قناة السويس تستعيد عافيتها بشكل حذر.. انتعاش متأني في البحر الأحمر رغم الضغوط – شاشوف

قناة السويس تستعيد عافيتها بشكل حذر انتعاش متأني في البحر


قناة السويس تشهد تحسنًا تدريجيًا بعد عامين من الاضطرابات الأمنية الناجمة عن الحرب في غزة، مدعومة بتخفيضات تاريخية وإعادة نشاط شركات الملاحة الكبرى مثل ميرسك. رغم هذا التحسن، تبقى المخاطر قائمة ويعتمد التعافي على استقرار الوضع الأمني. الإيرادات تراجعت بشكل كبير من 10.2 مليارات دولار في 2023 إلى 3.9 مليارات دولار في 2024، مما أثر سلبًا على الاقتصاد المصري. قطاع الشحن يتوقع سيناريوهات مختلفة للعودة، مع احتمال نمو الإيرادات بنسبة تصل إلى 35% بحلول 2026. لكن استمرار التوترات قد يؤدي لانتكاسات جديدة، مما يعقد جهود التعافي.

أخبار الشحن | شاشوف

لأول مرة منذ عامين على الاضطرابات الأمنية الكبيرة التي شهدها البحر الأحمر نتيجة الحرب في غزة في أكتوبر 2023، بدأت قناة السويس مرحلة تعافٍ محسوبة، حيث تتحرك بخطوات صغيرة ومدروسة مستندة إلى مجموعة من العوامل، أبرزها تخفيضات موسعة تعد الأكبر في تاريخ القناة، إلى جانب عودة شركات الملاحة العالمية الكبرى، وتحسن نسبي في الأوضاع الأمنية.

ومع أن التحسن التدريجي الذي يتابعه “شاشوف” ملحوظ، فإن المخاطر لا تزال قائمة، مما يجعل أي عودة كاملة مرتبطة باستمرار الهدوء النسبي في البحر الأحمر، وكذلك بتطورات الصراع الإقليمي والسياسي في الفترة القادمة.

عودة “ميرسك”.. دلالة إيجابية في مسار الأزمة

شركة ميرسك الدنماركية العملاقة أبلغت عملاءها في أواخر نوفمبر بأنها أصبحت “قريبة من استئناف العبور” عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بشرط أن تسمح الظروف الأمنية بذلك، واعتُبر هذا الإعلان بمثابة أول مؤشر واضح على أن الأزمة البحرية بدأت تدخل مرحلة الانفراج.

وقد أكدت الشركة أن التحسن الأمني في الأسابيع الأخيرة شجعها على إعادة جدولة بعض الرحلات عبر القناة، معتبرةً أن العودة إلى المسار التقليدي عبر السويس تمثل “نقطة تحول” هامة في أزمة كبدت القناة خسائر غير مسبوقة.

قبل اندلاع الحرب على غزة، عبرت قناة السويس 1158 سفينة تابعة لشركة ميرسك، بإيرادات بلغت نحو 733 مليون دولار، مما يعني أن عودة جزء من هذا النشاط، حتى لو كانت تدريجية، تمثل دفعة قوية للتدفقات الملاحية.

وقد أطلقت هيئة قناة السويس أكبر حملة تخفيضات جريئة في تاريخها، حيث مدّدت العمل بـ13 تخفيضاً على رسوم عبور السفن حتى منتصف 2026، وشملت هذه التخفيضات السفن العملاقة ذات الحمولة الصافية فوق 130 ألف طن، بالإضافة إلى سفن الحاويات وناقلات البترول والغاز الطبيعي، والسفن القادمة من غرب أوروبا والأميركتين والمتجهة إلى آسيا، وفقاً لمصادر شاشوف.

وتهدف هذه السياسة، التي تُعتبر الأولى من نوعها منذ إنشاء القناة، إلى تقليص الفجوة التنافسية بين مسار السويس والمسار البديل عبر جنوب أفريقيا.

مؤشرات للتعافي

وفقاً لبيانات هيئة قناة السويس، بين يوليو وأكتوبر 2025، عبرت 4405 سفن بحمولات بلغت 185 مليون طن مقارنةً بنفس الفترة من 2024 التي سجلت عبور 4332 سفينة بحمولات 167.6 مليون طن، مما يعني أن القناة بدأت تحقق أول معدل نمو إيجابي منذ 18 شهراً.

رغم عودة الحركة تدريجياً، يؤكد خبراء النقل البحري أن شركات الملاحة العملاقة، خاصة الأوروبية والآسيوية، تعتبر سلامة الطواقم والسفن مسألة غير قابلة للتفاوض، حيث لم تختفِ التوترات في البحر الأحمر بالكامل، وما تزال الهجمات المحتملة أو التهديدات غير المتوقعة عامل ضغط على قرار العودة الكاملة.

خسائر السويس

شهدت قناة السويس انهياراً غير مسبوق في إيراداتها، حيث تراجعت من 10.2 مليارات دولار في عام 2023 إلى 3.9 مليارات دولار فقط في عام 2024، مع خسائر فعلية بلغت حوالي 6.3 مليارات دولار خلال عام واحد وفقاً للبيانات التي جمعها شاشوف، وهو أكبر تراجع سنوي في تاريخ القناة منذ تأميمها في 1956.

ونجم هذا الانخفاض عن تحويل مئات السفن مسارها إلى رأس الرجاء الصالح، فضلاً عن ارتفاع مخاطر التأمين البحري في البحر الأحمر، وزيادة زمن الرحلات عبر أفريقيا (ما بين 9 إلى 14 يوماً إضافياً)، مما دفع شركات الشحن إلى تفضيل المخاطرة الزمنية على المخاطرة الأمنية.

لذا، اضطرت هيئة القناة إلى تنفيذ أكبر حملة تخفيضات في تاريخها، مما قلل من الإيرادات المحتملة حتى مع عودة بعض السفن.

وعند احتساب خسائر العبور، والتسهيلات والتخفيضات، وانخفاض الرسوم المتغيرة على الحمولات، بالإضافة إلى خسائر الاقتصاد المصري المرتبطة بتراجع العملة الأجنبية، يمكن تقدير الأثر المالي الإجمالي للأزمة على الاقتصاد المصري عبر قناة السويس بما بين 8 إلى 10 مليارات دولار خلال عامي 2024 و2025 مجتمعَين، وفقاً لمصادر شاشوف.

من المهم جداً تعافي القناة للاقتصاد المصري، حيث تعد قناة السويس ثالث أهم مصدر للنقد الأجنبي لمصر بعد تحويلات المصريين بالخارج والصادرات السلعية، ومع الانهيار الكبير في الإيرادات أصبح التعافي ضرورة لا خياراً، خصوصاً مع الوضع المالي الهاش والارتفاع في الدين العام وتضخم تكلفة خدمة الدين الخارجي في مصر التي تُعتبر ثاني أكبر مقترض في العالم بعد الأرجنتين.

توقعات الشحن في البحر الأحمر

تشير التحليلات الأخيرة إلى أن السيناريو الأول في توقعات الشحن هو عودة تدريجية منظمة للسفن إلى البحر الأحمر خلال 2026، وذلك على شرط استمرار الهدوء النسبي لمدة ستة أشهر متتالية، مع استمرار التخفيضات والحوافز، وتنسيق أمني دولي أكبر لحماية الممر الملاحي.

ووفق تقديرات خبراء الملاحة، فإن العودة التدريجية الكاملة قد تستغرق بين 6 إلى 12 شهراً، مع نسبة نمو محتملة في الإيرادات تتراوح بين 20% إلى 35% خلال 2026.

أما السيناريو الثاني فيتحدث عن العودة الجزئية المستدامة، حيث قد تُفضل بعض الشركات، حتى مع تحسن الأمن، الاستمرار في مسار رأس الرجاء الصالح بناءً على حسابات التأمين، وعقود الشحن الجديدة، والعوائد اللوجستية على المدى البعيد. وفي هذا السيناريو، قد لا تعود الإيرادات إلى مستوى 10 مليارات دولار قبل عام 2027 أو 2028.

والسيناريو الثالث هو ‘انتكاسة جديدة’، ففي حال تجدد التوترات الإقليمية أو حدوث هجمات بحرية، فمن المتوقع أن يتوقف تدفق السفن مجدداً وتراجع الإيرادات إلى مستويات 2024 أو أقل، وهذا السيناريو يُعتبر الأكثر خطورة، وتسعى مصر ودول إقليمية وغربية لمنعه عبر ترتيبات أمنية مشتركة.

هل يمكن للقناة استعادة مكانتها بالكامل؟

تتمتع قناة السويس بعدة عناصر قوة، أبرزها الموقع الجغرافي الفريد، والتحديثات في البنية التحتية، والقدرة على تقديم حوافز ضخمة، والدعم الدولي القوي لحركة التجارة عبرها.

ومع ذلك، تواجه تحديات حقيقية تتعلق بصعود مسار رأس الرجاء الصالح كبديل مقبول في الأزمات، والتطور المستمر في الممرات الشمالية عبر القطب، وازدياد المنافسة بين ممرات الشحن العالمية. ورغم ذلك، يتفق الخبراء على أن القناة تظل شريان ملاحي تجاري أكثر أهمية بين الشرق والغرب، ولكن قدرتها على الحفاظ على حصتها تعتمد على مزيج من الأمن والأسعار وجودة الخدمة والاستقرار الإقليمي.

في الختام، تبقى أزمة البحر الأحمر اختباراً حقيقياً لقناة السويس في تاريخها الحديث، إذ تراجعت الإيرادات بنحو 6.3 مليارات دولار خلال عام واحد، مما أثّر سلباً على الاقتصاد المصري. إلا أن عودة شركات الملاحة الكبرى، مثل ميرسك وCMA CGM الفرنسية، تشير إلى أن القناة بدأت تتجاوز أسوأ مراحل الأزمة. ومع ذلك، يبقى التعافي هشاً والعودة الكاملة مشروطة بالأمن البحري، وباستمرار سياسات الحوافز القادرة على المنافسة مع المسارات البديلة.


تم نسخ الرابط