على مدار العقدين الماضيين، اعتبرت الولايات المتحدة صعود الصين ظاهرة مؤقتة يمكن السيطرة عليها من خلال الضغوط التجارية والعزلة الجيوسياسية. ومع ذلك، أظهرت الحرب التجارية أن هذا التصور غير واقعي، حيث لم يؤدي التصعيد إلى تغيير سلوك بكين. تعكس هذه الحرب حدود القوة الأمريكية وكشفت عن التداخل الاقتصادي الذي يجعل إلحاق الضرر بالصين صعبًا. تتحكم الصين في جميع مراحل سلاسل التوريد العالمية، مما يمنحها ميزة زمنية، بينما تتفوق واشنطن في مجالات مثل أشباه الموصلات. ينبغي على واشنطن إدارة المنافسة بدلاً من البحث عن هزيمة الصين، مع التركيز على تعزيز مرونتها الاقتصادية.
تقارير | شاشوف
على مدار العشرين عاماً الماضية، اعتمدت الولايات المتحدة في استراتيجيتها تجاه الصين على فرضية ضمنية تفيد بأن صعود الصين هو ظاهرة مؤقتة يمكن احتواؤها أو كسرها من خلال مزيج من الضغوط التجارية والقيود التقنية والعزل الجيوسياسي. إلا أن السنوات الأخيرة، وخاصة مسار الحرب التجارية، أظهرت أن هذه الفرضية لم تعد تواكب الحقائق الاقتصادية والهيكلية.
كما أظهر تحليل نشرته شبكة بلومبيرغ واطلعت عليه ‘شاشوف’، لم تعد فكرة ‘الانتصار’ على الصين واقعية في الحسابات الأمريكية، إذ اتسعت الهوة بين الخطاب السياسي والمحتويات الاقتصادية على الأرض.
لقد أسفر التصعيد الجمركي المتبادل، الذي وصل إلى ذروته برسوم مرتفعة ثم تراجع فجأة إلى مستويات أدنى، عن عدم حدوث تحول استراتيجي في سلوك بكين، بل أوضح حدود القوة الأمريكية عندما تُستخدم أدوات قصيرة الأجل لمواجهة نموذج تنموي يتطلب وقتاً أطول. لذلك، بدا خطاب ‘الانتصار’ الذي صحب بعض الاتفاقات أكثر طابعاً سياسياً منه اقتصادياً.
في جوهر الأمر، لا يتعلق الصراع الأمريكي–الصيني بمن سيربح جولة تفاوضية، بل بمن يمتلك القدرة على الصمود والتكيف ضمن نظام عالمي مترابط. وهنا، برزت الصين كلاعب يصعب خضوعه للمنطق السريع للكسر، لأنها ليست معتمدة على سوق واحدة، أو تقنية واحدة، أو مسار واحد للتنمية.
من ثم، أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً في واشنطن ليس كيف تُهزم الصين، بل كيف يمكن إدارة المنافسة معها دون إلحاق أضرار بنيوية بالاقتصاد الأمريكي نفسه.
التجارة كساحة اختبار: حين تنقلب أوراق الضغط
أظهرت الحرب التجارية أن فرض الرسوم، مهما كانت شديدة، لا يضمن تحقيق الإرادة السياسية، وفقاً لرؤية شاشوف. فالتراجع المتكرر عن التعريفات المرتفعة، والتسويات التي أعادت إنتاج الوضع القائم تقريباً، عكست حقيقة أن واشنطن لا تتمتع بهامش غير محدود لمواصلة التصعيد دون تكاليف داخلية.
الأهم من ذلك، أن بكين تعاملت مع هذه الضغوط ببراغماتية، حيث امتصت الصدمة الأولى، ثم أعادت ترتيب أولوياتها الصناعية والتجارية، مستفيدة من حجم سوقها الداخلية وشبكات الإمداد العالمية خارج الإطار الأمريكي. وبدلاً من التقلص، واصلت الصين توسيع حضورها في قطاعات تصديرية وتقنية حساسة.
هذا التصرف أضعف من منطق ‘اللعبة الصفرية’ الذي دعا له بعض صناع القرار في الولايات المتحدة، وأظهر أن التداخل الاقتصادي العميق يجعل من الصعب إلحاق خسارة قاضية بأحد الأطراف دون أن ترتد آثارها على الطرف الآخر.
وبذلك، تحولت التجارة من أداة حسم إلى مرآة تكشف حدود القوة، لاسيما عندما تكون سلاسل الإمداد موزعة عالمياً ولا يمكن إعادة بنائها بقرار إداري.
سلاسل التوريد: حيث تمتلك الصين أفضلية الزمن
من أهم عناصر القوة الصينية هو ليس فقط فائضها التجاري، بل أيضًا سيطرتها على حلقات حاسمة في سلاسل التوريد العالمية، وتحديداً في المعادن النادرة والمكونات الوسيطة التي قد لا تظهر في العناوين السياسية، لكنها تشكل العمود الفقري للصناعات الحديثة.
هذه السيطرة ليست نتيجة قرار فوري، بل نتاج عقود من الاستثمار في التعدين والمعالجة والتصنيع، مما منح الصين ميزة يصعب تعويضها بسرعة. وحتى مع بدء الولايات المتحدة في ضخ استثمارات لتقليل الاعتماد، يتطلب بناء بدائل كاملة سنوات، إن لم يكن عقوداً.
من الناحية الأخرى، تمتلك واشنطن نقاط قوة واضحة في مجالات مثل أشباه الموصلات المتقدمة، لكنها اكتشفت أن استخدام هذه الورقة كسلاح سياسي يدفع الصين إلى تسريع البحث عن بدائل، حتى وإن كانت أقل كفاءة على المدى القصير، لكنها كافية للحفاظ على استمرارية النمو والتطوير.
وبذلك، يميل ميزان الاعتماد المتبادل نحو توازن غير مريح: يمتلك كل طرف أدوات ضغط، ولكن لا أحد يملك القدرة على تعطيل الآخر دون تحمل تكاليف عالية.
الصين لا تلحق بالركب بل تصنعه
في مجالات يُعتبر أنها ساحات تفوق غربية تقليدية، مثل الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والروبوتات، لم تعد الصين مجرد منافس ناشئ، بل باتت في كثير من الأحيان لاعباً مُحدِّداً لإيقاع السوق العالمي.
في مجال الطاقة المتجددة، لا يقتصر التفوق الصيني على الإنتاج الكمي، بل يمتد أيضًا إلى تخفيض التكاليف وبناء منظومات صناعية متكاملة تجعل من الصعب على المنافسين مجاراة الأسعار دون دعم حكومي هائل. الأمر ذاته ينطبق على البطاريات، حيث تمكنت الشركات الصينية من الجمع بين الحجم والتقنية وسرعة الانتشار.
أما في مجال الأتمتة والروبوتات الصناعية، فقد حققت الصين نجاحاً في تحويل التكنولوجيا إلى إنتاج فعلي واسع النطاق داخل مصانعها، وهو فارق أساسي بين امتلاك الابتكار من الناحية النظرية ودمجه في الاقتصاد الحقيقي.
حتى في الذكاء الاصطناعي، حيث تتقدم الولايات المتحدة تقنياً، تُظهر الصين قدرة ملحوظة على تطوير نماذج أقل كلفة، ونشرها بسرعة، والاستفادة منها اقتصادياً، مما يقلل الفجوة العملية حتى لو استمرت الفجوة التقنية.
نقاط الضعف الصينية: تحديات حقيقية لا تعني الانهيار
لا يعني الاعتراف بمتانة النموذج الصيني تجاهل التحديات العميقة التي يواجهها. فالكثير من الضغوط الاقتصادية مثل الأزمة العقارية الطويلة، وضغوط الانكماش، والتحولات الديموغرافية قد تُضعف زخمه على المدى البعيد.
شيخوخة السكان، وتقلص قوة العمل، وتباطؤ الطلب الداخلي، كلها عوامل تحمل قيوداً حقيقية على النمو المستقبلي. كما أن الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستثمار إلى اقتصاد قائم على الابتكار ليس مضمون النتائج، ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار ما يُعرف بفخ الدخل المتوسط.
لكن الفارق الجوهري هو أن هذه التحديات تُدار وفق رؤية استراتيجية طويلة الأجل، تعطي الأولوية لما تسميه بكين ‘صناعات المستقبل’، وتتناول الضغوط كحوافز لإعادة الهيكلة، بدلاً من كونها مؤشرات على انهيار وشيك.
وهنا أخطأت الكثير من التنبؤات الغربية التي راهنت مراراً على انهيار قريب لم يتحقق، لأنها أسقطت من حسابها قدرة النظام الصيني على التكيف وإعادة الضبط.
من هاجس الفوز إلى إدارة المنافسة
تظهر التجارب الأخيرة أن السعي الأمريكي لتحقيق ‘الانتصار’ على الصين كهدف سياسي مباشر لم يعد قابلاً للتحقق دون تكلفة باهظة. فالصين ليست اقتصاداً هامشياً يمكن عزله، ولا نموذجاً هشاً يمكن كسره عبر ضغوط قصيرة الأجل، وفقاً لتحليل شاشوف.
البديل الأكثر منطقية هو إعادة تعريف النجاح: ليس عبر إخراج الصين من النظام العالمي، بل بتقليل نقاط الضعف الأمريكية، وتعزيز المرونة، وبناء سلاسل توريد أكثر تنوعاً، والاستثمار طويل الأجل في الابتكار ورأس المال البشري.
في عالم متعدد الأقطاب، قد لا يكون النصر في إلحاق الهزيمة بالخصم، بل القدرة على التعايش مع منافس قوي دون الوقوع في فخ التصعيد غير المحسوب. ومن هذه الزاوية، تبدو الدعوة للتخلي عن وهم ‘هزيمة الصين’ أقل تعبيراً عن تراجع وامتيازاً، وأكثر تعبيراً عن نضج استراتيجي طال انتظاره.
تم نسخ الرابط
