رسوم ترامب الجمركية تعيد ‘بريكس’ إلى صميم الصراع الاقتصادي – شاشوف

رسوم ترامب الجمركية تعيد بريكس إلى صميم الصراع الاقتصادي


في سياق تصاعد الحمائية الدولية وتعزيز النزعات التجارية، تعود مجموعة ‘بريكس’، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، للواجهة خلال قمتها في ريو دي جانيرو. تسعى المجموعة لتعبئة الفراغ الجيوسياسي الناتج عن الانكفاء الأمريكي، مع التأكيد على معارضتها للرسوم الجمركية الأمريكية التي تعتزم إدارة ترامب فرضها. الهند ترد بإعادة فرض رسوم على واردات أمريكية، بينما تبرز الصين كلاعب رئيسي في الاقتصاد داخل المجموعة. ورغم التحديات الداخلية والخلافات بين الأعضاء، يظهر تنسيق متزايد في مواجهة الضغوط الغربية، مع نمو التجارة البينية بنسبة 40% بين 2021 و2024.

الاقتصاد العالمي – شاشوف

في وقتٍ تشهد فيه الساحة الدولية تصاعداً للنزعات الحمائية، وإعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها التجارية، تعود مجموعة ‘بريكس’ لتكون محط الأنظار، ليس فقط كمجموعة للاقتصادات الناشئة، بل كمشروع سياسي واقتصادي يسعى إلى سد الفجوة الجيوسياسية التي خلفها الانكفاء الأمريكي المتجدد في عهد ‘دونالد ترامب’.

هذا الأسبوع، تعقد المجموعة، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، قمة في ريو دي جانيرو تستضيفها البرازيل، وفق تقارير شاشوف، وسط تحديات تتعلق بالتماسك الداخلي، وزيادة عدد الأعضاء، وتزايد الضغوط التجارية الغربية.

غير أن هذه القمة تأتي، بخلاف سابقاتها، حاملةً رسائل واضحة تجاه الولايات المتحدة، خصوصاً بشأن الرسوم الجمركية الجديدة التي تعتزم إدارة ترامب فرضها ابتداءً من 9 يوليو الجاري على سلع من عدة دول، من بينها الهند والصين وجنوب أفريقيا.

حسب بيانات اطلع عليها مرصد ‘شاشوف’، فإن مشروع البيان الختامي للقمة يتضمن إدانة لما وُصف بـ’تصاعد الإجراءات الحمائية الأحادية وغير المبررة’، وهي الصياغة ذاتها التي أقرها وزراء خارجية ‘بريكس’ في اجتماع أبريل الماضي، مع تجنب المجموعة الإشارة المباشرة للولايات المتحدة، لكن تركت السياق واضحًا لا لبس فيه.

الهند ترد والرسالة تتسع

يأتي هذا الحراك الجماعي في وقت بدأت فيه الدول الأعضاء التعامل بجدية مع التهديد الأمريكي بإعادة تعريف العلاقات الاقتصادية مع شركائها التقليديين، حيث نقلت وكالة رويترز أن الهند قررت إعادة فرض رسوم انتقامية على واردات أمريكية تشمل منتجات التكنولوجيا والصلب والألمنيوم، كرد مباشر على تعرفة بنسبة 25% أعلنتها واشنطن مؤخراً كجزء من حزمة ترامب التجارية الجديدة.

كما أفادت الوكالة أن نيودلهي قدمت شكوى رسمية لدى منظمة التجارة العالمية، مؤكدة أن الإجراءات الأمريكية ‘تخرق اتفاقيات التجارة الدولية وتستهدف الاقتصادات الناشئة بصورة غير عادلة’.

يعكس تحرك الهند – ثاني أكبر اقتصاد في ‘بريكس’ – التغيير الجذري في سلوك المجموعة، التي تسعى، وإن ببطء، إلى بناء موقف جماعي في مواجهة الضغوط الغربية، بدلاً من الاكتفاء بردود فعل فردية.

أكد السفير ‘زوليسا مابهونغو’، كبير مفاوضي جنوب أفريقيا، في مقابلة على هامش القمة، أن هناك ‘اتفاقاً واسعاً بين الأعضاء على أن هذه الرسوم لا تخدم النظام الاقتصادي العالمي، ولا تسهم في تنمية الدول النامية’، مشيراً إلى أن ‘بريكس اليوم تتحدث بلغة المصالح المشتركة، حتى وإن كانت السياسات مختلفة’.

الصين تقود اقتصادياً رغم التوترات السياسية

في قلب هذا الحراك الجماعي، تبرز الصين كعنصر رئيسي في الاقتصاد للمجموعة، حيث أظهرت بيانات اطلع عليها شاشوف من صندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي للصين بلغ في عام 2024 نحو 19.4 تريليون دولار، وهو ما يمثل أكثر من 57% من إجمالي الناتج المحلي لدول ‘بريكس’ مجتمعة.

تمثل الصين أيضًا الشريك التجاري الأكبر لجميع أعضاء ‘بريكس’، واستحوذت على أكثر من 65% من إجمالي التجارة البينية داخل التكتل، وفق بيانات جمعها مرصد شاشوف من منظمة التجارة العالمية، وتستخدم العملة الصينية (اليوان) حالياً في أكثر من 30% من المعاملات التجارية الثنائية ضمن التكتل، ارتفاعًا من 15% فقط في عام 2021.

ورغم غياب الرئيس ‘تشي جين بينغ’ عن قمة ريو، إلا أن بكين تحافظ على تأثير كبير من خلال آليات التمويل والتعاون المناخي، حيث أجرت محادثات مع إندونيسيا والبرازيل لتنسيق مواقف ‘بريكس’ في قمة المناخ (COP30)، في حين تعزز دورها كمموّل رئيسي لبنك التنمية الجديد الذي يقع مقره في شنغهاي.

لكن رغم هذا التماسك الخطابي، تظهر الانقسامات البنيوية للمجموعة، حيث غاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتجنب إحراج دبلوماسي مع البرازيل العضو في المحكمة الجنائية الدولية، كما بدأت الخلافات بين الأعضاء الجدد والقدامى في بروزها، خاصةً مع رفض مصر وإثيوبيا دعم ترشيح جنوب أفريقيا لمقعد دائم في مجلس الأمن.

تزايدت التباينات أيضاً حول صياغة البيان الختامي، إذ رفضت روسيا والصين إدراج أي إشارات إلى الحرب في أوكرانيا، بينما دفعت مصر باتجاه تضمين فقرات تتعلق بالسلام والأمن في الشرق الأوسط في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة.

وحسب تحليل أعدّه ‘شاشوف’ بناءً على وثائق داخلية للقمة، فإن اتساع ‘بريكس’ ليشمل دولاً مثل إيران والإمارات وإندونيسيا ومصر، قد عرّض التنسيق السياسي لمزيد من التعقيد، خاصةً في ظل غياب أي آلية ملزمة لاتخاذ القرار الجماعي.

تشير تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن التجارة البينية بين دول ‘بريكس’ شهدت نمواً بنسبة 40% بين عامي 2021 و2024، لتصل إلى نحو 740 مليار دولار سنوياً، غير أن هذه الزيادة يقودها أساساً التبادل مع الصين، بينما لا تزال العلاقات الاقتصادية بين باقي الأعضاء تعاني من ضعف البنية التحتية وافتقارها إلى اتفاقات جمركية متكاملة.


تم نسخ الرابط