‘توتال’ تحذر من مخاطر الاعتماد على الغاز الأمريكي… أوروبا تواجه ضغوط واشنطن ونقص الإمدادات الروسية – شاشوف

توتال تحذر من مخاطر الاعتماد على الغاز الأمريكي أوروبا تواجه


تواجه أوروبا تحديات كبيرة في إعادة تشكيل نظام الطاقة الخاص بها بسبب تقليص الإمدادات الروسية نتيجة الحرب في أوكرانيا. بينما تسعى الولايات المتحدة لتعويض هذا النقص عبر تصدير الغاز الطبيعي المسال، يخشى الكثيرون من تحويل الاعتماد إلى الغاز الأمريكي ليصبح بديلًا قسريًا، مما يعزز تبعية جديدة. يحذر الرئيس التنفيذي لشركة “توتال” الفرنسية من أن هذا الانتقال قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الاعتماد على مورد واحد. في ظل عدم وجود بدائل كافية وسرعة التخلي عن الغاز الروسي، قد تجد أوروبا نفسها في أزمة أسعار جديدة، ما يتطلب منها تنويع مصادر الطاقة لتحقيق الأمان.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تدخل أوروبا في فترة حساسة لإعادة تشكيل نظامها للطاقة، تزامناً مع الانخفاض التدريجي للإمدادات الروسية بسبب الحرب في أوكرانيا والعقوبات المتزايدة. بينما تتسارع الولايات المتحدة لتعبئة هذا الفراغ من خلال تصدير الغاز الطبيعي المسال، تزداد المخاوف من تحول اعتماد القارة على الغاز الأمريكي إلى بديل إجباري لا يقل حساسية عن الاعتماد السابق على موسكو.

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة “توتال” الفرنسية، باتريك بويان، الانتباه لأزمة جديدة: أوروبا تُقحم في تبعية جديدة، ولكن هذه المرة بطريقة أكثر حدة وبأسعار أعلى.

تشير البيانات التي حصل عليها ‘شاشوف’ من بلومبيرغ إلى أن الولايات المتحدة تقدم الآن نحو 40% من احتياجات أوروبا من الغاز المسال، وهي نسبة كبيرة تعطي واشنطن قدرة ضغط لتعديل موقفها كلاعب رئيسي في أمن الطاقة الأوروبي.

ومع خطط أوروبا لزيادة عقوباتها ضد موسكو، وبالأخص الحظر الشامل المتوقع على واردات الغاز الروسي في 2027، يزداد حجم الغاز الأمريكي في السوق الأوروبية، مما يجعل التحذيرات من “تبعات جديدة” أكثر جدية.

على الرغم من أن أوروبا سعت لتDiversify مصادر الطاقة على مدار السنوات الماضية، تشير الوقائع إلى أن البدائل لا تزال محدودة، وأن المشاريع الجديدة في قطر والولايات المتحدة لن تدخل الخدمة قبل عام 2027. وهنا يتجلى تحذير ‘توتال’: اتباع سياسة التخلي السريع عن الغاز الروسي دون استراتيجية حقيقية للتنوع قد يضاعف الأسعار ويطيل أمد التبعية.

ضغوط واشنطن… هندسة جديدة لتدفقات الغاز نحو أوروبا

يؤكد باتريك بويان أن واشنطن تمارس ضغوطاً مباشرة لدفع أوروبا لتعزيز اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، خطوة تبدو ذات دوافع اقتصادية وجيوسياسية واضحة. مع تراجع الإمدادات الروسية، تحاول الولايات المتحدة أن تُعيد تموضعها كمورد مهيمن للطاقة، وهو ما يوفر لها تأثيراً استراتيجياً علي السياسات الأوروبية.

هذا الضغط يأتي في إطار عالمي حيث انتقل الغاز من كونه مجرد سلعة إلى أداة للنفوذ السياسي، خاصة بعد أن أظهرت حرب أوكرانيا دور الطاقة في تغيير التحالفات. لذلك، زيادة حصة الغاز الأمريكي إلى 40% ليست مجرد مسألة تجارية، بل مؤشر على تحول موازين القوى داخل أوروبا لصالح واشنطن، وهو تحول قد يحوي مخاطر مستقبلية.

تشير البيانات إلى أن واشنطن تضغط على بروكسل للتخلي عن الغاز الروسي، ليس فقط لأسباب سياسية، بل لأن ذلك يساعد على رفع الأسعار، مما يجعل الغاز الأمريكي -الذي يكلف أكثر في الإنتاج- خياراً إلزامياً. وهنا تبرز الحقيقة: كل خطوة تتخذها أوروبا بعيداً عن روسيا تقربها من الولايات المتحدة، حتى في غياب ضمانات لاستقرار الأسعار.

بينما تُقدم الخطاب الأمريكي الغاز المسال كبديل “آمن” للطاقة الروسية، فإن الواقع يشير إلى أن الشحنات الأمريكية تتسم بتعقيد سلاسل التوريد وتقلب الأسعار، مما يجعل اعتماد أوروبا عليها -دون أدنى تنوع- مخاطرة اقتصادية على المدى البعيد، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة في السوق الآسيوية.

“توتال” ودروس ما بعد 2022… لماذا لا يكفي استبدال روسيا بأمريكا؟

توتال، بصفتها أكبر مستورد للغاز الأمريكي داخل أوروبا، تمتلك رؤية أوضح للواقع. الشركة تدرك أن القفز السريع من الغاز الروسي إلى الغاز الأمريكي لا يلغي المخاطر بل ينقلها إلى جانب آخر، حيث أن الاعتماد على مورد واحد -مهما كان صديقاً- يعرض أمن الطاقة لتقلبات سياسية.

حذر بويان من أن التخلي السريع عن الغاز الروسي سيؤدي لارتفاع الأسعار في القارة، خصوصاً مع المنافسة الداخلية على الغاز بين الصناعات والمستهلكين المحليين الأمريكيين، مما يجعل صادرات الغاز المسال أكثر عرضة للتغيرات السعرية والمخاطر اللوجستية.

ورغم أن أوروبا تعوّض جزءاً من النقص عبر الفحم والطاقة المتجددة، سيظل الغاز يمثل محوراً رئيسياً لأمن الطاقة في السنوات المقبلة، مما يعني أن أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات الأمريكية -بسبب الأعاصير أو مشاكل تحتية أو قرارات سياسية- سيؤثر بسرعة على أسعار الطاقة الأوروبية.

كما أن المشاريع الجديدة للغاز المتوقعة في 2027 لن تحل المشكلة بشكل جذري؛ دخولها للخدمة يتزامن مع زيادة الطلب العالمي، مما يعيد النسق التنافسي بين أوروبا وآسيا، وقد تجد أوروبا نفسها في أزمة أسعار مماثلة لتلك التي واجهتها في 2022، ولكن هذه المرة عبر الغاز الأمريكي بدلاً من الغاز الروسي.

العقوبات الأوروبية على روسيا… خطوة ضرورية أم تسريع لأزمة جديدة؟

قرار الاتحاد الأوروبي بحظر واردات الغاز المسال الروسي اعتباراً من عام 2027 هو جزء من حزمة عقوبات تهدف لتقويض قدرة موسكو على تمويل حربها في أوكرانيا. لكن هذا القرار يأتي أيضاً بتكاليف اقتصادية قد لا تكون واضحة للجمهور الأوروبي.

تعتمد عدة دول أوروبية -كالفرنسا وإسبانيا وبلجيكا- على شحنات الغاز المسال الروسي لتلبية جزء من احتياجاتها، خاصة خلال فترات ذروة الطلب في الشتاء. ومع الحظر، ستجد هذه الدول نفسها بحاجة سريعة لبدائل، حيث يظهر الغاز الأمريكي كخيار شبه إلزامي.

لكن الاعتماد على الغاز الأمريكي في الوقت الراهن يشبه القفز من مركب إلى آخر دون معرفة مدى قوة المركب الجديد. فأسعار الغاز الطبيعي المسال الأمريكي تعتمد على العديد من العوامل مثل العقود الفورية، أسعار الشحن، والطلب الداخلي، وكلها متقلبة بشكل كبير.

أيضاً، تعزيز الاعتماد على الغاز من قطر وأمريكا معاً قد يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ في سوق الطاقة، دون تقليل المخاطر. الرهان الأوروبي، حسب اطلاع ‘شاشوف’ على البدائل المحدودة، قد يفتح المجال لتقلبات جديدة في الأسعار في حال حدوث أي اضطراب عالمي.

أوروبا تبحث عن تنويع… لكن الزمن لا يعمل لصالحها

بينما تسعى أوروبا لإنشاء نظام طاقة أكثر قدرة على التحمل، تشير التحركات الحالية إلى فجوة واضحة بين الطموح والواقع. يتطلب تنويع مصادر الإمداد سنوات من الاستثمار في البنية التحتية والاتفاقات التجارية، بينما تواجه القارة احتياجات عاجلة لا يمكن تأجيلها.

كما تواجه أوروبا تحديات لوجستية، إذ تحتاج لتوسيع محطات استقبال الغاز المسال في عدد من الدول، بالإضافة إلى بناء خطوط نقل قوية قادرة على توزيع الإمدادات بشكل متوازن، وهي مشاريع تتطلب استثمارات باهظة وتستغرق سنوات لإنجازها.

مع الارتفاع المستمر في أسعار الغاز المسال، يصبح من العسير على الصناعات الأوروبية التخطيط لإنتاج مستقر، خاصة في القطاعات الأكثر حساسية للطاقة مثل الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات. وهذا يشكل تهديداً حقيقياً لتنافسية الاقتصاد الأوروبي في العقد القادم.

على الرغم من دخول مشاريع قطر والولايات المتحدة وغيرها حيز التنفيذ في 2027، إلا أن التوقعات تتنبأ بأن المنافسة العالمية على الطلب ستبقى حادة، مما يعني أن أزمة الأسعار قد تتكرر، وربما بشدة أكبر.

تحذيرات رئيس “توتال” تشير إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها: أوروبا لا تواجه مجرد أزمة طاقة، بل أزمة خيارات. التخلي عن الغاز الروسي، رغم كونه ضرورياً من الناحية السياسية، يتم بوتيرة أسرع من قدرة القارة على إيجاد بدائل متوازنة، مما يزيد من تعرضها للضغوط الأمريكية وت fluctuations in global market.

مع دخول العالم في منافسة شديدة على موارد الطاقة، فإن الاعتماد على مورد واحد -مهما كان، سواء كان روسيا أو الولايات المتحدة- لن يكون كافياً لحماية أوروبا من صدمات الأسعار. فإن مستقبل أمن الطاقة الأوروبي يعتمد على مدى قدرة القارة على تنويع مصادرها، وليس على استبدال تبعية بأخرى.


تم نسخ الرابط