تشهد العلاقات الأمريكية مع حلفائها الخليجيين تسارعا في بيع تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تستثمر السعودية والإمارات مبالغ ضخمة لتطوير اقتصادات رقمية مستقلة. لكن هذه الاستثمارات تواجه تحذيرات من احتمال تضخم ‘فقاعة الذكاء الاصطناعي’، مما قد يؤدي إلى استثمارات غير منتجة. تأتي الموافقات الأمريكية على بيع الرقائق في إطار استراتيجية لجذب التمويل الخليجي، لكن هناك مخاوف من أن الطفرة الحالية لا تحقق العوائد المتوقعة. هذا التوجه يعكس رغبة خليجية قوية في تطوير التكنولوجيا، ولكن مع مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى أزمات اقتصادية إذا حدث تراجع في الطلب العالمي.
تقارير | شاشوف
تسارعت الجهود الأمريكية لتسهيل بيع تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لحلفائها الخليجيين، بينما تستثمر السعودية والإمارات مبالغ ضخمة في هذا المجال أملاً في بناء اقتصادات رقمية مستقلة.
لكن هذه الحركة تأتي وسط تحذيرات دولية متزايدة من تضخم “فقاعة الذكاء الاصطناعي”، ووجود مخاوف من أن جزءاً كبيراً من هذه الاستثمارات قد يتحول إلى التزامات غير مثمرة، خاصة مع التركيز الأمريكي على تسويق هذا القطاع كفرصة رائعة بينما تعتبره مؤسسات اقتصادية كبرى “استثماراً مرتفع التكلفة ومنخفض العائد على المدى القريب”، حسب متابعة شاشوف.
زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى واشنطن مهدت الطريق لقرارات أمريكية سريعة، أبرزها الموافقة على بيع 70 ألف شريحة متقدمة من إنتاج “إنفيديا” لكلاً من شركة هيوماين السعودية و”G42” الإماراتية، مما يعكس الأطماع الأمريكية في جذب التمويل الخليجي واستثماره في قطاع عالي التكلفة.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الموافقة جاءت بعد ساعات قليلة من توقيع مذكرة تفاهم “محورية” بين الرياض وواشنطن، مما يبرز رغبة واشنطن في تعزيز نفوذها في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية.
ومع ذلك، تحدث هذه التطورات في ظل بيئة دولية مشحونة بالمخاوف؛ حيث تشير منظمة التعاون الاقتصادي وصناديق إدارة الأصول الكبرى وتقارير بلومبيرغ الأخيرة إلى أن الطفرة الحالية تتجاوز قدرة الأسواق على تحقيق العائد، مما ينذر بتحول جزء من هذه الاستثمارات إلى “أصول مرتفعة القيمة ومنخفضة الجدوى”.
في ظل هذه التقلبات، تجد السعودية والإمارات نفسيهما في قلب سباق عالمي محموم، مدفوعاً بالرغبة في امتلاك أدوات المستقبل، ولكن محاطاً أيضاً بغيوم من الشك حول ما إذا كانت هذه القفزة التقنية ستؤدي إلى فائدة مستدامة أم إلى تكاليف باهظة تُخفى خلف بريق الشرائح المتقدمة.
الأطماع الأمريكية تتوسع… والرقائق تتحول إلى بوابة لتمويل السوق التكنولوجية
لم تُخف الولايات المتحدة رغبتها في استقطاب الإنفاق الخليجي، إذ إن بيع 70 ألف شريحة “بلاكويل” ليس مجرد صفقة تجارية، بل خطوة تستهدف جذب رؤوس الأموال السعودية والإماراتية لتخفيف الأعباء الكبيرة على الشركات الأمريكية في تشغيل بنية الذكاء الاصطناعي.
تجسدت تصريحات ستيفن شوارزمان، رئيس “بلاكستون”، خلال المنتدى الأمريكي–السعودي، في هذا السياق، حيث وصف وصول السعودية إلى الشرائح المتقدمة بأنه “فرصة استثنائية للنمو”. لكن هذه اللغة تخفي واقعاً واضحاً: تحتاج الشركات الأمريكية إلى عملاء بمليارات الدولارات لتغطية ارتفاع تكاليف البحث والبنية التحتية والطاقة ومعالجة البيانات.
مع توقيع مذكرة التفاهم بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدا واضحاً، حسب اطلاع شاشوف، أن واشنطن تهدف إلى ربط الاقتصاد السعودي بالبنية الحوسبية الأمريكية لسنوات قادمة، مما يضمن استمرار تدفق الأموال نحو الشركات الأمريكية التي تبحث عن سيولة لتغذية سباق الذكاء الاصطناعي.
وفي ظل تحذيرات الخبراء من نمو التقييمات، جاءت الموافقة على تزويد شركتي “هيوماين” و”G42” بـ35 ألف رقاقة لكل منهما، لتضيف طبقة جديدة من الإنفاق الخليجي الضخم الذي قد لا يحقق عائده الاقتصادي بسرعة، في ظل تزايد التحذيرات حول “فقاعة وشيكة” في هذا القطاع المرتكز على وعود أكثر من الاعتماد على نتائج ملموسة حتى الآن.
شراكات بالمليارات… وسوق عالمية تتضخم أسرع من قدرتها على الإنتاج
أعلنت السعودية سابقاً أن استهلاكها من الشرائح سيتجاوز 50 مليار دولار في المستقبل القريب، بينما أطلقت “هيوماين” مشروعاً بقيمة 3 مليارات دولار لتطوير مراكز بيانات بالتعاون مع “بلاكستون”، حسب قراءة شاشوف. تأتي هذه الأرقام الهائلة في وقت تؤكد فيه التقارير الاقتصادية أن تكلفة بناء مراكز البيانات تتضاعف سنوياً مع ارتفاع أسعار الطاقة والمواد والمعدات، مما يقلل من جاذبية العائد الاستثماري.
وفقاً لتقارير بلومبيرغ، فإن الشركات العالمية تواجه فجوة بين الإنفاق وسرعة تحقيق العوائد، خاصةً بعدما وصل عدد طلبات شراء شرائح “بلاكويل” إلى 3.6 مليون وحدة لدى أربع من أكبر شركات الحوسبة السحابية.
في المقابل، تواصل “هيوماين” خطواتها نحو تشغيل مراكز بيانات في الرياض والدمام بقدرة 100 ميغاواط لكل مركز، مع توقيع سلسلة من الشراكات مع “غروك” و“أدفانسد مايكرو ديفايسز”. بينما تعزز الإمارات موقعها من خلال توسع “G42” وإعلانها استثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل.
تعكس هذه الشراكات الضخمة حجم الطموح الخليجي، لكنها تكشف أيضاً عمق الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، والذي يترافق مع زيادة المخاطر إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي العالمية، والتي بدأت تلوح ملامحها منذ منتصف 2024 وفق تقديرات بنوك استثمار دولية.
يدل دخول السعودية والإمارات بقوة في سوق الشرائح على رغبة واضحة في بناء اقتصاد معرفي مستقل، لكن البيانات العالمية تشير إلى أن القطاع يمر بمرحلة من “التقييمات الزائفة” المعتمدة على المنافسة السياسية أكثر من اعتمادها على القيمة الاقتصادية الحقيقية. فالرقاقة التي تباع، حسب تتبُّع شاشوف، بـ40 ألف دولار اليوم قد يفقد سعرها نصف قيمتها في أقل من عام إذا ظهر جيل جديد أو تغيرت دورة الطلب العالمية.
ورغم استفادة واشنطن من هذه الموجة عبر تعزيز صادراتها من التقنيات المتقدمة واستقطاب استثمارات ضخمة، فإن الدول الخليجية تتحمل الجانب الأكبر من المخاطر، خاصةً أن بناء مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية يعتمد على تدفق مالي مستمر وليس على دفعات محدودة.
بين الطموح الخليجي والضغوط الأمريكية… من يدفع الثمن؟
مع مرور الوقت، يبدو أن سوق الذكاء الاصطناعي العالمية تتجه نحو نقطة اختبار قريبة: هل ستتحول هذه الاستثمارات الهائلة إلى إنتاجية ونمو؟ أم أننا نمهد لانفجار فقاعة سيشارك فيها العالم بأسره؟
تبدو السعودية والإمارات اليوم في قلب السباق العالمي للذكاء الاصطناعي، ولكنهما أيضاً مركز المخاطرة. فبينما تستفيد واشنطن من تدفق المليارات الخليجية لتعزيز شركاتها، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الشرائح وهذه الصفقات إلى قيمة اقتصادية حقيقية؟
تشير التحذيرات الأخيرة من المؤسسات الدولية إلى فجوة كبيرة بين حجم الإنفاق الحالي وفرص العائد، خاصةً مع تضخم القطاع فوق قدرته الحقيقية على الإنتاج. وفي حال تباطأ الطلب العالمي أو تراجعت التقييمات، فإن الدول الأكثر إنفاقاً -وفي مقدمتها السعودية والإمارات- ستكون الأكثر تعرضاً للصدمات.
تم نسخ الرابط
