تسعى الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في أفريقيا وسط التنافس المتصاعد مع الصين على المعادن الحيوية كالكوبالت والنحاس. تركز الاستراتيجية الأمريكية على دول مثل زامبيا وغينيا والكونغو، حيث توفر الأخيرة نحو 70% من الكوبالت العالمي. تعتمد واشنطن على اتفاقيات شراء الإنتاج لتأمين الإمدادات، بعيدًا عن المخاطر السياسية، في حين تواصل الصين توجهها الاستثماري المباشر. مع اقتراب مؤتمر التعدين في كيب تاون، تتزايد الدبلوماسية بين القوى الكبرى. يشير المحللون إلى أن هذه التحركات قد تغير مسارات الإمدادات، ولكن تبقى قدرة الولايات المتحدة على مواجهة حجم التمويل الصيني محل تساؤل.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تعيد القارة الأفريقية دخولها مجددًا إلى مركز الصراع الجيواقتصادي العالمي، في ظل تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على المعادن الأساسية التي أصبحت تمثل محور الصناعات المستقبلية، بدءًا من الطاقة النظيفة وصولاً إلى التكنولوجيا العسكرية.
في هذا السياق، تعمل واشنطن بخطوات مدروسة لإعادة تشكيل مسارات تدفقات النحاس والكوبالت والمعادن النادرة من أفريقيا، في محاولة لمنافستها للنفوذ الصيني الذي استمر لأكثر من عقد، وفقًا لتقرير وكالة ‘رويترز’ الذي اطلع عليه ‘شاشوف’.
تركز الاستراتيجية الأمريكية الحالية على مجموعة معينة من الدول، أهمها زامبيا وغينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تُعد العمود الفقري لسوق الكوبالت العالمي، حيث تساهم بأكثر من 70% من الإمدادات العالمية، بالإضافة إلى كونها منتجًا رئيسيًا للنحاس بلغ إنتاجه نحو 3.3 مليون طن متري في عام 2024. وهذه الأرقام تُفسر سبب تحول المنطقة إلى ساحة تنافس مباشر بين القوى الكبرى.
مع اقتراب موعد مؤتمر ‘إندابا’ للتعدين في العاصمة التشريعية لجنوب أفريقيا ‘كيب تاون’، تتسارع التحركات الدبلوماسية والتجارية، حيث تسعى كل من واشنطن وبكين إلى تحقيق التزامات جديدة من الحكومات والشركات الأفريقية، في سباق يتجاوز الموارد الخام ليمتد إلى التحكم في سلاسل القيمة العالمية.
على عكس الصين، التي اعتمدت لسنوات على الاستثمارات المباشرة وإدارة المناجم والمصافي في أفريقيا، تتبنى الولايات المتحدة مقاربة مختلفة تسعى إلى تخفيض المخاطر التشغيلية والسياسية. فبدلاً من نشر شركات تعدين أمريكية في بيئات معقدة، تُفضل واشنطن استخدام أدوات مالية وتجارية، مثل اتفاقيات شراء الإنتاج المسبق، المعروفة باسم ‘الأوفتيك’.
تتيح هذه الاتفاقيات للدول أو الشركات الأمريكية تأمين حصص من إنتاج المناجم مقابل التمويل أو الضمانات أو أشكال دعم أخرى، دون الحاجة إلى المشاركة المباشرة في إدارة العمليات، بحسب قراءة ‘شاشوف’. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الاتفاقات الموقعة مع شركة ‘ميركوريا’، بالإضافة إلى الترتيبات الموقعة مع شركة التعدين الحكومية الكونغولية ‘جيكامين’، بهدف دمج الإنتاج الأفريقي ضمن سلاسل التوريد المتحالفة مع الولايات المتحدة، في مواجهة شبكة التكرير الصينية.
يرى محللون أن هذه التحركات بدأت تُظهر أثرًا ملموسًا بالفعل. وفقًا لتوماس سكرفيلد، المحلل في منظمة ‘مبادرة حوكمة الموارد الطبيعية’، فإن الانخراط الأمريكي المتزايد يساعد في إعادة تشكيل مسارات خروج المعادن من أفريقيا، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن السؤال الحاسم لا يزال مطروحًا: هل تستطيع الولايات المتحدة مجاراة الصين من حيث حجم التمويل وسرعة التنفيذ؟
في هذا السياق، تستعد شركة ‘جيكامين’ لشحن حوالي 100 ألف طن من النحاس من حصتها في منجم ‘تينكي فونغورومي’ إلى مشترين أمريكيين خلال العام الجاري، مستفيدة من توسيع حقوقها التسويقية بعد إعادة التفاوض مع شركة ‘سي إم أو سي’ الصينية في عام 2023. تُعتبر هذه الخطوة مؤشرًا عمليًا على تحول بعض الإمدادات، التي كانت تُوجه تقليديًا إلى المصافي الصينية.
الكوبالت والمعادن النادرة
لكن التنافس لا يقتصر على النحاس فحسب، إذ أصبح الكوبالت، العنصر الأساسي في البطاريات والصناعات عالية التقنية، جزءًا من معادلة الصراع أيضًا.
يرى محللون في الأسواق الآسيوية، تتبع ‘شاشوف’ تقديراتهم، أن سلاسل التوريد الصينية للكوبالت تواجه ضغوطًا متزايدة، حيث تتداخل قيود التصدير في الكونغو مع تطور التعاون الأمريكي الكونغولي.
في مؤشر آخر على جاذبية الحوافز الأمريكية، قررت شركة ‘بنسانا’ التي تتخذ من لندن مقرًا لها نقل مشروع مصفاة المعادن الأرضية النادرة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، لمعالجة خامات قادمة من منجمها في أنغولا، وأرجعت الشركة هذا القرار إلى قوة الحوافز المالية الأمريكية وضمانات الأسعار، مقارنة بالبيئة الأوروبية.
تشير رويترز إلى أن هذا التحول يمثل اعتمادًا أمريكيًا متزايدًا على القوة المالية بدلاً من الحضور الصناعي المباشر. فمن خلال اتفاقيات الأوفتيك وشبكات التداول العالمية، يمكن لواشنطن إعادة توجيه إمدادات النحاس والمواد الأساسية نحو أسواقها دون التعرض لتعقيدات إدارة المناجم في دول تعاني من هشاشة سياسية أو مؤسسية.
ومع ذلك، لا تزال الصين تحتفظ بقبضتها على بعض من أكبر الأصول التعدينية في الكونغو، بما في ذلك منجمي ‘تينكي فونغورومي’ و’كاموا-كاكولا’، حيث وُجه معظم الإنتاج في السنوات القليلة الماضية إلى الصين لتكريره، كما أن الكونغو تُعتبر موردًا مهمًا لمواد أخرى مثل الزنك والجرمانيوم والغاليوم، التي تدخل في صناعات إلكترونية وعسكرية دقيقة.
ساعدت الترتيبات الجديدة في إعادة تموضع شركة ‘جيكامين’ داخل سوق المعادن، حيث أصبحت إلى جانب كونها مصدرًا للنحاس لاعبًا رئيسيًا في تصدير الزنك ومشتريًا رئيسيًا لمركزات الجرمانيوم والغاليوم، وسجلت مؤخرًا أول عملية تصدير للجرمانيوم المعالج محليًا، في خطوة تعكس توجهًا أفريقيًا، وإن كان محدودًا، نحو تعزيز القيمة المضافة داخل القارة.
تبقى الفجوة في حجم الاستثمارات الرأسمالية كبيرة، حيث غالبًا ما تأخذ الشركات الغربية بما فيها الأمريكية بعين الاعتبار اعتبارات الحوكمة والنزاعات المحلية في قراراتها الاستثمارية. فقد استحوذت شركة ‘كوبولد ميتالز’ على مساحات واسعة في حزام الليثيوم والنحاس، لكنها امتنعت عن المضي في مشاريع تقع ضمن مناطق نزاع، مشددة على التزامها بالمعايير البيئية والحوكمية.
بالمقابل، واصلت الشركات الصينية العمل في أراضٍ متنازع عليها، مما منحها ميزة من حيث سرعة الوصول إلى مرحلة الإنتاج ورسخ حضورها في سلاسل التوريد العالمية.
تم نسخ الرابط
