تشهد محافظة حضرموت، الأغنى بالنفط في اليمن، تصاعداً في التوتر الأمني بين القوى السياسية والقبلية، مما يهدد استقرارها. يتنازع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً مع حلف قبائل حضرموت المدعوم سعودياً، بينما تعاني القوات الرسمية من انقسامات. تصاعدت التحشيدات العسكرية، ما أدى إلى توقف إنتاج النفط، وزيادة المخاوف الإنسانية والاقتصادية بجانب تصاعد الأنشطة الشعبية المناهضة للقوات الخارجية. جهود الوساطة المحلية تأمل في استعادة الأمن، بينما يتطلب الوضع توافقًا شاملًا لحماية مصالح المواطنين والإدارة الذاتية لحضرموت. الوضع معقد ويتداخل فيه النفوذ السياسي والاقتصادي والقبلي.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
تعيش محافظة حضرموت، الأكبر مساحة والأكثر غنىً بالنفط في اليمن، تصاعداً غير مسبوق للتوترات الأمنية والعسكرية في الفترة الأخيرة، وأصبح اصطدام القوى السياسية والقبلية في المحافظة صراعاً مفتوحاً على النفوذ والموارد، مما يهدد الاستقرار الذي حافظت عليه حضرموت لعقود طويلة.
ويعكس هذا الصراع تعقيدات المشهد اليمني بعد سنوات من الحرب والانقسامات العميقة، وقد يمثل حالة لفهم ديناميات النفوذ والمصالح المحلية والإقليمية في اليمن.
وحسب تتبع مرصد “شاشوف” لهذا الملف، فإن الأطراف الرئيسية في النزاع تتوزع بين:
– المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، الذي يسعى لإقامة دولة جنوبية مستقلة عن الشمال.
– حلف قبائل حضرموت الذي يتبنى مشروع “الحكم الذاتي” وإدارة شؤون المحافظة داخلياً، ويدعمه سعودياً.
– القوات العسكرية الرسمية المتمثلة بالمنطقتين العسكريتين الأولى والثانية التي تعاني قيادتهما من انقسامات بين تأييد الحكومة والمجلس الانتقالي.
هذا التداخل أدى إلى وضع معقد للغاية، حيث تتحول المحافظة من نموذج للأمن والاستقرار إلى بؤرة صراع محتملة على مستوى اليمن بأكمله.
الانقسام والنفوذ والتحشيد العسكري
تطور الصراع في حضرموت بشكل سريع منذ بداية ديسمبر الحالي، إذ دفع المجلس الانتقالي الجنوبي بتعزيزات عسكرية تحت مسمى “قوات الدعم الأمني” بقيادة العميد صالح علي بن الشيخ أبو بكر المعروف بـ”أبو علي الحضرمي”، إلى مناطق حساسة في المحافظة.
وأعلن أبو علي الحضرمي بشكل صريح أن مستقبل حضرموت مرتبط بما يسميه “الجنوب العربي”، وأكد على ضرورة مواجهة أي تهديد من قِبل “حلف قبائل حضرموت” بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش. وشمل هذا التصعيد نقل قوات إضافية من محافظة شبوة، مما زاد المخاوف لدى الحلف القبلي من نوايا الانتقالي الحقيقة.
من جهة أخرى، استجاب حلف قبائل حضرموت للتحشيد العسكري بالمثل، فقام بالسيطرة الفعلية على حقول النفط التابعة لشركة بترومسيلة، مما اعتبره خطوة استباقية دفاعية لحماية ثروات المحافظة، بينما اتهمه قائد المنطقة العسكرية الثانية بمحاولة الاعتداء على القوات المكلفة بحماية المنشآت.
هذا التبادل من التحشيد العسكري والتهديدات المتبادلة بين الأطراف يشير إلى تصاعد كبير في المخاطر، مما قد يؤدي إلى انفجار الوضع الأمني في أي لحظة.
المصادر المحلية أفادت بصد زحف لقوات الانتقالي باتجاه مناطق مثل سيئون ومديرية ساه، مع استخدام دبابات ومواقع جوية، بينما لم تحدث صدامات مباشرة مع قوات حماية حضرموت، مما يعكس حالة توازن هش بين الأطراف المتصارعة، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى احتمال اندلاع مواجهات مستقبلية.
كما ناشد المجلس الانتقالي قوات “التحالف” بتمكين قوات النخبة الحضرمية ومساندتها لبسط سيطرتها على كامل أرض حضرموت، وهو تصريح يُعتبر تعقيداً إضافياً في السعي للسيطرة الكاملة على المحافظة وإقصاء القبائل.
ولا يقل الجانب السياسي في حضرموت تعقيداً عن العسكري، حيث شن عضو المجلس الرئاسي اللواء فرج البحسني هجوماً على حلف قبائل حضرموت، واصفًا تحركاته بأنها “خروج عن مؤسسات الدولة وتمرد مسلح”، مبرراً تدخل قوات المجلس الانتقالي باعتبار مهمتها مكافحة الإرهاب.
كما استشهد البحسني بوجود بؤر للقاعدة وداعش ومجموعات من الحوثيين، وهذه الرواية الرسمية تأتي في سياق الصراع على شرعية التدخل العسكري الخارجي وفرض النفوذ، وتعكس الانقسام بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي.
في المقابل، أصدرت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي بمحافظة حضرموت بيانات مدنية تدين الاعتقالات التعسفية والمداهمات التي نفذتها قوات المنطقة العسكرية الأولى، مؤكدة على استمرار النضال السلمي المشروع لأبناء حضرموت، ومطالبهم بإحلال قوات النخبة الحضرمية بدلاً من القوات القادمة من خارج المحافظة، معتبرةً أن هذا هو السبيل لضمان الأمن وحماية أرواح السكان وثروات المحافظة.
التوتر الشعبي والتحشيد المدني
لم تقتصر الأوضاع على الجوانب العسكرية والسياسية، بل شملت تحركاً شعبياً مكثفاً، إذ شهدت مناطق وادي وصحراء حضرموت فعاليات جماهيرية حاشدة دعت إلى إخراج القوات الخارجية واستبدالها بالقوات المحلية، مما يعتبره مراقبون رسالة واضحة من المجتمع الحضرمي على تمسكه بحقوقه في إدارة شؤون المحافظة.
القائم بأعمال رئيس الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي المحلي، محمد صالح باتيس، أشار إلى أن خروج المواطنين في الشوارع يعكس إرادتهم في الأمن والاستقرار، داعياً للاصطفاف خلف المؤسسات الجنوبية الشرعية. من جهة أخرى، جرت تحذيرات من أن هذه “الفتنة” قد تتسع بفعل تدخل أطراف خارج جغرافيا المحافظة، مثل الصحفي المتتبع لتطورات حضرموت “فارس الحميري” الذي قال إن تحشيد جميع الأطراف العسكري يحمل ارتدادات خطيرة على المقدرات الوطنية والخدمات العامة، وعلى المجلس الرئاسي وحكومة عدن.
كما كان لتصاعد الصراع العسكري والسياسي أثر مباشر على الاقتصاد المحلي، خاصة في قطاع النفط والكهرباء.
فقد أعلنت شركة بترومسيلة وقف عمليات الإنتاج والتكرير النفطية بسبب التوترات، مما أثر على خدمات الكهرباء في مدن الساحل والوادي، كما تسبب في شلل حركة الوقود والخدمات العامة.
تشير هذه التطورات إلى أن الصراع لم يعد مقتصراً على النفوذ السياسي فحسب، بل يمتد ليؤثر على الحياة اليومية للمواطنين وعلى الموارد الحيوية للمحافظة، التي تعتبر من أهم مناطق الإنتاج النفطي في اليمن.
جهود الوساطة والتوازن المدني
في محاولة لتهدئة الأوضاع، تدخلت السلطة المحلية بحضرموت عبر محافظ المحافظة المعين حديثاً “سالم أحمد الخنبشي” (بدلاً من مبخوت بن ماضي)، واستقبل الخنبشي وفود وساطة برئاسة الشيخ معروف بن عبدالله باعباد والمقدم علي سالم بلجبلي العوبثاني، وعدد من الوجاهات القبلية والمجتمعية.
تحدث الخنبشي عن ضرورة تغليب الحكمة والحفاظ على نسيج المجتمع، وأكد أن حضرموت كانت وستظل نموذجاً للأمن والتعايش. وبرزت الحاجة للعمل المشترك لإنجاح جهود الوساطة وعودة الاستقرار، حيث اعتبر أن نجاح الوساطة يمثل نجاحاً للمحافظة بأكملها.
كما أشار ناشطون وكتّاب محليون في حضرموت إلى أهمية النأي بالمحافظة عن الصراعات العسكرية الخارجية، معتبرين أن الحضارم قادرون على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وأن أي تدخل خارجي سيزيد الفوضى ويهدد النسيج الاجتماعي ويهيئ المناخ لعودة الإرهاب.
مشهد معقد
حضرموت اليوم تُعد نموذجاً حياً لتعقيدات المشهد اليمني، حيث تتشابك المطامح السياسية مع الهويات القبلية والمصالح الاقتصادية، مما يجعل أي حل صعباً بدون توافق شامل.
التحشيد العسكري المتبادل بين المجلس الانتقالي وحلف قبائل حضرموت، مع تدخل القوات الرسمية المنقسمة ولجوء الأطراف إلى السيطرة على المنشآت الحيوية، يهدد استقرار المحافظة على المدى القصير، ويقول اقتصاديون إنه قد يؤدي إلى تصعيد مفتوح يؤثر على الحياة الاقتصادية والخدمية بالكامل.
يُظهر توقف إنتاج النفط وانعكاسه على الكهرباء والخدمات العامة كيف أن الصراع السياسي والعسكري له أثر مباشر على حياة المواطنين ويؤثر على الاقتصاد المحلي.
يمثل الوضع الحالي نقطة مفصلية تتقاطع فيها الصراعات مع الطموحات القبلية والمصالح الاقتصادية الكبرى.
فالصراع القائم بين المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، وحلف قبائل حضرموت المدعوم من السعودية، وسط انقسامات القوات الرسمية، أدى إلى حالة شديدة الحساسية تهدد الاستقرار والأمن، مع انعكاسات واضحة على الاقتصاد والخدمات العامة.
في حضرموت، ينظر المواطنون إلى الأمل معلّق على نجاح جهود الوساطة المدنية والقبلية، واحترام إرادة المجتمع المحلي، والتزام جميع الأطراف بمبدأ تغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وكذلك رفع القوى الخارجية يدها عن حضرموت.
تم نسخ الرابط
