على شفير الانهيار.. جهود إنعاش الاتفاق بين أمريكا وإندونيسيا – بقلم شاشوف

على شفير الانهيار جهود إنعاش الاتفاق بين أمريكا وإندونيسيا


تسعى الولايات المتحدة هذا الأسبوع لإنقاذ اتفاق تجاري مع إندونيسيا، الذي يعتبر جزءاً من إرث ترامب. كان الاتفاق ينص على خفض الرسوم الجمركية، لكن اتُهمت جاكرتا بالتراجع عن التزاماتها، مما أثار قلقًا في واشنطن. تحضّر الإدارة الأمريكية لمفاوضات حساسة، لكن إندونيسيا تتبنى أسلوبًا تفاوضيًا يتيح لها التأجيل. يُعتقد أن أي حكم قضائي ضد صلاحيات ترامب قد يُعطل الاتفاقات الموقعة حديثًا. في ظل تنوع الشركاء التجاريين لإندونيسيا وغياب الضغوط، يبدو أن الاتفاق يواجه صعوبات جسيمة تتطلب إعادة بناء الثقة وآليات التفاوض بشكل جذري.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تسعى واشنطن هذا الأسبوع لإنقاذ أبرز الاتفاقات التجارية التي أطلقها ترامب باعتباره ‘فتحاً اقتصادياً جديداً’ مع إندونيسيا، لكن هذا الاتفاق، الذي كان من المقرر أن يطلق مرحلة واسعة من تخفيض الرسوم الجمركية وتسهيل التبادلات التجارية، بات اليوم على حافة الانهيار، وسط اتهامات أمريكية واضحة بأن جاكرتا ‘تتراجع’ عن تعهداتها.

وفقاً لمصادر ‘شاشوف’ التي اطلعت على تقرير من صحيفة ‘فاينانشال تايمز’ البريطانية، يستعد ممثل التجارة الأمريكي جيمسون غرير لإجراء محادثات حاسمة مع الوزير الإندونيسي المنسق للشؤون الاقتصادية، إيرلانغا هارتارتو، بهدف إحياء الاتفاق الذي تم التوصل إليه في يوليو الماضي.

شمل ذلك الاتفاق تخفيضاً أمريكياً للرسوم على السلع الإندونيسية من 32% إلى 19%، في مقابل تنازلات من إندونيسيا تتعلق بإزالة الحواجز غير الجمركية أمام السلع الأمريكية، وتنظيم التجارة الرقمية، والتخلي عن بعض السياسات الصناعية التي تجعل دخول المنتجات الأمريكية إلى السوق الإندونيسية أكثر صعوبة.

لكن الأحداث اللاحقة غيرت الصورة، حيث تعتقد الإدارة الأمريكية أن إندونيسيا بدأت تتراجع عن التزاماتها، خصوصاً تلك المتعلقة بإزالة الحواجز غير الجمركية أمام السلع الصناعية والزراعية الأمريكية.

كما نشأ خلاف جديد حول بنود ترغب واشنطن في إدراجها، والتي ترى جاكرتا أنها تمثل انتهاكاً لسيادتها الاقتصادية، مما أضاف بعداً آخر من التعقيد السياسي.

ورغم طلبات التعليق، التزم البيت الأبيض ومكتب ممثل التجارة الأمريكي بالصمت، بينما رفض غرير نفسه التعليق، مما يدل على حساسية المفاوضات.

عند إعلان الاتفاق في يوليو، كانت التطورات إيجابية، حيث تم الإعلان عن شراء إندونيسيا بـ19 مليار دولار من السلع الأمريكية، إضافة إلى صفقة ملحوظة لشراء 50 طائرة بوينغ، والتزام برفع الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية، وإزالة قيود المحتوى المحلي.

ترامب حينها ذكر أنه تواصل مباشرة مع الرئيس الإندونيسي لإتمام الاتفاق، واعتُبر ذلك جزءاً من حملة ‘الاتفاقات السريعة’ التي أطلقها البيت الأبيض مع دول آسيا.

مصادر مطلعة أفادت بأن إندونيسيا أبدت ميلاً واضحاً للتأجيل، بل وتعمدت التريث في تنفيذ التزاماتها، وهو ما تشعر واشنطن أنه ‘أسلوب تفاوضي غير مقبول’.

ترامب يفتح جبهة اتفاقات آسيوية جديدة

لم يكتفِ ترامب بالاتفاق الإندونيسي، فمنذ يوليو أعلن عن سلسلة أطر تجارية مشابهة مع تايلاند وكمبوديا وفيتنام وماليزيا، ترتكز جميعها على مبدأ تخفيض الرسوم الأمريكية السريع مقابل إزالة الحواجز التي تُعتبر تقييدية أمام السلع الأمريكية.

لكن القاسم المشترك بين جميع هذه الاتفاقات هو شيء واحد: رغم سهولة توقيعها سياسياً، فإن المفاوضات الفنية لاحقاً كانت معقدة وبطيئة ومتعثرة. واعتراف جيمسون غرير أمام لجنة في الكونغرس بأن توقيع اتفاقات جديدة قد يتم خلال الأسابيع المقبلة، يترك السؤال الأكبر معلقاً: ماذا سيحدث إذا قضت المحكمة العليا بعدم قانونية السلطات الطارئة التي استخدمها ترامب لفرض الرسوم الكبيرة؟ هذا الحكم قد يصبح محدداً لمستقبل السياسة التجارية الأمريكية بالكامل.

كان تخفيض الرسوم خطوة سريعة على الصعيد السياسي، لكنه، من الناحية التفاوضية، مثل خسارة الورقة الوحيدة للضغط لدى واشنطن. وجدت إندونيسيا نفسها في موقف مريح لا يُلزمها بالاستعجال.

تُعتبر دول جنوب شرق آسيا حساسة جداً تجاه أي بنود قد تمس سيادتها، فالبنود المتعلقة بالتجارة الرقمية ونفوذ الشركات الأمريكية الضخمة تُعتبر من أكثر النقاط إثارة للجدل في المنطقة.

من الواضح أن ترامب يتبنى أسلوباً يعتمد على تخفيض الرسوم بسرعة مقابل وعود من الدول الأخرى، لكن التفاصيل الفنية لم تُبنى على أسس واضحة، مما يجعل الاتفاقات عرضة للتعثر بمجرد دخول فرق التفاوض إلى الملفات الحساسة.

تُصنّف إندونيسيا كداعم كبير في جنوب شرق آسيا، وليست مضطرة للتنازل بسهولة، فاقتصادها الذي يتجاوز ‘تريليون دولار’، وكونها أكبر دولة مسلمة من حيث العدد، يمنحها وزناً تفاوضياً كبيراً، بالإضافة إلى وجود بدائل تجارية واسعة مع الصين والاتحاد الأوروبي واليابان.

تشير التحليلات التي تابعتها ‘شاشوف’ إلى أن أي حكم ضد صلاحيات ترامب التجارية قد يؤدي إلى تجميد أو حتى إلغاء الاتفاقات الموقعة حديثاً، مما قد يدفع الدول، بما في ذلك إندونيسيا، إلى التريث قبل الالتزام بأي خطوات فعلية.

في الختام، يبدو أن الاتفاق الأمريكي–الإندونيسي يقف اليوم على حافة الانهيار، ليس فقط بسبب الفوارق الفنية، بل لأن الاستراتيجية التفاوضية الأمريكية ذاتها أوجدت بيئة ضعف لمكاسبها التجارية.

بالمقابل، تستفيد إندونيسيا من الوقت، ومن غياب الضغوط المباشرة، ومن تنوع شركائها التجاريين. يُعتقد أن الأيام المقبلة ستشكل منعطفاً حاسماً، لكن المؤشرات الحالية توضح أن الاتفاق يحتاج إلى أكثر من اتصالات دبلوماسية لإنقاذه، وإلى إعادة بناء الثقة وآليات التفاوض من الأساس.


تم نسخ الرابط