نزاع غزة يسبب أزمة مالية كبيرة: التبرعات الأجنبية لإسرائيل تنخفض بنسبة تقارب 60% – شاشوف

نزاع غزة يسبب أزمة مالية كبيرة التبرعات الأجنبية لإسرائيل تنخفض


تواجه المنظمات الإسرائيلية أزمة تمويل حادة، نتجت عن تداعيات حرب غزة، مما أثر على قدرتها على جمع التبرعات الدولية. تراجع حجم التمويل بنسبة تصل إلى 60% نتيجة لتغير المزاج الدولي تجاه الحرب، حيث يُنظر إليها كحرب ذات كلفة إنسانية غير مسبوقة. العديد من المنظمات أعلنت عن انخفاض الشراكات الدولية وتعرضها لضغوط سياسية. استخدمت بعض المنظمات العملات المشفرة وغيّرت أساليب عملها لتجاوز القيود. تشير هذه الحالة إلى تحول بنيوي في علاقة إسرائيل بالمجتمع الدولي وخصوصاً في المجال الإنساني، مما يزيد من عزلتها عالمياً.

تقارير | شاشوف

لم تعد تأثيرات حرب غزّة تقتصر على الجوانب العسكرية والسياسية، بل توسعت لتشمل أحد أكثر الملفات حساسية في علاقة إسرائيل بالعالم الخارجي: شبكات التمويل والدعم الدولي. بعد أكثر من عام على بدء الحرب، بدأت المنظمات الإسرائيلية التي تعتمد تاريخياً على المساعدة الخارجية تواجه أزمة حادة في التمويل، تشير إلى تغييرات أعمق في وضع إسرائيل داخل الفضاء الإنساني والدعائي العالمي.

هذه الأزمة لا تتعلق فقط بتناقص التعاطف التقليدي مع إسرائيل، بل تعكس تحولاً ملحوظاً في المزاج الدولي، حيث تُنظر الحرب على غزّة على نطاق واسع باعتبارها حرباً ذات كلفة إنسانية غير مسبوقة. هذا التحول أعاد تشكيل سلوك المانحين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات، في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الجنوب العالمي.

تقارير متقاطعة اطلع عليها شاشوف ونشرتها صحيفتا هآرتس ويديعوت أحرونوت أفادت بأن المنظمات الإسرائيلية التي تعمل على جمع التبرعات من الخارج قد سجلت تراجعاً يصل إلى 60% في حجم التمويل منذ اندلاع الحرب، سواء كانت تلك التي تجمع الأموال لدعم أنشطة داخل إسرائيل أو لتنفيذ برامج إغاثية في دول أفريقية وأمريكية لاتينية تُستخدم لتعزيز الصورة الخارجية لإسرائيل.

المثير أن هذا التراجع جاء بعد موجة ضخمة من التمويل أعقبت السابع من أكتوبر، حيث جُمعت مئات ملايين الدولارات خلال فترة قصيرة، مما يؤكد أن الأزمة الحالية لا تتعلق بقدرة الحشد، بل بانهيار الاستدامة المالية بسبب التغيرات السياسية والأخلاقية المحيطة بالحرب.

انهيار شبكات التمويل… من التعاطف إلى التحفظ

أظهرت دراسة استقصائية أجرتها جمعية التنمية الدولية في إسرائيل، وهي المنظمة المستقلة التي تضم المجتمع الإسرائيلي العامل في مجال المساعدات الإنسانية الدولية، أن 60% من منظمات الإغاثة الإسرائيلية العاملة خارج البلاد قد تضررت قدرتها على جمع الأموال منذ اندلاع حرب غزّة.

هذا التراجع لم يقتصر على حجم التبرعات فقط، بل شمل انخفاضاً حاداً في الشراكات الدولية. إذ أفادت نحو 40% من المنظمات بانكماش أو تعليق التعاون مع جهات أجنبية، في ظل تصاعد الضغوط السياسية والشعبية داخل الدول المانحة وزيادة الانتقادات الموجهة لإسرائيل بسبب الجرائم المرتكبة في غزة.

ويعكس هذا التحول تغيراً عميقاً في أولويات الممولين، حيث أصبح العديد منهم يشترط وضوح المسار الإنساني لأموالهم، في وقت تتزايد فيه التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بشأن القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات إلى غزة، وسياسات التجويع، وانهيار النظام الصحي.

الأخطر أن أكثر من ثلث المنظمات المشاركة في الاستطلاع أفاد بتلقي تهديدات مباشرة، أو بإنهاء فعلي لمشاريع تعاونية قائمة، مما يشير إلى انتقال الأزمة من النطاق المالي إلى مستوى أعمق يمس الشرعية الأخلاقية للعمل الإنساني المرتبط بإسرائيل.

إخفاء الهوية واللجوء إلى العملات المشفّرة

مع تصاعد الغضب الشعبي في عدد من الدول، اضطرت منظمات إسرائيلية إلى تغيير أساليب عملها بشكل جذري. فقد ذكرت صحيفة هآرتس أن بعض المانحين لجأوا إلى استخدام العملات المشفّرة، في محاولة لتجاوز القيود التي تفرضها البنوك الإسرائيلية على التحويلات المرتبطة بالمساعدات المتجهة إلى غزة.

في المقابل، أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت أن عدداً من منظمات جمع التبرعات بات يتعمد إخفاء هويته الإسرائيلية أثناء الحملات الخارجية، أو إعادة تقديم نفسه تحت عناوين إنسانية عامة، بعيداً عن أي ارتباط وطني مباشر قد يثير حساسية أو رفضاً لدى المانحين.

وحسب اطلاع شاشوف، فإن نحو 40% من المنظمات المشاركة في الاستطلاع أقرت بأنها غيّرت طريقة عرض أنشطتها، إما عبر التركيز على القيم الإنسانية العالمية، أو تقليل الظهور الإعلامي، أو إلغاء مبادرات مشتركة مع شركاء أجانب، لا سيما في الدول التي تدهورت علاقاتها مع إسرائيل منذ بدء الحرب.

هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً داخل هذه المنظمات بأن الهوية الإسرائيلية نفسها تحولت إلى عبء تمويلي في الكثير من الساحات الدولية، خاصة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والجامعات الغربية، حيث يتصاعد الضغط الشعبي والطلابي المناهض للحرب.

بيئة عدائية وضغوط سياسية خانقة

إلى جانب التراجع المالي، أفادت نحو 60% من المنظمات بتعرضها لما وصفته بحوادث “معادية لإسرائيل” أو “معادية للسامية”، سواء على المستوى المؤسسي أو الشخصي، وهذا أثر مباشرة في شعور الموظفين والمتطوعين بالأمان أثناء أداء مهامهم الميدانية.

عدد غير قليل من العاملين أشار إلى تعرضه للاستجواب السياسي، أو لمطالبات غير مباشرة بالإعلان عن مواقف من الحرب، أو الاعتراف بجرائم إسرائيل في غزة، كشرط لاستمرار التعاون أو التمويل، مما دفع بعضهم إلى مغادرة مشاريع أو حتى فقدان وظائفهم. وفي محاولة لتقليل الخسائر، بدأت بعض المنظمات بتحويل تركيزها نحو النشاط داخل إسرائيل فقط، وزيادة الاعتماد على التبرعات المحلية، وهو خيار يحدّ من نطاق العمل الدولي ويقوّض القدرة على تنفيذ مشاريع طويلة الأجل في الخارج.

وفي هذا السياق، قالت أييلت ليفين كارب، الرئيسة التنفيذية لمنظمة التنمية الدولية في إسرائيل، إن الحرب «خلقت تحديات غير مسبوقة للمنظمات والشركات الإسرائيلية العاملة في مجال المساعدات الدولية، وجعلت التخطيط طويل الأمد شبه مستحيل».

تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن أزمة التبرعات الخارجية ليست أزمة مؤقتة أو ناتجة عن موجة غضب عابرة، بل تعكس تحولاً بنيوياً عميقاً في علاقة إسرائيل بالمجتمع الدولي، وخصوصاً في المجال الإنساني والدعائي الذي طالما شكل رافعة أساسية لنفوذها الخارجي.

فبحسب تقرير نشرته منصة العمل الخيري اليهودي، فإن التبرعات الطارئة الكبيرة التي تدفقت عقب السابع من أكتوبر 2023 بدأت تتراجع بشكل ملموس، بينما تواجه المنظمات صعوبة متزايدة في تأمين تمويل مستدام بعد انحسار الزخم العاطفي الأولي.

كما نقلت صحيفة فاينانشال تايمز أن القيود الإسرائيلية المشددة على عمل المنظمات الإنسانية في غزة، واستهداف منظمات دولية كبرى مثل أطباء بلا حدود، وأوكسفام، وكاريتاس، أسهمت في تراجع ثقة المانحين بقدرة أموالهم على الوصول إلى مستحقيها بفعالية.

في النهاية، تكشف أزمة التبرعات عن كلفة غير مباشرة للحرب، لا تقل خطورة عن الكلفة العسكرية والاقتصادية: تآكل الدعم الدولي، وتراجع النفوذ الإنساني، وتعميق عزلة إسرائيل عالمياً، في لحظة تبدو فيها الشرعية الدولية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.


تم نسخ الرابط