الاقتصاد العالمي يشهد تغييرات ملحوظة بفعل السياسات التجارية الصدامية التي انتهجها ترامب، مما دفع العديد من الدول، بما فيها الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، نحو تعزيز العلاقات مع الصين. وبرزت بكين كمركز دبلوماسي رئيسي، حيث زار قادة كوريون وكنديون ورجال أعمال بريطانيون وصدر عنهم رغبات لتعميق التعاون. تسهم المعادن النادرة في تقوية هذا التقارب، مع محاولات للحد من الاعتماد المفرط على الصين. التحول في القيادات السياسية يدعم هذه الديناميكية، والنتيجة لصالح الصين التي تستفيد من الوضع العالمي لترسيخ مكانتها الاقتصادية وتحقيق نمو جديد.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يتضح أن الديناميات الاقتصادية العالمية تشهد تحولات سريعة، إذ يتم إعادة بناء النظام الدولي تحت تأثير السياسات المتضاربة التي اتبعها ترامب، خاصة في مجالات التجارة والاقتصاد. هذا الأمر دفع عواصم بارزة في الغرب وآسيا إلى إعادة التواصل مع ‘الصين’، مدفوعةً بمصالح اقتصادية تتقدم على العوامل الأيديولوجية.
خلال الأشهر الأخيرة، أصبحت بكين نقطة التقاء رئيسية لقادة دول تقليدية الحليف للولايات المتحدة، وفقاً لمتابعات شاشوف. وقد بدأت هذه التطورات بزيارة رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، وهي الأولى منذ عام 2019، مما يعكس رغبة سيول في تحسين علاقاتها مع ثاني أكبر اقتصاد عالمي.
بعد أيام قليلة، وصل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى بكين، مما أنهى فترة من الانقطاع الدبلوماسي بين القادة استمرت نحو 10 سنوات.
تقول وكالة بلومبيرغ إن هذا الزخم لم يقتصر على شرق آسيا وأمريكا الشمالية، إذ يُتوقع أن يسافر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين قريباً، في أول زيارة من نوعها منذ عام 2018، بهدف دعم الشركات البريطانية وإنعاش الاقتصاد الذي يعاني من ضعف النمو. كما يُتوقع أن يقوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس بزيارة مماثلة الشهر المقبل، كجزء من جهود أوروبية أوسع لإعادة ضبط العلاقات مع الصين.
هدنة أمريكية صينية تفتح الأبواب
جاء هذا النشاط الدبلوماسي بعد أشهر من إبرام هدنة جمركية بين واشنطن وبكين، مما خفف من حدة الصراع بين أكبر اقتصادين في العالم.
من المقرر أن يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ بنظيره الأمريكي عدة مرات خلال هذا العام، مع قمة متوقعة قد تجعل ترامب خامس زعيم من مجموعة السبع يزور الصين في فترة قصيرة، ما لم تحول التهديدات الجمركية الأخيرة دون هذا الانفراج.
يرى المحللون أن أسلوب ترامب في إدارة العلاقات الدولية خلق حالة من القلق لدى حلفاء الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الخوف من التهميش في ظل التفاهمات الأمريكية – الصينية يدفع العديد من الدول إلى فتح قنوات مباشرة مع بكين. ويُعتبر هذا المناخ سباقاً لتفادي فقدان الفرص الاقتصادية والسياسية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية أكبر.
في هذا السياق، اتخذت إدارة ترامب خطوات تعكس مرونة معينة تجاه الصين، بما في ذلك السماح لشركة ‘إنفيديا’ ببيع رقائق إلكترونية متقدمة لبكين، مع المحافظة على القيود المفروضة على الشرائح الأكثر تطوراً. وهذا يعد تحولاً مقارنة بنهج إدارة بايدن التي سعت إلى حرمان الصين من أشباه الموصلات المتقدمة، كونها مكونات حساسة للأغراض العسكرية.
من جهة أخرى، يستغل شي جين بينغ هذه المرحلة لتعزيز مكانة بلاده، من خلال الاستفادة من الفجوات داخل الغرب. وقد ظهر ذلك في تعامله مع اليابان، حيث قام بعزل رئيسة وزرائها ساناي تاكايشي بسبب تصريحاتها حول تايوان، تزامناً مع فرض بكين قيوداً تجارية على طوكيو خلال زيارة الرئيس الكوري الجنوبي، في رسالة سياسية محسوبة.
المعادن النادرة: الورقة الأهم
لا يقتصر التقارب الدولي مع الصين على تخفيف التوترات التجارية، بل يتعلق أيضاً بملف المعادن الأرضية النادرة، التي تهيمن بكين على نسبة كبيرة من إنتاجها العالمي. حينما توصل ترامب وشي إلى اتفاق تجاري في أكتوبر 2025، وافقت الصين على تعليق مؤقت لقيود تصدير بعض هذه المعادن الحيوية، وهو ما اعتبرته العواصم الغربية فرصة يجب استغلالها.
عبر مسؤولون أوروبيون عن تفاؤل حذر حيال استعداد الصين للتعاون بشكل بناء في هذا الملف، بينما كثّفت دول مجموعة السبع اجتماعاتها لمناقشة سبل تقليل هشاشة سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد المفرط على الصين، دون اللجوء إلى قطيعة شاملة.
تُعتبر تجربة أستراليا مثالاً مبكراً على هذا الاتجاه البراغماتي، حسبما أفادت به بلومبيرغ. خلال ولايته الأولى، أعاد رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي ترتيب أولويات بلاده، مفضلاً إصلاح العلاقات التجارية مع بكين على تصعيد الخلافات الأمنية، وساعدت زياراته المتكررة إلى الصين في إنهاء فترة من التوتر بعد فرض بكين إجراءات عقابية على الصادرات الأسترالية.
أما في أوروبا، فقد تجلى التحول في إعلان الاتحاد الأوروبي دراسة بدائل للرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية، من خلال آلية تسعير دنيا قد تنهي النزاع التجاري الذي ردّت عليه بكين باستهداف عدة منتجات أوروبية.
وفي هذا السياق، تأمل الصين في دفع كندا إلى تخفيف الرسوم المرتفعة على سياراتها الكهربائية، مقابل تقديم تنازلات بشأن الواردات الزراعية الكندية.
ساهم تبدل القيادات السياسية في عدد من الدول في تسريع هذا التقارب، ففي كندا، تولى مارك كارني الحكم بدلاً من جاستن ترودو، الذي شهدت فترة حكمه توتراً حاداً مع الصين.
وفي بريطانيا، أنهى وصول حزب العمال إلى الحكم مرحلة من الخطاب المتشدد تجاه الصين، بينما تبنّت القيادة الجديدة في كوريا الجنوبية نهجاً أقل صدامية شمل السعي لرفع القيود غير الرسمية على موسيقى ‘كي-بوب’ الكورية.
الصين الرابح الأكبر؟
مع تقليص شي جين بينغ لزياراته الخارجية، أصبحت بكين ساحة الدبلوماسية الأساسية، حيث يتدفق القادة الأجانب لإعادة بناء العلاقات.
يُعتقد حالياً، وفقاً لمتابعات شاشوف، أن السلوك الأمريكي المتقلب وغير المتوقع يدفع العديدين إلى تبني مقاربة تهدف إلى الحفاظ على علاقات ‘مقبولة على الأقل’ مع الصين، بصفتها لاعباً لا يمكن تجاهله في الاقتصاد العالمي.
بالنسبة للصين، التي تبحث عن محركات جديدة للنمو في ظل تحديات داخلية، يُعتبر هذا المناخ الدولي مكسباً استراتيجياً. بينما ينشغل خصومها في إدارة تداعيات سياساتهم، تبدو بكين في وضع المراقب الذي يستثمر الفرص بهدوء.
تم نسخ الرابط
