شهدت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تزايداً ملحوظاً خلال العامين الماضيين، مما أثار تساؤلات حول قدرتها على تقديم عوائد تتناسب مع الحجم المالي الضخم المخصص لها. تشير الدراسات إلى أن أكثر من 95% من الشركات التي اعتمدت تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تحقق زيادة ملحوظة في الإنتاجية أو الأرباح. يُحذر الاقتصاديون مثل دارون عجم من أن هذه الاستثمارات قد تكون مبالغًا فيها وقد تتحول إلى فقاعة مماثلة لتلك التي شهدها قطاع الإنترنت. التحذيرات المالية تتزايد في ظل غياب ضمانات طلب مستقبلية، مما يبرز الفجوة بين الإنفاق والعوائد المحتملة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي موضوعًا رئيسيًا في الثورة التكنولوجية التي تراهن عليها الشركات والحكومات والمستثمرون، باعتباره القوة التي ستحول الاقتصاد العالمي.
لكن هذا الزخم السريع، الذي يتخذ طابع الهوس، يصاحبه سؤال جوهري بدأ يتردد في النقاش الاقتصادي: هل يمكن لتلك الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي أن تؤدي إلى عوائد مكافئة، أم أننا أمام فقاعة مشابهة لتلك التي ظهرت في عصر الإنترنت في التسعينات؟.
لم يعد هذا السؤال مجرد فكرة ثانوية، بل أصبح أحد الأبعاد الرئيسية للقلق في أسواق المال العالمية، خاصة في ضوء تراجع المؤشرات على وجود عوائد حقيقية حتى الآن.
تشير البيانات الحالية التي تتابعها شاشوف إلى أن الشركات الكبرى – بما في ذلك مايكروسوفت، ‘ميتا’، ‘آبل’، ‘غوغل’ (ألفابت)، وعملاق الرقائق ‘إنفيديا’ – تضخ استثمارات ضخمة غير مسبوقة في إنشاء مراكز البيانات، شبكات الحوسبة، وحدات الرسوميات، والنماذج اللغوية الكبيرة.
لكن على الجانب الآخر، تُظهر دراسات أكاديمية وتقارير اقتصادية أن أكثر من 95% من الشركات التي اعتمدت على حلول الذكاء الاصطناعي لم تُسجل أي مكاسب إنتاجية أو مالية تُذكر حتى الآن، وأن ما يحدث هو سباق إنفاق ضخم مرتبط بالمخاوف من ‘التخلف’ عن المنافسين أكثر من كونه مدفوعًا بعوائد حقيقية.
في هذا السياق، تزداد تحذيرات المؤسسات المالية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي، وأيضًا من علماء الاقتصاد البارزين، مثل دارون عجم من ‘معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا’، إذ تحذر من أن الاستثمارات الحالية قد تكون أعلى من اللازم، وأن العوائد المنشودة – إذا ظهرت – قد تستغرق سنوات طويلة، أو قد لا تتحقق على نطاق واسع.
ليست هذه التحذيرات مجرد نظريات أكاديمية، بل تأتي بالتزامن مع خطوات فعلية قامت بها الشركات الكبرى، مثل ‘مايكروسوفت’ التي أوقفت أو أعادت تقييم مشاريع لمراكز بيانات بقيمة تزيد عن مليار دولار. ومع تنامي التوقعات بأن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز ثلاثة تريليونات دولار في العقد المقبل، تتزايد الفجوة بين المراجعات الواقعية وما يتم إنفاقه.
بينما تصور روايات التسويق ثورة غير مسبوقة ستغير كل شيء، تشير الحسابات الاقتصادية الأكثر دقة إلى أن هذه الطفرة يمكن أن تكون مجرد ‘فقاعة استثمارية’ جديدة، تشبه تلك التي أصابت الإنترنت قبل ثلاثة عقود. وفي هذا السياق، تأتي قراءة هذا التقرير الذي يسعى لتحليل الصورة المعقدة: استثمارات ضخمة، وعائدات غائبة.
عوائد شبه معدومة… والفجوة تتسع
رغم أن الذكاء الاصطناعي أصبح كلمة السر في عالم التكنولوجيا، فإن معظم الشركات التي تبنّت تطبيقاته لم تحقق عائدًا ماليًا أو إنتاجيًا حقيقيًا. وتشير دراسة موسعة من ‘معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا’ إلى أن أكثر من 95% من الشركات التي أنفقت على أنظمة الذكاء الاصطناعي لم ترَ أي تحسن في أرباحها أو إنتاجيتها.
أصبح هذا الرقم الصادم مرجعًا في تقارير الوسائل الإعلامية الاقتصادية، وأعاد الحديث عنه مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، الذي أشار إلى أن ‘أغلب الشركات تتجه نحو استثمارات قد لا تنجم عنها أي نتائج’.
هذه الفجوة ليست مقتصرة على الشركات الصغيرة أو المتوسطة، بل تتجلى أيضًا لدى المؤسسات الكبرى التي دخلت في سباق الذكاء الاصطناعي دون استراتيجية واضحة للعائد المتوقع. تشير العديد من التقارير الاقتصادية إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي في الشركات لا يعني بالضرورة زيادة في الإنتاجية، حيث أن العديد من التطبيقات التي يتم اعتمادها تحت شعار ‘الأتمتة’ لا تعزز جودة العمل بل قد تُنقصها، بسبب أخطاء النماذج أو عدم توافقها مع المهام المحددة.
تكمن المشكلة الرئيسية في أن سوق الذكاء الاصطناعي لا يزال مبنيًا على التجربة والاختبار أكثر من كونه يعتمد على نتائج مثبتة. الإنفاق على البنية التحتية – من إنشاء مراكز بيانات ضخمة إلى شراء رقاقات متقدمة من ‘إنفيديا’ – لم يُترجم حتى الآن إلى منتجات مربحة أو إلى أسواق حقيقية يمكن الاعتماد عليها. فمعظم الشركات تقوم بتجريب وتخزين البيانات واختبار نماذج اللغة الكبيرة، بينما يبقى سؤال العائد المالي الحقيقي معلقًا.
تشير العديد من التقارير المالية إلى أن حالة ‘التهيّج الاستثماري’ التي يعيشها القطاع تشبه إلى حد كبير موجة الإنترنت قبل عشرين عامًا، حينما انطلقت الشركات للاحتفاظ بحصة مبكرة من السوق، ليظهر لاحقًا أن معظم تلك الشركات لم تمتلك نموذجًا ربحياً فعليًا.
الفرق اليوم أن تكلفة الرهان أعلى بكثير، وأن مستوى الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يتجاوز حدودًا لم تسجل في أي موجة تكنولوجية سابقة.
تحذيرات عالمية من فقاعة استثمارية
بدأت أصوات المؤسسات المالية الكبرى ترتفع بشكل واضح، محذّرة من أن ما يحدث ليس سباقًا تقنيًا طبيعيًا، بل موجة مضاربة مُكبّرة. صندوق النقد الدولي حذّر عبر كبير اقتصادييه، بيار-أوليفييه غورينشاس، من أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ‘قد تتحول إلى فقاعة حقيقية’، مؤكدًا أن الإنفاق اليوم يتجاوز بكثير ما يمكن تبريره بالعوائد المتوقعة، وأن التشابه مع فقاعة الدوت كوم بات مقلقًا.
بالمثل، حذّر رئيس مجموعة ‘علي بابا’، جو تساي، من ‘فقاعة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي’، مشيرًا إلى أن الشركات التكنولوجية العملاقة تنفق حوالي 320 مليار دولار في سنة واحدة فقط على توسيع بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يُجرى هذا الإنفاق – كما يقول – في غياب عقود حقيقية أو طلب فعلي يُبرر هذه القفزة، مما قد يخلف الشركات أمام طاقة حاسوبية تفوق احتياجات السوق الفعلية.
حتى الشركات التي كانت تُعتبر لاعبًا رئيسيًا في السباق بدأت تتراجع، مثل ‘مايكروسوفت’ التي أعلنت عن إيقاف مشروع لمركز بيانات بقيمة مليار دولار وإعادة تقييم جدوى مشاريع مشابهة. يأتي هذا التراجع في وقت حساس، حيث كانت الشركة تُعتبر المحرك الأساسي للاستثمار في نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة بالشراكة مع ‘أوبن إيه آي’.
ولا تقتصر التحذيرات على النخب الاقتصادية أو التكنولوجية؛ فالأسواق نفسها بدأت تُظهر علامات القلق المتزايد. موجات البيع المكثف للأسهم التقنية في الأسابيع الماضية تعكس احتمال تغير المزاج العام للمستثمرين، الذين بدأوا يشكّكون في مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق العوائد الموعودة. ولا تأتي هذه التحولات صدفة، بل هي نتيجة قناعة متزايدة بأن القطاع يُموَّل بطريقة تتجاوز ما يمكن أن يقدمه اقتصاديًا على المدى القريب والمتوسط.
الحسابات الحقيقية… أرقام العائد المطلوب تبدو غير واقعية
تظهر الحسابات المالية التي صدرت عن البنوك الاستثمارية أن الحد الأدنى من العائد المطلوب من الذكاء الاصطناعي يبدو بعيدا عن قدرة السوق. تقرير لبنك ‘جي بي مورغان’ يُسجل أن القطاع يحتاج إلى تحقيق إيرادات سنوية تبلغ 650 مليار دولار في السنوات القادمة حتى يتمكن المستثمرون من استرداد تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بعائد قريب من 10%. الرقم يبرز حجم الفجوة الحقيقية بين الطموح والواقع، حيث إن الإيرادات الحالية ليست سوى جزء بسيط من هذا المستوى.
لتبسيط الفكرة للجمهور، يوضح التقرير أنه نظريًا، يجب على كل مستخدم ‘آيفون’ على مستوى العالم أن يدفع شهريًا نحو 35 دولارًا إضافيًا مقابل خدمات الذكاء الاصطناعي، أو أن يدفع كل مشترك في ‘نتفليكس’ مبلغًا سنويًا يزيد عن 180 دولارًا فوق الاشتراك الأساسي، وهذا النوع من التحليل يبرز أن التوقعات الحالية قائمة على افتراضات بعيدة جدًا عن القابلية التجارية الواقعية.
تشير تقارير أخرى إلى أن القيمة السوقية للشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي – والتي تجاوزت في بعضها حاجز الخمسة تريليونات دولار كما هو الحال مع ‘إنفيديا’ – تستند إلى توقعات لم تُختبر بعد، بدلاً من تحقيق أرباح فعلية.
هذا النوع من التقييمات يعكس حالة ‘إيمان استثماري’ أكثر مما يعكس عائدًا حقيقيًا، وبالتالي، يُطرح السؤال: هل يمكن لنموذج لم يُثبت جدواه اقتصاديًا أن يبرر تقييمات بهذا الحجم؟.
أما على صعيد مراكز البيانات، فتتوقع تقارير عالمية أن يصل الإنفاق عليها إلى 3 تريليونات دولار في العقد المقبل، وفق ما يبدو من متابعة شاشوف. ومع أن هذا الرقم يُصوّر على أنه ‘استثمار في المستقبل’، فإن معظم الخبراء يرون أن الطلب الفعلي على هذه البنية التحتية ليس واضحًا بما فيه الكفاية، وأن الفجوة بين العرض والطلب قد تجعل جزءًا كبيرًا من هذه الأموال غير قابلة للاسترداد.
الإنتاجية… الحلقة المفقودة التي قد تقلب المشهد
تُعتبر الإنتاجية العامل الحاسم في تقييم جدوى أي ثورة تكنولوجية. غير أن الدراسات الاقتصادية الحديثة تفيد بأن الذكاء الاصطناعي لم يُظهر حتى الآن أي أثر واضح في رفع الإنتاجية على مستوى الاقتصاد الكلي.
هذا ما يؤكد عليه الاقتصادي المعروف دارون عجم أوغلو، الذي يشير إلى أن العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي تندرج تحت ما يُسميه ‘الأتمتة متوسطة القيمة’، أي إنها تستبدل الموظفين دون أن تؤدي إلى زيادة الإنتاجية، مما يخلق تكاليف إضافية دون تحسين فعلي في المخرجات.
يقول عجم أوغلو إن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات المتسارعة يجري في مشاريع لا تُحدث تأثيرًا كبيرًا على الإنتاجية، وإن التركيز على استبدال البشر بأدوات آلية قد يُنتج بيئة متوترة، حيث لا تزيد فيها جودة العمل ولا كفاءة النظام. هذا النوع من الاستخدام لا يُعزز قيمة اقتصادية، بل قد يجرّ الشركات إلى تكاليف أعلى دون مردود ملحوظ.
في الوقت نفسه، فإن المبالغ المنفقة على تدريب النماذج اللغوية الكبيرة تبدو هائلة بالنظر إلى الفائدة العملية التي توفرها. فرغم التحسن الكبير في قدرات هذه النماذج، فإن معظم الشركات تستخدمها اليوم في مهام بسيطة نسبيًا مثل تلخيص النصوص أو إنتاج المسودات، وهي مهام لا تخلق قيمة مالية حقيقية تتناسب مع حجم الاستثمار.
تشير التباطؤات الأخيرة في الاقتصاد العالمي إلى مخاوف من أن الذكاء الاصطناعي قد لا يمتلك القدرة على دفع موجة إنتاجية جديدة كما حدث مع الكهرباء أو الإنترنت سابقًا. وحتى الآن، لا يوجد دليل على أن الذكاء الاصطناعي – رغم قدراته الكبيرة – أحدث ثورة إنتاجية بمثل هذا النطاق الواسع. هذه الفجوة بين السردية المثالية والواقع الاقتصادي تمثل أحد الأسباب الكبرى للتشكيك في استدامة العوائد المستقبلية.
تُظهر القراءة الدقيقة للبيانات والاتجاهات أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من كونه ابتكارًا حقيقيًا ومؤثرًا، لا يقدم حتى الآن عوائد تبرر الاستثمارات الضخمة التي تُضَخ فيه. ورغم أن القطاع يمتلك إمكانات كبيرة على المدى الطويل، فإن حجم الإنفاق الحالي يتجاوز بشكل كبير حدود المنطق الاقتصادي، خاصة في ظل غياب نماذج ربح واضحة وانتشار مشاريع كبيرة بلا ضمانات للطلب المستقبلي.
مع تراكم التحذيرات من المؤسسات المالية والاقتصاديين المعروفين، يبدو أن الصورة تتجه نحو سيناريو ‘الطلب الأقل من المتوقع’، وهو سيناريو قد يجعل جزءًا كبيرًا من الاستثمارات غير قابل للاسترداد. بينما تعتبر التقنيات اليوم أكثر تطوراً مما كانت عليه في فقاعة الإنترنت، فإن التشابهات الهيكلية – من حيث الاندفاع الجماعي، غياب العوائد، والتقييمات المبالغ فيها – تجعل المخاطر حاضرة بشكل قوي.
في النهاية، لا يمكن تجاهل أن الذكاء الاصطناعي سيظل عنصرًا رئيسيًا في المستقبل الاقتصادي، لكن السؤال الحقيقي ليس حول قدرة التقنية على التطور، بل حول قدرة الشركات والمستثمرين على تحويل هذا التطور إلى عوائد مالية فعلية. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الفجوة بين الإنفاق والعائد هي القصة التي يجب مراقبتها عن كثب… لأنها قد تكون عنوان الفقاعة القادمة.
تم نسخ الرابط
