من القصف إلى الحصار: إسرائيل تُخوض حرباً صامتة عبر الجوع والبرد في غزة – شاشوف

من القصف إلى الحصار إسرائيل تُخوض حرباً صامتة عبر الجوع


Despite a ceasefire agreement, Israel continues its systematic suffocation of Gaza through strict humanitarian aid restrictions, showcasing a shift from direct warfare to organized starvation. Gaza requires at least 600 trucks of aid daily, yet only 234 are allowed, leaving a significant humanitarian gap. This strategy aims to maintain the region on the brink of famine and health collapse, even amid international pressure for policy changes. Recent storms exacerbated the crisis, displacing hundreds of thousands and causing casualties. UN appeals for aid access remain ignored, reflecting the international community’s failure to enforce humanitarian relief, worsening the dire conditions for Gaza’s civilians.

تقارير | شاشوف

على الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، إلا أن إسرائيل تستمر في تطبيق سياسة الخنق المنهجي على قطاع غزة من خلال القيود الصارمة على إدخال المساعدات الإنسانية. هذه الإجراءات تعكس تحول أدوات الحرب من القصف المباشر إلى التجويع المنظم، ومن التدمير العسكري إلى الاستنزاف الإنساني المستمر.

بينما يحتاج قطاع غزة إلى ما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات يومياً لتلبية الاحتياجات الأساسية لأكثر من 2.4 مليون إنسان، فإن المعدل الفعلي لما تسمح إسرائيل بإدخاله لا يتجاوز 234 شاحنة، مما يترك فجوة إنسانية هائلة لا يمكن سدّها بالمسكنات أو الوعود السياسية.

هذه السياسة لا تبدو نتيجة لعجز لوجستي أو اعتبارات أمنية حقيقية، بل هي نتاج قرار سياسي واضح لإبقاء القطاع على حافة المجاعة والانهيار الصحي، وحتى في ظل الضغوط الدولية والقرارات الأممية المتتالية التي تدعو لرفع القيود فوراً.

بينما يفترض أن يمثل وقف إطلاق النار بداية لمعالجة الكارثة الإنسانية، تحول فعلياً إلى غطاء لإدارة الأزمة بأساليب أقل صخباً، لكنها أكثر فتكاً، حيث يُترك المدنيون لمواجهة البرد والجوع والمرض دون حماية أو إغاثة كافية.

مساعدات محاصرة وأرقام تكشف سياسة الخنق

تفرض سلطات الاحتلال قيوداً صارمة على المعابر الثلاثة المؤدية إلى قطاع غزة، وتتحكم بدقة في نوعية وكميات المساعدات المسموح بدخولها، مع حظر شبه كامل لمواد حيوية مثل البيوت المتنقلة، وقطع الغيار، والوقود، بحجج أمنية وُصفت بأنها واهية.

تشير البيانات الإنسانية التي يتتبَّعها مرصد شاشوف إلى نفاد 52% من الأدوية الأساسية داخل القطاع، في حين لا تتجاوز كميات الوقود الداخلة 13% من الحاجة الفعلية، ما يؤثر سلباً على عمل المستشفيات، ومحطات تحلية المياه، وخدمات الإسعاف.

هذا النقص الحاد لا يترك مكاناً للصدفة، بل يؤكد أن المساعدات تُعّد كأداة ضغط، تُفتح وتُغلق وفق حسابات سياسية، وليس وفق معايير إنسانية، مما يحوّل الإغاثة إلى وسيلة ابتزاز جماعي بحق سكان القطاع.

ومع استمرار هذه القيود، يتحول وقف إطلاق النار من فرصة لإنقاذ الأرواح إلى مرحلة جديدة من العقاب الجماعي، حيث يُمنع الدواء والغذاء عن المدنيين دون إعلان حرب صريح، ولكن بنتائج لا تقل كارثية.

تفاقمت المأساة الإنسانية مع اجتياح المنخفض الجوي “بيرون” قطاع غزة، في وقت يعاني فيه مئات الآلاف من النازحين داخل خيام مهترئة لا تحمي من المطر أو البرد، وسط غياب شبه كامل لمستلزمات الإيواء.

أسفرت الأمطار والبرد عن استشهاد 14 فلسطينياً، بينهم 6 أطفال، بالإضافة إلى انهيار أكثر من 15 منزلاً، وانتشال جثامين عائلات كاملة من تحت الأنقاض، في مشاهد تعكس حجم العجز الإنساني المفروض على القطاع.

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، جرفت السيول واقتلعت الرياح أكثر من 27 ألف خيمة، مما ترك مئات الآلاف من النازحين بلا مأوى حقيقي، في ظل شح شديد في الملابس الشتوية والأغطية والخيام البديلة.

هنا يتحول الشتاء إلى أداة قتل غير مباشرة، إذ لا يحتاج الأمر إلى قصف أو رصاص، بل يكفي منع مواد الإيواء والوقود، ليتحول البرد والمطر إلى سبب مباشر للموت.

تحذيرات أممية بلا أثر عملي

أكدت الأمم المتحدة أن أكثر من 140 ألف شخص تأثروا بالأمطار الغزيرة التي غمرت أكثر من 200 موقع نزوح في قطاع غزة، محذرة من أن استمرار القيود على المساعدات سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية.

وشدد نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، على ضرورة رفع القيود فوراً، ورفع الحظر عن عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، باعتبارها العمود الفقري للعمل الإنساني في القطاع.

من جانبه، أكد المتحدث باسم “يونيسيف” في فلسطين الحاجة الملحة لإدخال المزيد من الملابس والخيام والمساعدات الأساسية، محذراً من أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً من استمرار الوضع الحالي.

لكن هذه التحذيرات، رغم تكرارها وحدّتها، تواجه عجزاً دولياً واضحاً في فرض تنفيذها، مما يحول القرارات الأممية إلى بيانات إدانة بلا أدوات ردع، ويمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للاستمرار في سياساتها دون تكلفة فعلية.

قرار أممي جديد… وصدام سياسي متصاعد

سياسياً، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يطالب إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، بالسماح الفوري وغير المشروط بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وضمان توفير الغذاء والماء والدواء والمأوى للسكان.

أكد القرار، الذي صاغته النرويج، أن وكالة “أونروا” جهة لا غنى عنها في تقديم المساعدات، ودعا إلى حماية الطواقم الطبية والإغاثية، ومنع التهجير القسري وتجويع المدنيين.

ورغم تصويت 139 دولة لصالح القرار، رفضته إسرائيل والولايات المتحدة، وامتنعت 19 دولة عن التصويت، في مشهد يعكس عمق الانقسام الدولي وعجز المنظومة الأممية عن فرض قراراتها على أرض الواقع.

في المقابل، ردت إسرائيل بغضب، وهاجمت الأمم المتحدة و”أونروا”، ووصفت القرارات بأنها “منحازة ومشوّهة أخلاقياً”، في محاولة لنزع الشرعية عن أي مسار دولي يقيّد سياساتها في غزة.

ما يحدث في غزة اليوم لم يعد مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل سياسة ممنهجة لإدارة الحياة على حافة الموت، عبر التحكم بالغذاء والدواء والمأوى، وتحويل المساعدات إلى أداة ضغط جماعي، حتى في ظل وقف إطلاق النار.

فالتجويع، ومنع الإيواء، وترك المدنيين فريسة للبرد والمرض، جميعها تشكل امتداداً لحرب الإبادة، لكن بأساليب أقل ضجيجاً وأكثر ديمومة، مما يجعل الكارثة الإنسانية في غزة مرشحة للتفاقم بدلاً من الانحسار.

في غياب إرادة دولية حقيقية لفرض القرارات الأممية، يبقى سكان غزة محاصرين بين قرارات لا تُنفذ وواقع ميداني يزداد قسوة، حيث يتحول الحق في الحياة إلى معركة يومية، تُخاض لا بالسلاح، بل بالصبر على الجوع والبرد والخذلان الدولي.


تم نسخ الرابط