يمر الاقتصاد اليمني بأزمة خطيرة، حيث بلغ سعر الدولار الأمريكي نحو 2900 ريال يمني مع ارتفاع قياسي في التضخم. تعكس هذه الأزمة انهيارًا ماليًا وإداريًا جذرية بسبب ضعف أداء البنك المركزي وفشل الحكومة في إدارة الموارد. يُظهر محافظ البنك أن أكثر من 147 جهة إيرادية لا تخضع للرقابة، وأن الحكومة تعمل دون ميزانية رسمية منذ 2019. يقترح المحافظ ضرورة استئناف تصدير النفط، وتوجيه جميع الإيرادات إلى البنك المركزي، وإقرار ميزانية فعلية. استمرار التدهور يجعل المواطنين في وضع صعب ماليًا مع غياب الثقة والاستقرار في الأسواق.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
مع الانهيار السريع لسعر صرف العملة في مناطق الحكومة، اقترب الدولار الأمريكي في عدن من 2900 ريال يمني، بينما وصل الريال السعودي إلى 760 ريالاً، وسط أزمة تضخم خانقة تهدد الأمن المعيشي لملايين المواطنين.
هذا الانهيار لا يُعزى فقط إلى العوامل السياسية والعسكرية، بل يعكس أزمة مالية وإدارية عميقة، مرتبطة بشكل مباشر بأداء البنك المركزي اليمني في عدن، وعدم قدرة الدولة على السيطرة على مواردها.
تظهر بيانات شاشوف أن تدهور العملة يعكس حالة شلل مالي كامل، نتيجة غياب الموازنات العامة منذ سنوات، وانتشار الفساد في تحصيل الإيرادات، وعجز إدارة المؤسسات المالية، خصوصاً في ظل اعتراف نادر من محافظ البنك المركزي بمدى الكارثة.
147 جهة إيرادية خارج السيطرة… و75% من الإيرادات لا تصل إلى البنك
في لقاء أجرى فيه رئيس تحرير صحيفة ‘عدن الغد’ فتحي بن لزرق حواراً مع محافظ البنك المركزي في عدن، ‘أحمد غالب المعبقي’، تم نقل اعترافات خطيرة بشأن الوضع المالي.
حسب ما رصدته شاشوف، أكد المحافظ أن أكثر من 147 جهة حكومية إيرادية لا تخضع لأي رقابة فعلية، وما يتم توريده للبنك المركزي لا يتجاوز 25% من الالتزامات العامة للدولة.
وأضاف المحافظ أن هذا العجز المزمن يفقد البنك القدرة على ممارسة دوره النقدي، موضحاً أن الأموال تُصرف في مختلف المحافظات خارج الأطر القانونية، ودون أي تخطيط أو رقابة، مع وجود ميزانيات محلية غير مرجعة للبنك المركزي.
حكومة بلا ميزانية منذ 2019
بحسب ما اطّلعت عليه شاشوف، أكد محافظ البنك المركزي أن حكومة عدن تعمل منذ عام 2019 بدون ميزانية سنوية رسمية، مما أفقدها القدرة على التخطيط المالي وأربك جميع مؤسساتها، مشيراً إلى أن إقرار ميزانية فعلية يعد شرطاً أساسياً للاقتصاد السليم.
وأشار إلى أن غياب الموازنة هو السبب في عدم وجود أولويات واضحة لدى السلطات التنفيذية، وفي غياب التنسيق بين الحكومة والبنك ومؤسسات الرقابة، مما أدى إلى فوضى مالية غير مسبوقة.
وديعة سعودية تتبخر وموارد نفطية متوقفة
أكد المحافظ أن المتبقي من الوديعة السعودية لا يتجاوز 225 مليون دولار، ولا يمكن للبنك التصرف بها دون إذن المودع، وأشار إلى أن معظم ما استُخدم من الوديعة ذهب لتغطية الرواتب والنفقات الحكومية، مما يدل على أن الاعتماد على مصادر مؤقتة لم يعد مفيداً في ظل توقف صادرات النفط.
وصف ‘المعبقي’ إعادة تصدير النفط وتوجيه كافة الموارد نحو البنك المركزي بأنها ضرورة لإنقاذ الاقتصاد ومنع مزيد من الانخفاض في سعر الصرف.
المعبقي: البنك المركزي عاجز في مواجهة فوضى الصرافة
في سياق متصل، اتهم المحافظ حكومة صنعاء بممارسة المضاربة بالعملة في عدن باستخدام النقد المحلي في محاولة لإرباك السوق. ورغم جهود البنك للتصدي لهذه التدخلات، أكد أن المواجهة غير متكافئة بسبب محدودية الإمكانيات.
أشار المحافظ إلى أن البنك المركزي يتخذ إجراءات ضد محلات الصرافة المخالفة في عدن، لكنه لا يستطيع فرض الرقابة على ما يجري خارجها، حيث تعمل محلات صرافة بدون أي ضوابط، مما يعمق الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء.
ووفقًا لما رصدته شاشوف، أكد محافظ البنك المركزي في عدن أن إنقاذ الاقتصاد يتطلب معالجة أربعة محاور رئيسية.
المحور الأول هو استئناف تصدير النفط اليمني المتوقف، وهو الرافد الأساسي لخزينة الدولة. المحور الثاني يتعلق بتوجيه جميع موارد الدولة إلى البنك المركزي مع وقف عمليات الإنفاق المباشر. المحور الثالث هو إقرار ميزانية حكومية حقيقية لأول مرة منذ عام 2019، أما المحور الرابع فيتعلق بتحرير سعر صرف الدولار الجمركي.
في تعليق على ما قاله ‘بن لزرق’، رأى الخبير الاقتصادي ‘أحمد الحمادي’ أن تصريحات محافظ البنك المركزي تعكس أزمة مركبة تتجاوز صلاحيات البنك، مشدداً على ضرورة تحرك كل مؤسسات الدولة لإنقاذ الاقتصاد الوطني.
بينما تستمر أسعار الصرف في الانهيار، وتغيب الرقابة عن مؤسسات الدولة، تظل كلفة الفشل السياسي والإداري تُدفع من جيوب المواطنين، الذين باتوا عاجزين عن مواجهة متطلبات الحياة في بيئة اقتصادية فقدت الثقة والاستقرار.
تم نسخ الرابط
