ترامب يعيد فتح ملف النفط الفنزويلي، مطلقًا خطة لإعادة الإعمار خلال 18 شهراً، لكن الخبراء يرونها مشروعًا مليئًا بالمخاطر وبتكلفة قد تصل إلى 100 مليار دولار. تعاني الصناعة من نقص الاستثمار والبنية التحتية المتهالكة والسؤال عن عائدات الإيرادات. تواجه شركات النفط الأميركية تحديات قانونية وأمنية، كما أن الصين تعد لاعباً رئيسياً في السوق. المستقبل يتطلب استقراراً سياسياً وإطارًا قانونيًا واضحًا لجذب الاستثمارات. في النهاية، يبدو أن هناك فجوة بين الطموحات السياسية الأميركية والواقع الجيوسياسي، مما يجعل نفط فنزويلا ساحة صراع بين واشنطن وبكين.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يُعيد ترامب فتح واحد من أكثر ملفات النفط تعقيداً في العالم، وهو نفط فنزويلا، لكن ما يبدو في خطابه كخطة سريعة لإعادة الإعمار النفطي خلال 18 شهراً، يتضح عند تفكيكه كمشروع مليء بالمخاطر، وكلفته عالية، مع مجموعة من الأسئلة غير المجابة أكثر من كونه خطة تنفيذية جاهزة.
الطرح الذي قدمه ترامب، وفقاً لتصريحات شاشوف، يدعم شركات الطاقة الأمريكية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف النفط الفنزويلي كأصل استراتيجي مركزي لمصالح الولايات المتحدة.
اقترح ترامب دعم شركات الطاقة الأمريكية لإعادة بناء صناعة النفط في فنزويلا خلال 18 شهراً، مع إنفاق مبالغ هائلة يتم تعويضها من قبل الولايات المتحدة أو من الإيرادات.
وقال في مقابلة مع “إن بي سي نيوز”، إن مشروع تجديد البنية التحتية للطاقة المتعثرة في فنزويلا يمكن إنجازه في غضون 18 شهراً. وأضاف: “أعتقد أننا نستطيع القيام بذلك في وقت أقل من ذلك، لكن الأمر سيتطلب الكثير من المال”.
لكن ترامب ترك فراغات في الرواية، حيث لم يتضح من الذي سيسيطر على الإيرادات خلال الفترة الانتقالية، وما هو الإطار القانوني للتعويض، وكيف يمكن إعادة بناء صناعة منهكة خلال 18 شهراً بينما يتحدث الخبراء عن حاجة الأمر إلى عقد كامل، وهنا تحديداً تبدأ الفجوة بين الخطاب السياسي والتقدير الفني.
بين الوعد الرئاسي والواقع النفطي
طرح ترامب إطاراً زمنياً متفائلاً (18 شهراً) لإعادة بناء بنية تحتية نفطية دمرتها عقود من الفساد والإهمال، بينما يُجمع خبراء الطاقة على أن إعادة الإحياء قد تستغرق 10 سنوات، مع تكاليف قد تتجاوز 100 مليار دولار، كما أفاد شاشوف، وحتى العودة إلى مستويات تسعينيات القرن الماضي تحتاج لأكثر من 8 مليارات دولار.
أما شركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA فتؤكد أن خطوط الأنابيب لم تُحدَّث منذ 50 عاماً، وأن الحد الأدنى للعودة إلى الطاقة القصوى يبلغ 58 مليار دولار.
يعامل ترامب النفط كرافعة سريعة للشرعية والاستقرار، بينما يُنظر إليه من قِبل الخبراء كنظام صناعي معقد لا يخضع للقرارات الرئاسية.
والشق الأخطر في المشروع لا يتعلق بالمال فقط، بل بالشرعية، فالتدخل العسكري الأمريكي الذي انتهى بالقبض على نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، وضع الاستثمار النفطي في فنزويلا ضمن منطقة رمادية قانونياً.
يتحدث المعارضون عن انتهاك للقانون الدولي، بينما أدانوا ‘الاستخدام الصارخ للقوة ضد دولة ذات سيادة’، ووقف المستثمرون أمام سؤال جوهري: هل الاستثمار في نفط فنزويلا اليوم هو استثمار أم مقامرة جيوسياسية؟
وكالة رويترز نقلت عن محللين أن الشركات ستواجه مخاطر أمنية، وبنية تحتية متهالكة، وغموض حول شرعية إخراج مادورو، واضطرابات سياسية طويلة الأمد.
من سيدفع فعلياً؟
هل شركات النفط الأمريكية مستعدة للدفع؟ هذا سؤال ملح في هذه المرحلة، لكن التجربة التاريخية لا تشجع، فشركتا إكسون موبيل وكونوكو فيليبس خرجتا بعد تأميم أصولهما في عهد هوغو تشافيز، والعودة مشروطة بقواعد قانونية واضحة، وأمن فعلي، ورفع العقوبات.
كان مارك كريستيان، مدير تطوير الأعمال في “كريس ويل للاستشارات”، صريحاً بقوله: “الشركات لن تعود حتى تضمن أموالها، وتحصل على الحد الأدنى من الأمن، وترفع العقوبات”.
هذا يعني أن خطاب ‘التعويض لاحقاً’ لا يكفي وحده لإقناع مجالس إدارات تتحرك بمنطق المخاطر بدلاً من الشعارات.
ورغم ذلك، لا تبدأ الشركات من الصفر، فشيفرون تنتج حالياً نحو 20% من نفط فنزويلا بإعفاء خاص من العقوبات، و’إكسون’ و’كونوكو فيليبس’ تمتلكان خبرة تاريخية، لكن بشروط قاسية.
كما توجد شركات أوروبية مثل ريبسول وإيني وموريل إيه بروم لا تزال تعمل بشراكات مع PDVSA
لكن عودة واسعة النطاق لن تحدث إلا إذا رأت هذه الشركات استقراراً سياسياً وتنازلات ضريبية وتنظيمية وأسعار نفط مرتفعة تبرر المخاطرة.
ولا يمكن تجاهل أن الصين تستحوذ على نحو 80% من صادرات فنزويلا النفطية، أي قرابة 746 ألف برميل يومياً من أصل 921 ألف برميل في نوفمبر 2025 حسب بيانات شاشوف. كما أن الصين تُعتبر أكبر دائن لفنزويلا، وشريكاً استراتيجياً ومعارضاً صريحاً للتدخل الأمريكي.
وأي إعادة تشكيل لسوق النفط الفنزويلي ستصطدم حتماً بالمصالح الصينية، ما يحول الملف من مشروع استثماري إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى. كما لا يزال مستقبل فنزويلا غامضاً بعد الهجوم البري للولايات المتحدة واستخدامها القوة ضد الرئيس نيكولاس مادورو، الذي بدأت محاكمته أمس الإثنين. في حين يرى بعض المستثمرين في هذا البلد فرصاً طويلة الأمد ومربحة، حيث تتجاوز الفرص الاستثمارية في فنزويلا قطاع النفط والغاز لتشمل البناء والسيارات والدفاع والكيماويات والتعدين وفقاً لتتبع شاشوف، بالإضافة إلى الاستثمارات المالية من صناديق التحوط وبعض المستثمرين طويل الأجل وربما صناديق الثروة السيادية.
في النهاية، يكشف ملف نفط فنزويلا عن فجوة عميقة بين الطموح السياسي الأمريكي والواقع الصناعي والجيوسياسي. إذ إن إعادة بناء قطاع نفطي دُمِّر عبر عقود لا تتطلب فقط الوعود، بل تحتاج إلى استقرار طويل الأمد، وإطار قانوني مقنع، وضمانات أمنية ومالية تجعل الاستثمار قراراً عقلانياً بدلاً من مغامرة.
بينما يلوّح ترامب بالنفط كورقة إنقاذ سريعة، يُذكِّر الخبراء بأن الصناعة تخضع لمنطق الزمن ورأس المال والمخاطر. وعلى المستوى الأوسع، تقف فنزويلا اليوم عند مفترق طرق حاد، فإما أن تتحول ثروتها النفطية إلى مدخل لإعادة الإعمار والاستقرار، أو أن تبقى وقوداً لصراع نفوذ بين واشنطن وبكين، وساحة اختبار لشهية الشركات الكبرى للمخاطرة في عالم مضطرب.
تم نسخ الرابط
