربي الذي يتصرف كما لو أنه يستطيع طباعة المال بلا قيود. ولكن التاريخ -من نابليون إلى أزمات الأرجنتين- يثبت أنه عندما تتجاوز الديون القدرة على إدارتها، فإنها لا تنفجر فقط في الأسواق، بل في قلب المجتمع.


تم نسخ الرابط