تأييد غزة يعمّ أوروبا ويمتد إلى كافة أنحاء العالم في ظل تقاعس عربي-إسلامي.. الاقتصاد والسياسة والإنسان في فترة حاسمة – بقلم بشه

تأييد غزة يعمّ أوروبا ويمتد إلى كافة أنحاء العالم في


شهدت مدن أستراليا اليوم احتجاجات ضخمة ضد الحرب الإسرائيلية في غزة، تعد الأكبر منذ عقود. المتظاهرون دعوا لطرد السفير الإسرائيلي ووقف صفقات السلاح، مع تجمع عشرات الآلاف في ملبورن وسيدني ومدن أخرى. تزامنت هذه الحركات مع تصريحات من قادة دول، حيث اعتبر الرئيس الأيرلندي ما يحدث تهديدًا للديمقراطية. كندا حذرت من المجاعة في غزة وتحملت إسرائيل المسؤولية، بينما استقالت الحكومة الهولندية بسبب الانقسام حول فرض عقوبات. تعكس هذه التطورات أن قضية غزة أصبحت محورًا سياسيًا داخليًا في العديد من الدول الغربية، تؤثر على سياساتها واقتصادياتها.

تقارير | شاشوف

شهدت المدن الأسترالية اليوم الأحد موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات ضد الإبادة الإسرائيلية في غزة. في ملبورن، التي أصبحت مركز الحراك، انطلقت مسيرة ضخمة من أمام مكتبة ولاية فيكتوريا باتجاه البرلمان، وصفت بأنها الأكبر منذ عقود. رفع المحتجون الأعلام الفلسطينية وصور الأطفال الذين قُتلوا تحت القصف، ولافتات تندد بما يجري في القطاع بـ”الإبادة”. كما ظهرت صور لصحفيي الجزيرة الذين تعرضوا للاستهداف من قبل إسرائيل مع شعار “الصحافة ليست جريمة”.

الهتافات تطالبت الحكومة الأسترالية بطرد السفير الإسرائيلي ووقف صفقات السلاح، وفقاً لما نقلته شاشوف، في وقت يعتبر فيه المنظمون أن الموقف الرسمي صامت ومتواطئ. ورغم محاولات الشرطة ضبط المسيرات، فإن عشرات الآلاف تواجدوا في الشوارع، واعتبر الناشطون أن حجم المشاركة تجاوز كل التوقعات.

لم يقتصر الاحتجاج على ملبورن، بل امتد إلى سيدني وبريزبن وأديلايد وبيرث وكانبرا. خرجت مسيرات متزامنة تحمل شعارات العدالة للفلسطينيين وإنهاء الحصار على غزة. المنظمون أكدوا أن هذا التحرك جزء من خطة طويلة تشمل التواصل مع نواب البرلمان وهيئات حقوقية دولية لممارسة ضغط سياسي واقتصادي مستمر.

شهادات المتظاهرين عكست بعداً إنسانياً واسعاً؛ فقد شدد طلاب ونقابيون وصحفيون ومواطنون عاديون على أن غزة ليست قضية سياسية فقط، بل قضية أخلاقية في ظل مجاعة رسمية أعلنتها الأمم المتحدة وارتفاع أعداد الضحايا إلى أكثر من 62 ألف شهيد و157 ألف جريح.

موقف أيرلندا: الإبادة تهديد للديمقراطية

تزامن الحراك الأسترالي مع تصريحات لافتة للرئيس الأيرلندي مايكل دي هيغينز، الذي وصف ما يحدث في غزة بأنه “فترة مأساوية من تاريخ العالم” و”تهديد للديمقراطية”. في مقابلة مع الإذاعة الأيرلندية، أكد هيغينز أن إسرائيل تسعى لقطع الصلة بين الضفة الغربية وغزة، متّهماً قادة في الحكومة الإسرائيلية بالتنكر العلني للقانون الدولي.

الرئيس الأيرلندي دعا لتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لتشكيل قوة تضمن وصول المساعدات الإنسانية حتى مع استخدام الفيتو في مجلس الأمن. وأكد أن “عالم اللامساءلة” الذي يسمح باستمرار الإبادة هو أخطر تهديد للنظام الدولي.

ومن أوتاوا، جاء الموقف الكندي بشكل أكثر وضوحاً. وزير التنمية الدولية رانديب ساراي قال إن “الإجراءات العسكرية الإسرائيلية جعلت المجاعة واقعاً مدمّراً في غزة”. وأشار إلى تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة، الذي أعلن رسمياً عن تفشي المجاعة في مدينة غزة مع احتمال امتدادها جنوباً.

الوزير الكندي حمّل إسرائيل بصفتها قوة احتلال المسؤولية القانونية عن عرقلة المساعدات وارتفاع أعداد الوفيات، معتبراً أن الأطفال هم الأكثر تضرراً. وأوضح أن استمرار العدوان جعل الأزمة الإنسانية تتفاقم إلى مستوى كارثي.

هولندا: استقالات تهز الحكومة

في لاهاي، أدت مواقف متباينة بشأن فرض عقوبات على إسرائيل إلى استقالات متوالية في حكومة تصريف الأعمال. استقال وزير الخارجية كاسبار فيلدكامب أولاً احتجاجاً على رفض الحكومة اتخاذ إجراءات إضافية، ثم تبعه جميع الوزراء المنتمين لحزب “العقد الاجتماعي الجديد” بما فيهم نائب رئيس الوزراء ووزراء الداخلية والتعليم والصحة بالإنابة.

هذه الاستقالات أضعفت الحكومة وأظهرت حجم الانقسام داخل الأوساط السياسية الأوروبية بشأن العدوان على غزة. مراقبون أشاروا، وفقاً لما نقلته شاشوف، إلى أن الضغوط الشعبية والاحتجاجات المتكررة في أوروبا جعلت الأحزاب تخشى فقدان قواعدها الجماهيرية إذا تجاهلت المواقف المناهضة للحرب.

الأرقام القادمة من غزة ترسم صورة كارثية: أكثر من 62 ألف شهيد و157 ألف جريح، إضافة إلى 281 وفاة بسبب الجوع، بينهم 114 طفلاً، وفق وزارة الصحة الفلسطينية وفقاً لما نقلته شاشوف. إعلان المجاعة رسمياً يعكس انهيار البنية الاقتصادية والمعيشية: حصار خانق، انعدام الغذاء والدواء، توقف المستشفيات، ونزوح مئات الآلاف.

النتائج الاقتصادية الإقليمية تتوسع أيضاً، حيث تعطلت سلاسل التوريد، وارتفعت أسعار الطاقة والشحن عالمياً، بينما تواجه دول مجاورة مثل مصر خسائر مباشرة نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس بأكثر من 50% في 2024 بسبب الاضطرابات البحرية الناجمة عن الحرب.

من الشارع إلى السياسة: تحولات جارية

هذه التطورات تكشف أن ما كان يُنظر إليه كحراك تضامني رمزي قد تحول إلى قوة ضغط حقيقية. في أستراليا، لم تعد القضية محصورة في الشارع؛ بل وصلت إلى البرلمان. في إيرلندا، أصبح الموقف الرئاسي مرجعاً أخلاقياً دولياً. في كندا، تحوّل الملف إلى قضية سياسات تنموية وحقوقية. وفي هولندا، أسقط الانقسام الحكومة فعلياً.
الجمع بين هذه الأمثلة هو أن العدوان على غزة لم يعد ملفاً بعيداً جغرافياً، بل أصبح عاملاً داخلياً يُعيد تشكيل النقاش العام والاقتصاد والسياسة في عواصم بعيدة، حتى لو تخاذل العرب وسكت المسلمون جميعاً.

اشتداد المظاهرات في أستراليا وأوروبا يضع الحكومات الغربية أمام حسابات جديدة؛ الاستمرار في علاقات تجارية وعسكرية مع إسرائيل يعني مواجهة تكاليف سمعة متزايدة، وربما مقاطعات شعبية وصناديق استثمارية تسحب أموالها. أما التحول نحو سياسات أكثر حزماً فقد يؤدي إلى توتر العلاقات مع الولايات المتحدة أو الشركات الدفاعية الكبيرة.

الأرقام الضخمة في ملبورن وسيدني، والاستقالات في لاهاي، وتصريحات هيغينز وساراي، كلها إشارات إلى أن الرأي العام لم يعد جمهوراً سلبياً. هذه التحركات تُجبر الأحزاب السياسية على إعادة صياغة برامجها الانتخابية بما يتماشى مع مطالب الشارع، خاصة مع اقتراب انتخابات محلية وأوروبية.

تحولت غزة إلى قضية داخلية في السياسة الغربية. أيرلندا تضع الملف ضمن “الدفاع عن الديمقراطية”، كندا تدرجه ضمن سياسات التنمية الدولية، هولندا تهتز حكومياً، وأستراليا تواجه ضغطاً متزايداً على صفقات السلاح. هذا التداخل يعكس أن مأساة غزة لم تعد ملفاً خارجياً بل باتت تمتحن شرعية الحكومات نفسها.


تم نسخ الرابط