حذرت وكالة الطاقة الدولية من فائض نفطي كبير بحلول 2026، قد يصل إلى 4 ملايين برميل يومياً. يأتي هذا التحذير في ظل تباطؤ الطلب العالمي بسبب عوامل اقتصادية مثل ارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة. وقد أدى قرار ‘أوبك+’ بإلغاء بعض تخفيضات الإنتاج إلى تجاوز المعروض الطلب، مما أدى لتراجع أسعار النفط إلى أقل من 62 دولاراً للبرميل. كما تختلف توقعات ‘أوبك’ والوكالة بشأن الطلب والنمو، مما يعكس حالة عدم يقين في السوق النفطية التي تواجه تحديات هيكلية طويلة الأمد بسبب التغيرات في أنماط الاستهلاك.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أن سوق النفط العالمية تتجه نحو فائض كبير في المعروض بحلول عام 2026، والذي سيكون الأكبر منذ ما قبل جائحة كورونا، في ظل تباطؤ الطلب العالمي، بينما تزيد “أوبك+” وتكتلات أخرى من إمدادات الخام في السوق.
وفقًا للتقرير الشهري للوكالة، الذي اطلع عليه مرصد “شاشوف” والصادر اليوم الثلاثاء، يتوقع أن يصل الفائض إلى 4 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يعادل حوالي 4% من إجمالي الطلب العالمي. ويعتبر هذا التقدير أعلى بشكل كبير من توقعات الشهر الماضي والتي كانت عند 3.3 مليون برميل يوميًا، بالإضافة إلى متوسط توقعات المؤسسات البحثية الأخرى.
هذا التحول في التوازن بين العرض والطلب يضع صناعة النفط أمام تحديات عديدة، حيث تجتمع عوامل انهيار الأسعار وزيادة المخزونات وسط تباطؤ الاقتصاد العالمي، وزيادة الاتجاه نحو الطاقة النظيفة وكهربة النقل، مما يقلل من خيارات استهلاك الوقود الأحفوري بشكل سريع.
أوبك+ تفتح الصمامات… والإنتاج يقفز بوتيرة أسرع من الطلب
أوضح التقرير أن دول “أوبك+”، التي تضم منظمة أوبك وروسيا وحلفاءها، قد بدأت بالفعل بإلغاء جزء من تخفيضات الإنتاج التي تعهدت بها خلال العامين الماضيين، وتسير نحو هذه الخطوة بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.
هذا القرار، والذي جاء نتيجة ضغوط مالية داخلية في بعض الدول المنتجة، ساهم في زيادة كميات الخام في السوق خلال الربع الثالث من هذا العام حسب تقرير شاشوف، مما أثار مخاوف من عودة الفائض وتأثيره على الأسعار التي انخفضت إلى ما دون 62 دولاراً لخام برنت لأول مرة منذ مايو.
وفقًا للبيانات، ارتفع المعروض العالمي في سبتمبر الماضي بحوالي 5.6 مليون برميل يوميًا مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024، بمساهمة قدرها 3.1 مليون برميل من “أوبك+”. كما زادت شحنات النفط المنقولة بحرا بمقدار 102 مليون برميل في شهر واحد، وهي أكبر قفزة منذ أزمة “كوفيد-19”، مدفوعةً بزيادة الإنتاج في الشرق الأوسط.
تؤكد هذه الأرقام أن السوق تسير بثبات نحو حالة وفرة مفرطة، حيث تشمل الزيادة منتجين من خارج “أوبك+” مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وغيانا، وجميعها تتجه لتعزيز صادراتها استجابة لتحسن البنية التحتية واستقرار الأسعار فوق 60 دولارًا.
الطلب العالمي يتباطأ
على الجانب الآخر، خفّضت وكالة الطاقة الدولية تقديراتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عامي 2025 و2026، مشيرة إلى أنه سيكون بمعدل 700 ألف برميل يوميًا في كل عام، وهو أقل بكثير من المتوسط التاريخي الذي يتراوح بين 1.5 إلى 2 مليون برميل.
يرجع التقرير هذا التباطؤ إلى ضعف الاقتصاد العالمي، وتزايد تشديد السياسات النقدية، وارتفاع أسعار الفائدة، بالإضافة إلى تزايد الاعتماد على السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة في قطاع النقل.
حذّرت الوكالة من أن “الاستخدام العالمي للنفط سيظل ضعيفاً حتى نهاية عام 2025 و2026، وذلك نتيجة تراجع الطلب الصناعي واللوجستي”. وأشارت إلى أن هذه التغيرات الهيكلية تجعل العودة إلى مرحلة ‘النمو القوي في الاستهلاك’ كما كان قبل الجائحة أمراً صعباً.
بينما تتوقع “أوبك” أن يرتفع الطلب بمقدار 1.3 مليون برميل يوميًا هذا العام— أي ضعف تقدير وكالة الطاقة تقريبًا— تعكس الفجوة بين المؤسستين اختلافًا عميقًا في رؤية مستقبل التحول الطاقوي؛ إذ تراهن وكالة الطاقة على تسارع الانتقال نحو الطاقة النظيفة، بينما تعتمد “أوبك” على استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري لعقد آخر على الأقل.
الأسعار تتراجع والمخزونات تتضخم
انخفضت أسعار النفط في تعاملات اليوم الثلاثاء إلى ما دون 62 دولارًا لبرميل خام برنت، مقابل أكثر من 70 دولارًا في بداية الصيف. وتعتبر هذه الأسعار الأدنى منذ أبريل، حينما بلغت 58 دولارًا قبل أن تعاود الارتفاع لفترة وجيزة.
يعكس هذا الانخفاض مخاوف المستثمرين من تخمة المعروض وتراجع الطلب الصناعي في الاقتصادات الكبرى، لا سيما في الصين التي تعاني من تباطؤ في قطاعي العقارات والتصنيع، والولايات المتحدة التي تواجه ضغوطاً تضخمية تحد من استهلاك الوقود.
يمكن أن يضع انخفاض الأسعار ميزانيات الدول المنتجة تحت ضغط متزايد، خصوصًا تلك التي تعتمد على سعر تعادل أعلى من 80 دولارًا للبرميل. كما يُتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى تأجيل بعض المنتجين المستقلين في أمريكا اللاتينية وأفريقيا لمشاريع الاستكشاف الجديدة أو خفض الإنفاق الرأسمالي.
من جهة أخرى، يرى محللون أن استمرار انخفاض الأسعار لفترة طويلة قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في الإنتاج الأمريكي، مما قد يخفف جزئيًا من فائض المعروض بحلول النصف الثاني من 2026، رغم أن ذلك لن يكون كافياً لتحقيق التوازن الكامل في السوق.
تضارب الرؤى بين أوبك ووكالة الطاقة
بينما تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يصل فائض المعروض إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا، تشير تقديرات منظمة أوبك التي تابعها شاشوف إلى أن السوق ستكون “في حالة توازن نسبي”، مع تقارب العرض والطلب تقريبًا العام المقبل.
ترى أوبك أن الطلب سيبقى قوياً في الاقتصادات الناشئة، وأن التوسع في النقل الجوي والصناعات البتروكيماوية سوف يعوض تراجع استهلاك الوقود التقليدي في الغرب.
على النقيض، تعتمد وكالة الطاقة الدولية توقعاتها على تغيير هيكلي طويل الأمد في أنماط الاستهلاك، مدفوع بالتشريعات المناخية والاعتماد على السيارات الكهربائية. وتعتقد أن دخول مصادر الطاقة المتجددة إلى السوق بشكل أسرع مما هو متوقع سيضغط على الطلب العالمي على النفط قبل عام 2030.
تعد هذه الفجوة بين الرؤيتين علامة على حالة من عدم اليقين في اتجاه السوق، حيث يتوقف التوازن المستقبلي على مزيج معقد من العوامل الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، بدءًا من سياسات الفائدة الأمريكية وحتى تطوير تقنيات تخزين الطاقة.
وأشار التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من الزيادة في المعروض العالمي جاء من منتجي الشرق الأوسط، لا سيما السعودية والعراق والإمارات والكويت، الذين قاموا بزيادة صادراتهم تماشيًا مع خطط “أوبك+” لتخفيف القيود.
تشير بيانات النقل البحري إلى أن الصادرات من المنطقة ارتفعت بمعدل أكثر من 100 مليون برميل في سبتمبر وحده حسب قراءة شاشوف، وهي أكبر زيادة شهرية منذ عام 2020.
يعكس هذا التوسع جهود المنتجين للحفاظ على حصصهم السوقية في ظل التنافس المتزايد مع النفط الأمريكي واللاتيني، ولكنه يزيد من تراكم المخزونات العالمية ويعزز من صعوبة التحكم في الأسعار عند مستويات مربحة.
يعتقد محللون أن المنطقة ستظل “المرجع المركزي” في أي محاولات لاحقة لإعادة التوازن، حيث أن تخفيضات أو زيادات صغيرة من منتجيها الكبار قادرة على قلب معادلات السوق في غضون أسابيع.
نظرة مستقبلية: فائض مستمر وأسعار تحت الضغط
تقول وكالة الطاقة الدولية إن العام المقبل سيشهد أكبر تخمة منذ عام 2016، مع زيادة الإنتاج من داخل وخارج “أوبك+” في وقت يتباطأ فيه النمو الاقتصادي العالمي.
ومع استمرار كهربة وسائل النقل والتحول نحو مصادر الطاقة البديلة، تواجه صناعة النفط تحدياً هيكليًا طويل الأمد يتمثل في ضعف الطلب مقارنة بالقدرة الإنتاجية المتزايدة.
إذا تحقق هذا السيناريو، فقد تنخفض الأسعار إلى ما دون 55 دولارًا للبرميل لفترات طويلة، ما لم تتخذ “أوبك+” خطوات حاسمة لتخفيض الإنتاج. أما في حال حدوث انتعاش اقتصادي غير متوقع في الصين أو الهند، فقد يخفف ذلك من حدة الفائض، لكنه لن يقضي عليه بالكامل.
في النهاية، يبدو أن السوق النفطية مقبلة على فترة إعادة تموضع عميقة، سيكون فيها الاستهلاك أبطأ، والإنتاج أكثر تنوعًا، والسيطرة على الأسعار أكثر صعوبة، وهي معادلة ستختبر قدرة المنتجين الكبار على التكيف مع عصر الطاقة المتغيرة.
تم نسخ الرابط
