آمال إنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة.. قطاع الطيران الأمريكي سيبقى متوقفًا – بقلم شاشوف

آمال إنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة قطاع


رغم تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي لإنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد، ستستمر آثار هذا الإغلاق على قطاع الطيران والنقل الجوي. وزير النقل حذر من أن العودة الطبيعية ستستغرق وقتًا، بينما سجلت شركات الطيران اضطرابات مستمرة، مع إلغاء آلاف الرحلات بسبب نقص مراقبي الحركة الجوية. الإغلاق أثر أيضًا على الاقتصاد الأمريكي وساهم في انكماش الإنفاق الاستهلاكي. الخبراء يحذرون من أن الأزمات السياسية المستقبلية ستؤثر على ثقة المستثمرين، مما يعكس هشاشة النظام الإداري الأمريكي. حل الأزمة قد يتطلب استقراراً سياسياً لتفادي تكرارها وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد.

تقارير | شاشوف

على الرغم من تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح مشروع قانون يُنهي أطول إغلاق حكومي فيدرالي في تاريخ الولايات المتحدة، تبقى آثار هذا الإغلاق تلقي بظلالها الثقيلة على قطاع الطيران الأمريكي وحركة النقل الجوي، وعلى ثقة العاملين والمستثمرين في قدرة المؤسسات الفيدرالية على مواجهة التجاذبات السياسية.

فبعد أسابيع من الشلل الجزئي الذي أصاب العديد من القطاعات الحيوية، حذّر وزير النقل الأمريكي “شون دافي” في تصريحاته الأخيرة التي تابعتها “شاشوف” من أن إنهاء الإغلاق لا يعني عودة الأمور إلى طبيعتها بشكل فوري، موضحاً أن “استعادة المراقبين الجويين لمواقعهم وعودة الجدولة التشغيلية تحتاج إلى وقت، ربما يصل إلى أشهر، قبل أن تعود حركة الطيران إلى انسيابها المعتاد”.

وحسب متابعة “شاشوف”، تفاعلت الأسواق العالمية بشكل إيجابي منذ مساء الثلاثاء مع التوصل إلى اتفاق لإنهاء الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة، الذي سيصوّت عليه الكونغرس اليوم الأربعاء، بعد الاتفاق على إنهاء توقف الحكومة الفيدرالية منذ 01 أكتوبر 2025.

ارتفعت الأسهم العالمية في الأسواق الآسيوية والأوروبية، بينما أشارت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية إلى افتتاح إيجابي في وول ستريت، حيث ارتفع مؤشر “نيكاي” الياباني بنسبة تقارب 0.4%. ورجحت صحيفة “وول ستريت جورنال” في عددها اليوم أن تشهد الأسواق الأمريكية يوماً نشطاً يسبق سباق أسعار الذهب والفضة.

استمرار الاضطرابات في الرحلات رغم انتهاء الإغلاق

منذ بداية أزمة الإغلاق في الأول من أكتوبر الماضي، عانت شركات الطيران الأمريكية من حالة فريدة من الاضطراب، حيث أُلغيت آلاف الرحلات وأُربكت خطط الملايين من المسافرين. ووفقاً لبيانات رصدتها “شاشوف” من شركة Cirium المتخصصة في تتبُّع الرحلات، فإن أكثر من 5% من الرحلات المجدولة أُلغيت يوم الثلاثاء الماضي، رغم انتهاء الإغلاق، وهو انخفاض طفيف عن معدلات الأيام السابقة التي فاقت 10%.

ترجع هذه الاضطرابات إلى نقص حاد في عدد مراقبي الحركة الجوية الذين اُضطروا للعمل دون رواتب خلال فترة الإغلاق، مما دفع بعضهم للبحث عن وظائف مؤقتة لتغطية نفقاتهم. وأكدت نقابة مراقبي الحركة الجوية الوطنية أن استعادة الجاهزية الكاملة لهذا القطاع ستستغرق نحو شهرين ونصف على الأقل، كما حدث خلال الإغلاق عام 2019.

وقالت شركة “الخطوط الجوية الأمريكية” إن أكثر من 5 ملايين مسافر تأثروا بشكل مباشر منذ بدء الأزمة، بينما اضطرت شركات الطيران إلى إعادة جدولة آلاف الرحلات وتكبدت خسائر ضخمة، ناهيك عن التأثير السلبي على سمعتها وثقة الركاب.

وفقاً لمنظمة “خطوط جوية من أجل أمريكا”، فإن استئناف الرحلات بكامل طاقتهم التشغيلية لن يحدث فوراً، نظراً لاحتياج القطاع إلى “فترة تعافٍ” لاستيعاب الفوضى في الجداول وتعويض نقص القوى العاملة، خاصة مع قرب موسم السفر في عيد الشكر، الذي يُعتبر من أزحم الفترات في العام.

تأثرت تداعيات الأزمة ليس فقط من الناحية التشغيلية، بل أيضاً على الأداء الاقتصادي لشركات الطيران والمطارات والموردين، في وقت تستعد فيه البلاد لموسم شحن مكثف قبل عطلة نهاية العام.

واحد من أبرز مظاهر الأزمة هو أن الإغلاق قد سرّع من وتيرة تقاعد المراقبي الجويين، حيث ارتفع عدد المتقاعدين إلى ما بين 15 و20 مراقباً في اليوم، مقارنة بأربعة فقط قبل الأزمة، حسب تصريحات وزير النقل “دافي”، الذي أشار إلى أن البلاد تعاني حالياً من عجز يقارب ألفي مراقب جوي، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لسلامة وكفاءة قطاع الطيران في الولايات المتحدة.

يحذر الخبراء من أن هذه الأزمة ستجعل عملية التوظيف والتدريب أكثر صعوبة، حيث تتطلب فترة إعداد المراقب الجوي الجديد ما لا يقل عن عامين من التدريب المكثف، مما يعني أن آثار الإغلاق ستستمر لفترة طويلة حتى بعد إعادة فتح الحكومة.

توتر سياسي يتجاوز حدود الطيران

على الصعيد السياسي، أسهمت تصريحات الرئيس “دونالد ترامب” في إضافة مزيد من التوتر إلى المشهد، بعد تهديده بخصم رواتب المراقبين المتغيبين ومنح مكافآت للملتزمين تصل إلى 10 آلاف دولار.

هذا الخطاب زاد حدة الاحتقان داخل قطاع الطيران، الذي يعتبر أساساً متأثراً بحالة نفسية واقتصادية حرجة.

وفي المقابل، دعت اتحادات الطيران إلى وقف “تحميل العاملين أعباء الإغلاق السياسي”، مطالبةً الكونغرس بتوفير تمويل مستقر وطويل الأمد لوزارة النقل لتحديث أنظمة المراقبة الجوية وتوظيف المزيد من الكفاءات.

أكد تحالف “السماء الحديثة”، الذي يضم كبرى شركات الطيران والمطارات ومصنعي الطائرات مثل بوينغ وجنرال إلكتريك، أن “الإغلاق الحكومي عطّل العمل على برامج التحديث، وأبطأ الزخم القوي الذي بُني خلال السنوات الماضية”، محذراً من أن تكرار مثل هذه الأزمات قد يهدد مكانة الولايات المتحدة كأكبر سوق طيران في العالم.

تداعيات اقتصادية أوسع بعد الإغلاق

لم يكن قطاع الطيران هو المتضرر الوحيد من هذا الإغلاق الطويل، بل أثر توقف صرف الرواتب الفيدرالية على ملايين الموظفين الأمريكيين، مما أدى إلى انكماش في الإنفاق الاستهلاكي وتراجع ثقة المستهلكين في الأسواق. كما تكبدت قطاعات السياحة والفنادق والمطاعم خسائر بالمليارات نتيجة تراجع حركة السفر الداخلي والخارجي، حيث قُدّرت الخسائر حتى الآن، وفقاً لمتابعة “شاشوف”، بـ 55 مليار دولار.

رغم الترحيب الواسع بإنهاء الإغلاق، تشير تقارير اقتصادية إلى أن التعافي الكامل يتطلب استقراراً سياسياً طويل الأمد يضمن استمرار التمويل الحكومي دون ابتزاز أو مساومات حزبية. فكل إغلاق جديد لا يجمد الاقتصاد فقط، بل يضعف أيضاً مصداقية الحكومة أمام المستثمرين والأسواق العالمية.

كشفت أزمة الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة عن ضعف البنية الإدارية أمام الصراعات السياسية، وأظهرت أن تكلفة تعطيل الحكومة تتجاوز الخسائر الاقتصادية المباشرة لتشمل ضرب الثقة المؤسسية وإرباك القطاعات الحيوية.

من المتوقع أن تؤثر الاضطرابات المستمرة في الطيران على سلاسل الإمداد والشحن الجوي، وفقاً لتقديرات “شاشوف”، مما قد يضغط على أسعار السلع خلال موسم الأعياد. كما أن تأخر تحديث أنظمة المراقبة الجوية سيؤخر خطط التحول الرقمي في القطاع، ويزيد من اعتماد الشركات على حلول مؤقتة قد لا تضمن الكفاءة والسلامة.

في النهاية، لن يؤدي إنهاء الإغلاق إلى انتهاء الأزمة، بل يمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة الترميم البطيء لقطاع الطيران والنقل والبيروقراطية الفيدرالية ككل، في انتظار اختبار سياسي جديد قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر إذا لم تُعالج الأسباب الجذرية لهذا الشلل الدوري.


تم نسخ الرابط