هل هي قوة ‘استقرار’ أم مدخل لصلاحيات طويلة الأمد؟.. واشنطن تسعى لإنشاء جيش مكون من 10 آلاف جندي في غزة – شاشوف

هل هي قوة استقرار أم مدخل لصلاحيات طويلة الأمد؟ واشنطن


تسعى الولايات المتحدة لتشكيل ‘قوة استقرار دولية’ في غزة بعد الحرب، بقيادة جنرال أمريكي وقوامها 10 آلاف جندي، رغم تردد دولي كبير وبالتالي عدم وجود التزام فعلي بالمشاركة. السبب الرئيس للتردد هو القلق من توسيع المهمة لتشمل نزع سلاح ‘حماس’، مما قد يؤدي لمواجهات مباشرة. الدول المساهمة المحتملة، مثل أذربيجان وإندونيسيا، تبحث عن تفويض محدود. وعلى الرغم من تعبير 19 دولة عن اهتمامها، لم تتحول النوايا لالتزامات فعلية. تثار المخاوف من أن أي تدخل دولي قد يؤدي لواقع تقسيم دائم دون معالجة الجذور السياسية للصراع في غزة.

تقارير | شاشوف

تدفع الولايات المتحدة بقوة نحو إنشاء ‘قوة استقرار دولية’ لقطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، ضمن خطة تديرها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يُعتبر هذا المسعى خطوةً تهدف إلى تعزيز الأمن وتهيئة الظروف لمرحلة انتقالية جديدة، ولكنه يواجه حتى الآن فتورًا دوليًا واضحًا وغياب التزام فعلي بالمشاركة.

وحسب ما نقلته صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ عن مسؤولين أمريكيين، تستهدف الخطة تشكيل قوة متعددة الجنسيات تضم نحو 10 آلاف جندي تحت قيادة جنرال أمريكي، مع اعتراف داخلي بأن جاهزية هذه القوة قد تستغرق معظم العام المقبل، مما يضع ‘الاستقرار’ المقترح أمام تحدي الوقت وتعقيدات الواقع الميداني.

التحفظ الدولي لا يبدو تقنيًا بقدر ما هو سياسي وميداني، إذ تخشى دول عديدة أن تتوسع المهمة سريعًا لتتجاوز تأمين المساعدات وحفظ الأمن إلى نزع سلاح حركة ‘حماس’ أو الانخراط في مواجهات مباشرة، وهو ما قد يحوّل القوة من بعثة ‘تثبيت’ إلى طرف في نزاع مفتوح.

وفي الخلفية، تبرز المفارقة الأكثر قتامة، فغزة المدمرة تحتاج إلى مستوى واسع من الإغاثة وإعادة الإعمار تُقدَّر بتكاليف تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات. لكن إدخال قوة عسكرية قبل حسم طبيعة السلطة المدنية وإطار الشرعية قد يفتح الباب لوصاية طويلة الأمد، ويهدد بإدامة الأزمة بدلاً من إنهائها.

ملامح الخطة الأمريكية… قوة تحت قيادة جنرال أمريكي

تستند الفكرة، وفق اطلاع شاشوف على ما تسرّب عن مسؤولين أمريكيين، إلى إنشاء قوة متعددة الجنسيات بقيادة جنرال أمريكي، هدفها المعلن هو ‘تحقيق الاستقرار’ في قطاع غزة بعد الحرب. وسيتم تشكيلها بشكل تدريجي نظرًا لصعوبة حشد قوات كبيرة بسرعة في ساحة ذات حساسية عالية.

داخل الإدارة الأمريكية نفسها، لا يبدو أن الرقم النهائي لحجم القوة محسوم، إذ يأمل بعض المسؤولين في الحصول على تعهدات مبدئية بنشر نحو خمسة آلاف جندي في بداية العام المقبل، ليرتفع العدد إلى عشرة آلاف بحلول نهاية عام 2026، بينما يُرجح آخرون أن لا يتجاوز الحجم ثمانية آلاف عنصر.

وتؤكد الرواية الأمريكية عدم مشاركة الجنود الأمريكيين داخل غزة بشكل مباشر، رغم وجود بعضهم في مراكز تنسيق داخل إسرائيل، في محاولة لطمأنة الداخل الأمريكي وتقليل التكلفة السياسية. ومع ذلك، لا تبدو هذه الخطوات كافية لطمأنة الدول المرشحة للمشاركة.

ومن المتوقع أن تعيّن إدارة ترامب القائد العسكري للقوة مطلع العام المقبل، في خطوة تعكس الانتقال من الطرح السياسي إلى الإعداد العملياتي، حتى في ظل غياب توافق دولي واضح حول طبيعة المهمة وحدودها.

لماذا يتردد العالم؟ ‘الاستقرار’ قد يتحول إلى ‘نزع سلاح’

السبب الأبرز للتردد الدولي يتمثل في الخشية من توسع مهمة القوة لتشمل نزع سلاح حركة ‘حماس’، وهو ملف بالغ الحساسية قد يضع أي قوة أجنبية في مواجهة مباشرة مع فصيل مسلح داخل مجتمع مُنهك وغاضب.

تشير المعطيات إلى أن دولتين فقط، هما أذربيجان وإندونيسيا، تقتربان من فكرة إرسال قوات، لكنهما تفضلان تفويضًا محدودًا لا يورطهما في صراعات أو اشتباكات مباشرة، مما يعكس سقفًا منخفضًا للمشاركة مقارنة بتطلعات واشنطن.

تظهر في النقاشات الدولية مقاربة تؤكد أن نزع السلاح لا يمكن أن يكون نقطة البداية، والأولوية يجب أن تكون للفصل بين الأطراف وخلق مسار سياسي قابل للحياة، محذّرة من أن أي قوة تولد بتفويض غير واضح ستفشل منذ لحظتها الأولى.

في المقابل، وصف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس هذه القوة بأنها عنصر أساسي في عملية نزع سلاح ‘حماس’، مع إقراره بأن المهمة ستستغرق وقتًا وستعتمد بشكل كبير على تركيبة القوة نفسها، وفق مراجعة شاشوف، وهو تصريح يعمّق شكوك الدول المترددة.

طلبت وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا من أكثر من 70 دولة تقديم مساهمات عسكرية أو مالية للقوة المقترحة، تشمل دولًا حليفة كبرى وأخرى أصغر، في محاولة لتوسيع قاعدة الدعم وتقليل العبء السياسي والأمني.

وفقًا لمسؤولين أمريكيين، أبدت 19 دولة اهتمامها بالمساهمة بقوات أو بتقديم أشكال دعم أخرى مثل المعدات أو النقل أو الدعم اللوجستي، ولكن هذا الاهتمام لا يزال في إطار النوايا ولم يتحول إلى التزامات واضحة بإرسال جنود إلى غزة.

من المتوقع أن يشارك ممثلو أكثر من 25 دولة في اجتماع يُعقد في قطر لبحث تركيبة القوة ونطاق مهمتها، في خطوة تهدف إلى بلورة تصور عملي مشترك، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه الاجتماعات كثيرًا ما تنتج تفاهمات نظرية أكثر من التزامات ميدانية.

تظل المعضلة الأساسية أن أي قوة متعددة الجنسيات في غزة ستعمل في بيئة سياسية وأمنية غير محسومة، مما يجعل كثيرًا من الدول تفضّل الانتظار أو الاكتفاء بالدعم غير العسكري.

خرائط السيطرة… مناطق ملونة وحدود جديدة

تشمل التصورات المطروحة وفق قراءة شاشوف تقسيم غزة إلى مناطق نفوذ، تعمل فيها القوة الدولية داخل ما يُعرف بـ ‘المنطقة الخضراء’ شرق القطاع، بينما يسيطر الجيش الإسرائيلي على ‘الخط الأصفر’ الذي يقسم غزة تقريبًا من الشمال إلى الجنوب، وتبقى حركة ‘حماس’ محصورة في شريط ساحلي ضيق.

ومع ذلك، لم يخفِ مسؤولون أمريكيون رغبتهم في توسيع نطاق مهمة القوة لتشمل مناطق أخرى، محذرين من أن أي تأخير في نزع سلاح ‘حماس’ قد يدفع إسرائيل إلى البقاء في غزة وعدم الانسحاب الكامل.

يزيد المشهد تعقيدًا تصريح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بأن القوات قد لا تغادر ‘الخط الأصفر’ أبدًا، واصفًا إيّاه بأنه قد يتحول إلى ‘حدود جديدة دائمة’، مما يثير مخاوف من تكريس واقع تقسيم ميداني طويل الأمد.

في المقابل، تفيد معطيات بأن ‘حماس’ أظهرت في محادثات غير علنية استعدادها للتخلي عن الأسلحة الثقيلة، لكنها تشدد علنًا على ربط أي نقاش حول السلاح بالتزامات سياسية تتعلق بإقامة دولة فلسطينية، مما يجعل الحل الأمني وحده غير قابل للاستدامة.

تكشف فكرة ‘قوة الاستقرار’ عن مأزق مرحلة ما بعد الحرب في غزة، حيث تسعى القوى الكبرى إلى فرض تهدئة أمنية دون حسم جذور الصراع السياسية، بينما تتجنب الدول الأخرى تحمل كلفة الانخراط المباشر. والسيناريو الأكثر خطورة هو تحول الترتيبات الأمنية المقترحة إلى واقع دائم، تُدار فيه غزة عبر خطوط نفوذ ومناطق عازلة، في ظل غياب سلطة فلسطينية متفق عليها ومسار سياسي واضح.

وفي قطاع يحتاج إلى إعادة إعمار شاملة واستعادة حياة طبيعية لملايين المدنيين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون ‘قوة الاستقرار’ جسراً نحو حل حقيقي، أم مجرد أداة لتجميد الصراع وتأجيل انفجاره إلى جولة أكثر تعقيدًا في المستقبل؟.


تم نسخ الرابط