أعلنت الصين عن ردها الحازم على نية الرئيس الأمريكي ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السلع الصينية، مؤكدة أنها لن تخاف من الحرب التجارية. يأتي هذا التصعيد في ظل تصاعد القيود الأمريكية على صادرات التكنولوجيا إلى الصين، مما دفع بكين لتشديد قيودها على المعادن النادرة، وهي مواد استراتيجية تُستخدم في العديد من الصناعات. يتوقع أن تؤدي هذه الإشارات المتبادلة إلى تصاعد التوترات، مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي. قبل قمة مرتقبة بين ترامب وشي، تشير توقعات إلى أن الطرفين على دراية بالمخاطر المحتملة لفصل اقتصادي شامل.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في مشهد يذكّر بأوج الحرب التجارية التي عصفت بالعالم في السنوات الأخيرة، أعلنت بكين بأنها لن تبقى صامتة أمام خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على المنتجات الصينية.
التصريحات التي صدرت عن وزارة التجارة الصينية اليوم الأحد اتسمت بنبرة شديدة القوة، حيث أُكد أن ‘الصين لا تبحث عن الحرب، لكنها ستكون مستعدة لها’، مشددة على أن الرد سيكون ‘شاملاً ومدروساً’.
يعكس هذا الموقف إدراك بكين أن الرسوم الجديدة قد تلحق ضرراً كبيراً بطموحاتها الصناعية والتكنولوجية، لكن في الوقت ذاته تسعى لإظهار قدرتها على الرد بالمثل في مجال يتعلق به الغرب أكثر من الشرق: المعادن النادرة، المورد الذي أصبح سلاحاً استراتيجياً في منافسة النفوذ الاقتصادي العالمي.
الأسواق لم تتأخر في التفاعل، حيث تراجعت مؤشرات الأسهم الأمريكية والآسيوية، وارتفعت أسعار الذهب والنفط وسط قلق المستثمرين من عودة موجات الرسوم المتبادلة التي تسببت في خسائر فادحة للاقتصاد العالمي قبل أن تهدأ عام 2021.
المعادن النادرة.. شرارة الأزمة الجديدة
تصاعد النزاع الأخير بدأ عندما فرضت الصين قيوداً صارمة على صادرات المعادن الأرضية النادرة، التي تُستخدم في صناعات حساسة مثل أشباه الموصلات والطائرات الحربية والسيارات الكهربائية.
وصفت الولايات المتحدة هذا القرار بأنه ‘عدوان اقتصادي’، وفقاً لمتابعة شاشوف للاتهامات المتبادلة، معتبرة أنه يهدد أمنها الصناعي ويُضعف سلاسل الإمداد الدفاعية والتكنولوجية. لكن بكين ترى أن هذا الإجراء كان رد فعل طبيعي على سلسلة من القرارات الأمريكية التي منعت الشركات الصينية من الحصول على الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها.
منذ بداية سبتمبر، وسعت وزارة التجارة الأمريكية قائمة العقوبات لتشمل أكثر من 3000 منتج وتقنية، وهو ما تعتبره الصين استفزازاً مباشراً لقطاعها الصناعي. وفي رد فعل على ذلك، أرسلت بكين رسالة واضحة مفادها أن ‘التحكم في المواد الخام التي يحتاجها الغرب سيكون جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية القادمة’.
يعتقد خبراء الطاقة والمعادن في آسيا أن بكين ليست فقط تدافع عن مصالحها، بل تسعى أيضاً لإعادة تشكيل موازين القوة في الاقتصاد العالمي، إذ إن سيطرتها على 80% من إنتاج هذه المعادن تتيح لها قوة كبيرة في التأثير على السياسات الصناعية للدول الكبرى.
جاء التحذير الصيني بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن نيته مضاعفة الرسوم الجمركية على السلع الصينية لتصل إلى 100%، وهو ما يُعتبر أعلى مستوى منذ بدء الحرب التجارية بين البلدين في 2018.
أشار ترامب في تجمع انتخابي في أوهايو إلى أن ‘الولايات المتحدة لن تسمح للصين باستغلالها اقتصادياً بعد اليوم’، مؤكداً أن ‘من لا يفهم لغة الرسوم لا يحق له المنافسة معنا’.
المحللون في واشنطن ربطوا هذا التصعيد بالسياسة الداخلية، حيث يسعى ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 2026 إلى تقديم نفسه كمدافع عن الوظائف الأمريكية، بينما يواجه القطاع الصناعي المحلي ضغوطاً من الواردات منخفضة التكلفة من آسيا.
في المقابل، يعتبر خبراء الاقتصاد أن رفع الرسوم بهذا الشكل يمكن أن يعود بشكل سلبي على المستهلك الأمريكي عبر زيادة التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
تشير تقديرات ‘بلومبيرغ إيكونوميكس’ إلى أن تطبيق رسوم بنسبة 100% سيرفع متوسط التعرفة الفعلية على السلع الصينية إلى نحو 140%، وهو مستوى قد يؤدي إلى تجميد التبادل التجاري بين القوتين وتعطيل جزء كبير من سلاسل التوريد العالمية.
قمة مرتقبة بين ترامب وتشي تواجه خطر الإلغاء
من المقرر أن يلتقي الرئيسان الأمريكي والصيني في قمة تستضيفها كوريا الجنوبية بعد أسبوعين، وهي أول مواجهة مباشرة بينهما منذ ست سنوات. لكن أجواء القمة أصبحت مشحونة بعد أن ألمح ترامب إلى إمكانية إلغاء اللقاء احتجاجاً على ‘تحركات بكين العدائية في سوق المعادن’.
دبلوماسيون في بكين أشاروا إلى أن الصين ما زالت ‘منفتحة على الحوار’، ولكنها لن تقبل التفاوض ‘تحت التهديد’. ويعتقد المراقبون أن كلا الطرفين يدركان المخاطر التي قد تنجم عن الانفصال الاقتصادي الكامل، حيث من الممكن أن يؤدي ذلك إلى تأثير سلبي على التجارة العالمية ويضعف نمو الاقتصاديات الناشئة.
ورغم الحديث عن احتمالات التأجيل، تظل القمة تمثل فرصة نادرة لتخفيض حدة التوتر قبل تطبيق الرسوم الأمريكية في الأول من نوفمبر، والتي ستتبعها بفترة وجيزة القيود الصينية على المعادن والمكونات التكنولوجية.
يعتقد المحللون أن مجرد اجتماع ترامب وتشي على طاولة واحدة سيكون مؤشراً إيجابياً للأسواق، حتى لو لم تحقق القمة أي تقدم ملحوظ.
من الاقتصاد إلى الأمن القومي.. التكنولوجيا في قلب المواجهة
بخلفية الخطاب التجاري، تكمن معركة أعمق تتعلق بالسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة. ترى الولايات المتحدة أن الصين تستخدم الدعم الحكومي والابتكار الصناعي لتأمين الصدارة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والاتصالات، بينما تعتبر بكين أن واشنطن تتعمد عرقلة نموها التكنولوجي للحفاظ على هيمنتها العسكرية والاقتصادية.
منذ عام 2019، فرضت الولايات المتحدة قيوداً متلاحقة على تصدير الرقائق والبرمجيات إلى الصين، ثم وسعت نطاق هذه القيود إلى الشركات التي تتعامل معها، وفقاً لمراجعات شاشوف. وردت بكين بخطط لتطوير صناعة رقائق محلية مكتفية ذاتياً بحلول عام 2030.
يقول المحللون إن الصراع الحالي ليس حول ‘من يصنع أكثر’، بل حول من يمتلك المعرفة والبيانات التي ستحدد مستقبل الاقتصاد الرقمي.
ومع دخول قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية في قلب النزاع، أصبحت الحرب التجارية أشبه بسباق للهيمنة على القرن الحادي والعشرين وليس مجرد خلاف حول الرسوم.
التكنولوجيا تحت المجهر.. «تيك توك» نموذجاً
من تداعيات التوتر الأخير بروز أزمة جديدة حول تطبيق ‘تيك توك’، حيث تخشى واشنطن أن يؤدي استمرار الخلاف إلى تعطل صفقة فصل العمليات الأمريكية للتطبيق، بعد معارضة مشرعين أمريكيين لملكيته الصينية بحجة الأمن القومي.
تشير مصادر اقتصادية إلى أن الصين قد عرضت حزمة استثمارية كبيرة لتهدئة التوترات، لكن الإجراءات المقيدة التي تفرضها لجنة الأمن القومي الأمريكية تجعل من الصعب تمرير أي استثمار صيني في السوق الأمريكية في الوقت الحالي.
مركز الأبحاث الصيني ‘CF40’ حذر في تقرير حديث من أن واشنطن ستكون المتضرر الأكبر إذا تفاقمت الأزمة، حيث إن الرسوم المرتفعة ستزيد من تكاليف الاستيراد وتفاقم نقص السلع الاستراتيجية.
في المقابل، تأمل بكين أن الانقسام بين المشرعين الأمريكيين بين المتشددين والمنفتحين سيوفر لها مساحة للمناورة لمنع إغلاق قنوات الاستثمار بالكامل.
رغم القيود الأمريكية المتزايدة، تُظهر البيانات أن الاقتصاد الصيني ما زال متماسكاً. فقد سجلت الصادرات ارتفاعاً قياسياً هذا العام في أسواق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، مما عوض جزئياً تراجع الطلب من الولايات المتحدة وأوروبا.
تُرجع بكين هذا الأداء إلى سياسات ‘التحول نحو الجنوب العالمي’ التي تشجع على بناء شراكات صناعية جديدة خارج الفضاء الغربي.
تقرير للبنك الآسيوي للتنمية اطلعت عليه شاشوف ذكر أن الصين نجحت في الحفاظ على معدلات نمو صناعي تقارب 4% رغم العقوبات، مما يمنحها قدرة تفاوضية أكبر في أي محادثات قادمة.
ومع ذلك، يحذر المحللون من أن استمرار الصراع قد يُضعف زخم التعافي العالمي، خاصة إذا تمت تمديد القيود إلى قطاعات الطاقة والرقائق الدقيقة، مما قد يخلق فجوات خطيرة في سلاسل الإمداد الدولية.
أوراق القوة الصينية.. المعادن النادرة كسلاح استراتيجي
تمنح هيمنة الصين على سوق المعادن النادرة ورقة ضغط حقيقية، حيث تتحكم في أكثر من 80% من الإمدادات العالمية، وتُستخدم هذه المواد في تصنيع كل شيء من الهواتف الذكية إلى الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة.
تجعل هذه القوة بكين قادرة على توظيف مواردها الطبيعية كورقة ردع سياسية واقتصادية. وقد استخدمت هذه الورقة سابقاً في عام 2024 عندما هددت بوقف صادراتها مؤقتاً، مما دفع واشنطن لتخفيف بعض قيودها التجارية.
يعتقد المراقبون أن بكين تعتمد الآن نهجاً أكثر تنظيماً من ذي قبل؛ فهي لا تلوح بالمنع الكلي بل تتحكم في التراخيص والتوريد بأسلوب تدريجي يمنحها مرونة أكبر في التفاوض.
وكتب الصحفي الصيني البارز هو شيجين على منصة ‘إكس’ قائلاً: ‘الصين اليوم تعرف مكانتها في السوق العالمية، ومن يحاول تجاوز الخط الأحمر سيكتشف أنه يعتمد علينا أكثر مما يتصور’.
قبل أسابيع من القمة المرتقبة، يبدو أن الاقتصاد العالمي على أعتاب مرحلة جديدة من الغموض. فالتصعيد بين واشنطن وبكين لا يبدو أنه سينتهي بقرار منفرد أو جولة تفاوض، بل هو سباق مفتوح على النفوذ والقيادة العالمية.
تتأرجح الأسواق بين الأمل والخوف، وقد بدأت الشركات متعددة الجنسيات في وضع سيناريوهات بديلة لسلاسل الإمداد تحسباً لأي انقسام اقتصادي بين الشرق والغرب.
وعلى الرغم من الضجيج السياسي، يعتقد بعض المحللين أن تسوية مؤقتة قد تلوح في الأفق لتجنب الانفجار الكامل، ربما عبر اتفاق جزئي يعيد التوازن إلى الرسوم مقابل التزام متبادل بعدم استخدام المعادن النادرة كسلاح.
لكن إذا فشلت القمة المقبلة في تحقيق أي تقدم، فمن المتوقع أن يدخل العالم في فصل جديد من حرب اقتصادية كبرى قد تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية لعقدٍ كامل.
تم نسخ الرابط
