شهادات على الفقد: بيع آثار لأب وابنته من حضارة سبأ في مزادات أمريكية – بقلم قش

شهادات على الفقد بيع آثار لأب وابنته من حضارة سبأ


بيعت قطعتان أثريتان نادرتان من مملكة سبأ، تعودان إلى القرنين الثالث قبل الميلاد والثاني الميلادي، في مزادين أمريكيين، مما يعكس تردي الذاكرة الحضارية اليمنية. يعتقد الخبير عبدالله محسن أن القطعتين تُمثلان أباً وابنته بناءً على نقوش مسندية. تم بيع الشاهد الأول في نيويورك عام 2003 والثاني في دالاس عام 2008، دون أي تدخل رسمي من اليمن. هذا الوضع يسلط الضوء على غياب الرقابة الحكومية في الحفاظ على الآثار، ويفضح الإهمال الدولي للإرث اليمني الفني والتاريخي، مما يهدد ببيع المزيد من الآثار.

منوعات | شاشوف

في مشهد يكشف عن التدني المؤسف لذاكرة اليمن الحضارية، تم الإعلان عن بيع قطعتين أثريتين نادرتين من مملكة سبأ في مزادات منفصلة في الولايات المتحدة الأمريكية. هذه القطع، كما يؤكد خبير الآثار اليمني عبدالله محسن، تمثل أباً وابنته dating back to between the 3rd century BC and the 2nd century AD، وقد غادرت اليمن إلى الأبد عبر قنوات البيع العلني في دور المزادات الغربية.

القطع الأثرية تعود إلى معد كرب و’غثم’ ابنته، كما يظهرهما في نقوش مسندية على شاهدَي قبر مرمريين؛ أحدهما يحمل رأس ذكر بملامح واضحة ولحية مصففة بدقة، والآخر رأس أنثى بتفاصيل دقيقة تُظهر مهارة النحت السبئي. ووفق تحليل محسن، فإن التطابق الزمني والاسمي في القطعتين يُرجح أنهما لأب وابنته، شُطرا من تاريخ البلاد كما شُطرا جسدياً في مزادات الغربة.

وحسب المعلومات التي حصل عليها ‘المرصد الاقتصادي شاشوف’، فقد تم بيع شاهد قبر معد كرب – وهو نحت من الحجر الجيري مزين بنقش مسندي – في نيويورك بتاريخ 11 ديسمبر 2003، بينما بيعت شاهدته المفترضة ‘غثم بنت معد كرب’ بعد خمس سنوات، بتاريخ 19 مارس 2008 في دالاس، دون أي تدخل رسمي يمني، سواء عبر السفارات أو ‘الإنتربول الثقافي’ أو وزارة الثقافة.

القطعتان الأثريتان تنتميان للفترة الكلاسيكية لممالك اليمن القديم، وتُعتبران وثائق فنية وتاريخية نادرة، خصوصاً وأن النقوش تشير إلى شخصيات حقيقية ذُكر بعضها في نقوش المسند الأخرى، وعلى رأسها ‘معد كرب يعفر’، أحد أشهر ملوك سبأ وذي ريدان، مما يُظهر الثروة السردية والتاريخية التي تتعرض حالياً للبيع في مزادات أمريكا وأوروبا.

‘شاشوف’ يلاحق الآثار: من ختم ذهب الإلكتروم إلى رأس الملكة

ويعيد هذا الكشف الأضواء إلى سلسلة طويلة من تقارير الاستقصاء الأثري التي نشرها ‘شاشوف’، بدءاً من تقرير ‘تمثال ملكي نادر يغادر اليمن بصمت’، مرورا بتحقيق ‘آثار يمنية نادرة تُعرض في مزاد بريطاني وسط صمت حكومي’، وصولاً إلى توثيق بيع ‘ختم الإلكتروم الذهبي’ و’رؤوس الثيران من بيحان’ و’تماثيل النذور الجنسية’ في مزادات إسكس وباريس.

هذه التقارير وثقت عمليات التهريب والبيع العلني لآثار يمنية، كانت تُعرض أحيانًا مستندات ملكية خاصة، أو تُحدد ‘من أصل غير محدد’، الأمر الذي يفتح ثغرات قانونية للاتجار بها، في ظل غياب اليمن التام عن قواعد بيانات الإنتربول الفنية.

في إحدى أبرز الشواهد على الاستهتار الدولي بالهوية اليمنية، وصف موقع المزاد الأمريكي الذي عرض قطعة ‘غثم’ رأس التمثال بأنه ‘ذكر’، بالرغم من أن نقش المسند الموجود عليها يُظهر أنها أنثى، واسمها واضح “بنت معد كرب”. خطأ يكشف إهمالاً مهنياً، لكنه يعبر عن حقيقة أكبر: الجهل وغياب الاهتمام في التعامل مع الإرث اليمني من قِبل الأسواق العالمية، التي ترى في القطع قيمة تجارية فقط.

كما أن المزادات نفسها لم تكلّف نفسها التحقق من مصدر القطع عبر القنوات اليمنية، واكتفت غالباً بذكر تنقلها عبر مجموعات خاصة في السبعينيات والثمانينيات، دون أن يُكشف كيف خرجت تلك القطع من موطنها، أو أين كانت موجودة خلال القرون الماضية.

في تعليق حول الموضوع، كتب خبير الآثار عبدالله محسن: ‘ما حدث لشاهدي قبري معد كرب وغثم، مع ما يحدث لليمني اليوم، يدعو للأسف، نشعر بأننا في وطن منكوب، مكتوب على ماضيه وحاضره ومستقبله الرحيل… إما إلى متحف أو مزاد أو قبر غريب في بلد بعيد’.

عبارات تعبر بدقة عن الحالة التي يمر بها الإرث الحضاري اليمني: غائب عن المفاوضات، غائب عن المتاحف، وغائب عن الدولة نفسها. ومع استمرار التغاضي الرسمي، وصمت الهيئات المعنية، وتحويل التراث إلى سلعة تُضاف لها قيم دولارية، يصبح كل تمثال وكل شاهد قبر مشروع تهريب جديد، وكل صالة مزاد فصل إضافي في قصة النهب المنظم لذاكرة اليمن.