مساعدات محظورة وبطالة متفشية واستغلال إسرائيلي للمعابر: غزة في صراع جديد بلا دخان – شاشوف

مساعدات محظورة وبطالة متفشية واستغلال إسرائيلي للمعابر غزة في صراع


توقف القتال في غزة، إلا أن أزمة التجويع والبطالة تتفاقم. منذ اتفاق وقف إطلاق النار، دخلت 986 شاحنة من أصل 6600 مُخطط لها، مما أسفر عن نقص حاد في المواد الأساسية. يعيش ثلث الأسر في غزة دون طعام لعدة أيام، و39% من السكان يعانون من نقص غذائي. معدل البطالة تجاوز 95% بعد تدمير جميع مصادر الدخل. البنية التحتية الصناعية تحطمت، مما زاد من مأساة الناس. الوضع في غزة يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لتوفير المساعدات وإعادة الإعمار لضمان حياة كريمة للسكان وسط المعاناة المستمرة.

تقارير | شاشوف

لقد توقف دوي الحرب في قطاع غزة، لكن الحرب الهادئة الأخرى بدأت للتو، وهي حرب الجوع المستمرة والبطالة العالية التي تضغط على كاهل الأسر، في ظل الاستغلال الإسرائيلي للحالة الإنسانية الحرجة في غزة واعتبارها وسيلة للضغط على الفصائل الفلسطينية.

منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لم تدخل القطاع سوى 986 شاحنة فقط، من بين 6600 شاحنة كان من المفترض وصولها حتى مساء أمس الإثنين، وفقاً لما نص عليه الاتفاق.

وشملت هذه القوافل القليلة 14 شاحنة تحمل غاز الطهي و28 شاحنة سولار مخصصة لتشغيل المخابز والمولدات والمستشفيات والمنشآت الحيوية، وفقاً لتصريح مكتب الإعلام الحكومي بغزة، في ظل النقص الحاد في هذه المواد الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية بعد أشهر طويلة من الحصار والدمار.

وفي ضوء الوضع الكارثي الذي يعيشه سكان غزة، أشار برنامج الأغذية العالمي اليوم إلى أن الإمدادات إلى غزة تتزايد بعد وقف إطلاق النار، لكنها ما زالت أقل بكثير من الهدف اليومي البالغ 2000 طن، حيث إن المعبرين فقط مفتوحان، وهما معبر كرم أبو سالم ومعبر كيسوفيم، من بين سبعة معابر في القطاع المحاصر.

ووفقاً للبرنامج الأممي، يدخل نحو 750 طناً مترياً من الغذاء إلى قطاع غزة يومياً، لكن ذلك لا يزال أقل بكثير من احتياجات السكان بعد عامين من الحرب التي جعلت أكثر من 80% من غزة أنقاضاً.

ولتوسيع الإمدادات، يلزم استخدام جميع نقاط العبور الحدودية في الوقت الراهن، حسب تصريح المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي ‘عبير عطفة’ خلال مؤتمر صحفي في جنيف.

ومن صور المأساة أن العديد من سكان غزة يقومون بتخزين الطعام الذي يتلقونه خوفاً من جفاف الإمدادات مرة أخرى، وهم حالياً يتناولون جزءاً منه ويحتفظون ببعض الإمدادات لحالات الطوارئ، بسبب عدم اليقين بشأن مدة وقف إطلاق النار وما قد يحدث بعد ذلك.

وبينما يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن حوالي ثلث الأسر في القطاع محرومة من وجبات الطعام لعدة أيام متتالية، تؤكد منظمة اليونيسف أن 39% من السكان لا يحصلون على طعام لعدة أيام، بالإضافة إلى أن 320 ألف طفل تحت سن الخامسة معرضون لسوء التغذية الحاد، ويحتاج 290 ألف طفل دون الخامسة، و150 ألف امرأة حامل ومرضع إلى التغذية والمكملات الغذائية.

الضغط الإسرائيلي بورقة المساعدات

تواصل إسرائيل استخدام ورقة المساعدات للضغط على الفصائل الفلسطينية، مما أثر سلباً على الأسواق وظروف المعيشة، على الرغم من أن الأسواق شهدت في الأيام الأخيرة انخفاضاً تدريجياً في أسعار السلع، مع دخول الشاحنات وإن كانت قليلة.

إذ يشير المواطنون والتجار في غزة إلى أن حركة السوق بدأت تستعيد نشاطها بشكل بطيء، بعد فترة من الشلل التام الذي أصاب النشاط الاقتصادي خلال الحرب، بينما تواصل الجهات الحكومية ولجان الطوارئ مراقبة الأسعار ومنع الاستغلال الذي كان سائداً خلال فترة الحرب، في محاولة لإعادة التوازن إلى السوق المحلي وضمان توفر السلع بأسعار مناسبة.

لكن تقارير صحفية تشير إلى أن اضطرابات الأسواق ستستمر لعدم الوصول إلى حالة الاستقرار الكامل في الأسعار، بسبب تحايل الاحتلال وعدم الالتزام ببنود الاتفاق المتعلقة بإدخال المساعدات وفتح المعابر.

أكثر مكان مدمر على وجه الأرض

جاكو سيليرز، الممثل الخاص للمدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الأراضي الفلسطينية، قال إن قطاع غزة ‘أكثر مكان مدمر على وجه الأرض’، مشيراً إلى أن مشاهد الركام الموجودة في كل مكان تُظهر حجم الكارثة التي لحقت بالمدنيين.

ووفقاً لسيليرز، يبحث الأهالي وسط الأنقاض عن بقايا ممتلكاتهم، بينما يقف الأطفال في طوابير طويلة للحصول على الغذاء والماء، مؤكداً أن السكان يواجهون تحديات إنسانية ضخمة تتعلق بتأمين المأوى والغذاء والمياه، في وقت تقدر فيه الأمم المتحدة حجم الركام المتراكم في القطاع بنحو 25 مليون طن، مما يستدعي إزالة الأولويات قبل أي عملية إعادة إعمار.

ورغم هذا الواقع القاسي، إلا أن الأهالي لا يزالون يحاولون العودة إلى حياتهم الطبيعية، رغم أن عشرات الآلاف من الأسر تعيش في أماكن مكتظة تفتقر إلى الشروط الصحية الملائمة، مما يزيد من مشكلات المياه والصرف الصحي ويعزز من معاناة السكان في ظل نقص الإمدادات الغذائية والدوائية.

أزمة البطالة في غزة

رغم توقف الحرب، إلا أن الحرب الحالية لا تقل خطورة على الفلسطينيين، إذ يتعرضون للجوع والعجز وسط بطالة مشهودة ناجمة عن تدمير الدورة الاقتصادية بأكملها، فيما يُعتبر العمال الأكثر تأثراً بسبب اعتمادهم على الأجر اليومي.

لقد أصبحت الشركات أنقاضاً، وأُحرقت الورش، وتبددت مصادر الرزق، ولم يعد هناك ما يمكن للعامل الفلسطيني بيعه أو إنتاجه، وبات أرباب الأسر، الذين كانوا يعيلون أسرهم، يقفون على أبواب الجمعيات في انتظار الحصول على طرد غذائي يسد رمق أطفالهم.

وحسب البيانات المتاحة، تجاوزت نسبة البطالة في قطاع غزة 95%، ولم يعد العمال يبحثون عن فرص عمل لأن العمل لم يعد موجوداً أصلاً، فقد دمرت كافة الورش وخرجت الأراضي الزراعية عن الخدمة، وتوقفت جميع أشكال الصيد وانتهت جميع قطاعات العمل.

وانهار القطاع الصناعي بالكامل في غزة، بعد أن كان أحد أعمدة الاقتصاد المحلي وأكبر مشغل للأيدي العاملة قبل الحرب.

كان القطاع يضم أكثر من 4500 منشأة صناعية كبيرة ومتوسطة، بالإضافة إلى آلاف الورش الصغيرة، لكن 90% منها دُمرت خلال الحرب، بعضها بالكامل وبعضها جزئياً، مما أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من العمال.

وقبل الحرب، كان هناك 53 ألف عامل في هذا القطاع، أما اليوم فهناك أكثر من 35 ألفاً بلا عمل بعد تدمير المصانع التي كانوا يعملون فيها.

حالياً، تعمل المصانع القليلة التي لا تزال قائمة، بطاقة إنتاجية محدودة جداً، وتواجه صعوبات هائلة بسبب نقص المواد الخام وارتفاع تكاليفها وانقطاع الوقود والكهرباء، بالإضافة إلى التهديدات الأمنية المتكررة التي تمنع استمرار الإنتاج.

يوضح الاقتصاديون في غزة أن الحرب استهدفت الاقتصاد كما للناس، حيث تم تدمير البنية التحتية الصناعية عمداً لضرب أسباب الحياة.

بالتالي، يمثل الوضع في قطاع غزة كارثة إنسانية واقتصادية متكاملة، حيث أصبح الحصار الممتد وعمليات التدمير واسعة النطاق القطاع غير ملائم للعيش، بينما يهدد منع المساعدات الإنسانية المدنيين بالمجاعة، مما يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً وغير مشروط لضمان التدفق الكافي والمستدام للمساعدات، وبدء جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي التي قد تستغرق عقوداً.


تم نسخ الرابط