في خطوة مفاجئة، فرضت إدارة ترامب عقوبات جديدة على أكبر شركتين نفطيتين في روسيا، ‘روسنفت’ و’لوك أويل’، بعد تدهور العلاقات مع موسكو. تشمل العقوبات تجميد الأصول وحظر التعامل التجاري، مع مهلة حتى نوفمبر 2025 لتقليص المتاجرة بالنفط الروسي. من جهة أخرى، فرض الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات جديدة، بما في ذلك حظر استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول 2027. هذه التحركات زادت الضغوط على الهند والصين، مما أثار قلق الشركات في كلا البلدين. العقوبات تحول الصراع إلى حرب اقتصادية تهدف لتقليص تمويل الحرب الروسية وزيادة نفوذ واشنطن في السوق الآسيوي.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في خطوة أمريكية جديدة تستهدف موسكو وعائداتها المالية الكبيرة، فرضت إدارة دونالد ترامب إجراءات عقابية جديدة على أكبر شركتين نفطيتين في روسيا، “روسنفت” و”لوك أويل”، وذلك في تحرك مفاجئ جاء بعد أسابيع من تصريحات ودّية حول إمكانية عقد قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمناقشة إنهاء الحرب في أوكرانيا.
تشمل العقوبات تجميد الأصول، وحظر التعامل التجاري مع الشركات المستهدفة، ومنح الشركات الأجنبية مهلة حتى 21 نوفمبر 2025 لتقليص تعاملاتها مع منتجي النفط الروس، بحسب ما أفاد به مرصد “شاشوف” حول القرار الأمريكي.
من جهة أخرى، اعتمد الاتحاد الأوروبي الحزمة رقم 19 من العقوبات على روسيا، والتي تضمنت حظر استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي اعتباراً من عام 2027، بالإضافة إلى إدراج 117 سفينة من أسطول ظلال روسيا في القوائم السوداء، ضمن تنسيق ثلاثي بين لندن وواشنطن وبروكسل.
بالإضافة إلى العقوبات المباشرة، تم تحديد سقف سعر النفط الروسي عند 47 دولاراً للبرميل كما قررت مجموعة السبع، مع توسيع القيود الأوروبية على واردات الغاز حتى تصل إلى الصفر الكامل بحلول 2027.
تزامنت هذه العقوبات مع الضغوط الغربية على كبار مستوردي النفط الروسي، الهند والصين، مما أثار قلق الشركات في كلا البلدين، فضلاً عن الغضب الروسي والتحذيرات القوية من موسكو.
فاجأ القرار الأمريكي الأسواق العالمية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 5% بحسب تتبُّع “شاشوف” للبيانات. كما عاود الذهب الارتفاع بنسبة 0.5% ليصل إلى أكثر من 4,114 دولاراً للأونصة، بعد فترة قصيرة من انخفاضه بسبب قوة الدولار الأمريكي.
وفي سياق التطورات، ارتفعت علاوة السعر الفوري لخام دبي، المرجعي للنفط الخام في الشرق الأوسط، إلى نحو 2.70 دولار للبرميل، أي أكثر من ضعف سعره السابق الذي كان 1.26 دولار في الجلسة السابقة.
تحول مفاجئ في الموقف الأمريكي
في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، أعلن ترامب عن إلغاء القمة المقررة مع “بوتين” في العاصمة المجرية “بودابست”، مشيراً إلى أنه لم يشعر بأن “اللقاء سيحقق النتيجة المرجوة”.
جاء القرار بعد تصاعد القتال في أوكرانيا ورفض روسيا عروض وقف إطلاق النار، إذ تصر موسكو على أن أي هدنة ستكون مجرد “استراحة تكتيكية” تمنح كييف الوقت لإعادة التسلح.
وزير الخزانة الأمريكي “سكوت بيسنت” أفاد بأن العقوبات الجديدة تستهدف “قدرة روسيا على تمويل أكبر حرب برية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية”، متوعداً بمزيد من الإجراءات إذا لم يُنهِ بوتين الحرب.
وفي المقابل، وصفت موسكو العقوبات بأنها “غير مثمرة” و”ذات طابعٍ عكسي”، مؤكدة أنها طوّرت “حصانة قوية” ضد مثل هذه القيود بعد ثلاث سنوات من المواجهة الاقتصادية مع الغرب. وصرّحت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بأن هذه الخطوات “لن تغيّر موقف روسيا من أوكرانيا”.
كما حذرت الخارجية الروسية من أن أي محاولة لمصادرة الأصول الروسية المحتفظ بها في حسابات “يوروكلير” ستؤدي إلى “رد مؤلم”، مشددة على أن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى السلطة القانونية لمصادرة الأصول الروسية، واصفةً مثل هذا الإجراء المحتمل بأنه “سرقة”، وقد جاءت هذه التصريحات أثناء مناقشة الاتحاد الأوروبي “المصادرة المباشرة” لأموال موسكو.
في الوقت نفسه، ألغت شركة “لوك أويل” اجتماعاً لمجلس إدارتها لمناقشة توزيعات الأرباح، مشيرةً إلى أن “الظروف الجديدة” لا تسمح بعقده.
في السياق نفسه، حذّرت مؤسسة “روساتوم” الروسية للطاقة الذرية من أن العقوبات الأمريكية الجديدة ضد روسيا قد تحرم أمريكا من اليورانيوم الروسي المخصب، مشيرةً إلى أن أي توتر في العلاقات مع الولايات المتحدة سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تأثيرات سلبية على الإمدادات الروسية إليها.
شركات الهند والصين تقلص شراء النفط الروسي
الهند، التي أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الروسي المنقول بحراً منذ 2022، تواجه ضغوطاً غير مسبوقة من واشنطن. وفقاً لاطلاع “شاشوف” على ما نشرته وكالة رويترز، فإن شركات التكرير الهندية، وفي مقدمتها شركة “ريلاينس للصناعات”، تستعد لخفض وارداتها النفطية الروسية بشكل كبير، امتثالاً للعقوبات الأمريكية الجديدة.
تسعى الهند في الوقت نفسه إلى تسوية خلاف تجاري مع الولايات المتحدة، بعد فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على صادراتها، نصفها تقريباً بسبب مشتريات النفط الروسي.
التقارير التي راجعها “شاشوف” تشير إلى أن نيودلهي تتفاوض على صفقة تجارية قد تخفف هذه الرسوم مقابل تقليص واردات الخام الروسي. كما بدأت شركات التكرير الحكومية الهندية مثل “بهارات بتروليوم” و”هندوستان بتروليوم” مراجعة عقودها لضمان عدم التعامل بشكل مباشر مع “روسنفت” أو “لوك أويل”، فيما أكدت مصادر في قطاع التكرير أن الامتثال الكامل “يتوقف على البنوك” القادرة على تسوية المدفوعات دون خرق العقوبات الأمريكية.
وعلى الجانب الآخر، علّقت شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى، بما فيها “سينوبك” و”بتروتشاينا” و”CNOOC”، مشتريات النفط الروسي المنقول بحراً، تجنباً للعقوبات الأمريكية الثانوية.
تستورد الصين حوالي 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الروسي عبر البحر، معظمها من خلال شركات تكرير مستقلة تُعرف باسم “أباريق الشاي”. وكانت الشركات الحكومية تشتري كميات محدودة لا تتجاوز 500 ألف برميل يومياً وفق تقديرات “شاشوف” من شركة تحليلات أسواق الطاقة “Energy Aspects”. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تراجع حاد في الطلب من أكبر عميلين لموسكو، الصين والهند، ما سيضغط بشكل كبير على إيرادات روسيا النفطية التي تشكل ربع ميزانية الدولة.
يتوقع المراقبون أن تلجأ بكين ونيودلهي إلى تنويع مصادر الإمداد والتوجه نحو الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما سيرفع أسعار النفط غير الخاضع للعقوبات عالمياً.
رغم أن إيرادات النفط والغاز الروسية تراجعت بنسبة 21% على أساس سنوي، إلا أن معظم دخل موسكو يأتي من الضرائب المفروضة على الإنتاج المحلي، مما قد يُخفّف جزئياً من أثر العقوبات في الأمد القريب.
لكن على المدى المتوسط، فإن تقليص المشترين الكبار سيجبر روسيا على تقديم خصومات أكبر وتوسيع تعاملاتها عبر وسطاء وسفن “أسطول الظل” لتجاوز القيود، ما قد يعيد رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية.
يشير التصعيد الأمريكي إلى تحول في نهج إدارة ترامب، بعد أن اتبعت هذه الإدارة خطاباً أكثر تصالحية مع موسكو لعدة أشهر، حتى عادت البيت الأبيض إلى سياسة الضغط الأقصى في وقت تقوم فيه روسيا بمناورات نووية استعراضية لتأكيد موقعها العسكري والسياسي.
حول عملاقَي النفط الروسي
تمثل الشركتان الروسيتان معاً نحو نصف إنتاج روسيا من النفط.
شركة “روسنفت” بلغ إنتاجها حوالي 3.7 مليون برميل يومياً من النفط ومكثفات الغاز عام 2024، ما يعادل 3.3% من الإنتاج العالمي، وحققت 1.08 تريليون روبل (13.28 مليار دولار).
أما عن أحجام التكرير لشركة روسنفت في روسيا، فكانت 82.6 مليون طن عام 2024. وفي عام 2024، وقّعت الشركة صفقة لمدة 10 سنوات مع شركة التكرير الهندية ريلاينس التي تدير أحد أكبر مجمعات التكرير في العالم لتوريد نحو 500 ألف برميل يومياً من النفط الخام، حسب متابعة “شاشوف”.
تمتلك روسنفت حصة 49% في شركة التكرير الهندية نايارا، التي تعتمد على مصفاة فادينار التابعة لها، والتي تنتج 400 ألف برميل يومياً، حصراً على النفط الروسي. والجدير بالذكر أن الشركة تخضع لعقوبات من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، مما أضطرها إلى تقليص معدلات تشغيلها.
أما شركة “لوك أويل”، فهي ثاني أكبر منتج للنفط في روسيا وتمثل نحو 2% من الإنتاج العالمي. بلغ إنتاجها في روسيا العام الماضي نحو 1.61 مليون برميل يومياً من النفط ومكثفات الغاز، وحققت أرباحاً بقيمة 848.5 مليار روبل (10.4 مليارات دولار).
وتركز بها إجمالي كمية التكرير على 54.3 مليون طن، كما تمتلك الشركة حصة 75% في حقل غرب القرنة 2 النفطي في العراق، وهو من أكبر الحقول النفطية في العالم.
تمد لوك أويل النفط للمجر وسلوفاكيا ومصفاة ستار التركية المملوكة لشركة سوكار الأذربيجانية التي تعتمد بشكل كبير على الخام الروسي. كما تمتلك مصفاة في بلغاريا تنتج 190 ألف برميل يومياً، وهي أكبر مصفاة في منطقة البلقان، بالإضافة إلى مصفاة بتروتل للنفط في رومانيا.
تمتلك لوك أويل أيضاً حصصاً في محطات نفط وسلاسل لبيع الوقود بالتجزئة في أوروبا، ولديها مشاريع متنوعة في عمليات التنقيب والإنتاج والتكرير والتوزيع في آسيا الوسطى وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
فصل جديد في حرب الطاقة
تعتبر العقوبات الجديدة لحظة فاصلة في الحرب الاقتصادية بين واشنطن وحلفائها من جهة، وروسيا، صاحبة رابع أكبر اقتصاد في العالم في 2024، من جهة أخرى. وهي لحظة تاريخية ليس فقط لأن العقوبات تستهدف شريان الاقتصاد الروسي، بل لأنها تضرب في عمق شبكة العلاقات التي بنتها موسكو في آسيا منذ 2022.
بينما تحاول روسيا إظهار مناعة اقتصادية كبيرة ضد العقوبات، فإن فقدان الدعم الهندي والصيني وإن كان جزئياً يعني زيادة العزلة الدولية على موسكو في سوق الطاقة العالمي. من جانبها، تعتبر واشنطن هذه الخطوة ورقة ضغط مزدوجة، لإضعاف التمويل الروسي ولتعزيز نفوذها التجاري في آسيا أيضاً، ضمن صراع يبدو أنه تجاوز حدود أوكرانيا إلى إعادة تشكيل النظام الطاقوي العالمي برمته.
تم نسخ الرابط
