يشهد الشحن العالمي أزمات متزايدة، حيث تؤثر التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل على سلاسل التوريد، خصوصًا في الدول النامية وأفريقيا. في 2024، فقدت 200 حاوية في المياه الجنوبية لأفريقيا بسبب إعادة توجيه السفن نتيجة تصعيد الأحداث في الشرق الأوسط. أدى هذا إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، مما زاد من ضعف اقتصادات الدول الأفريقية. تقرير ‘أونكتاد’ يشير إلى أن التجارة البحرية دخلت فترة نمو هشة، مع تزايد التحديات التشغيلية والمناخية. إن أزمة البحر الأحمر تزيد من الشعور بالهشاشة اللوجستية، مما قد يؤثر سلبًا على الاستثمارات ويؤدي إلى تأخيرات في التجارة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يواجه الشحن العالمي، الذي يمثل أكثر من 80% من تجارة البضائع حول العالم، مرحلة حرجة تتسم بالتقلبات وارتفاع التكاليف، مما يزيد الضغوط على سلاسل التوريد. وتشير الأرقام الأخيرة والتقارير الدولية إلى أن هذه المخاطر ليست سطحية، بل تشكل تهديدًا حقيقيًا للبنية الاقتصادية العالمية، خاصة للدول النامية وأفريقيا.
في عام 2024، اختفت نحو 200 حاوية في المياه الجنوبية لأفريقيا، وفقًا لتقارير شاشوف، وهو ما يعادل 35% من إجمالي 576 حاوية فُقدت على مستوى العالم، مما يبرز حجم التهديد الفعلي لسلسلة التوريد البحرية في أفريقيا.
النقطة الأساسية هنا تكمن في إعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح لتجنب المرور من البحر الأحمر بعد أن اغلقه الحوثيون أمام السفن الإسرائيلية. والنتيجة الفورية هي تأخير الشحنات، زيادة أسعار النقل، وضغوط إضافية على المستوردين في أفريقيا، الذين يتحملون تكاليف التأمين البحري التي ارتفعت من 0.7% إلى 2% من قيمة السفينة خلال العام.
يمكن القول إن هذه الخسائر ليست حادثة عابرة، بل هي نتيجة تفاعل عدة عوامل جيوسياسية ومناخية. وفقًا لتحليلات شاشوف، ساهمت الأعاصير الموسمية في جنوب غرب المحيط الهندي في زيادة المخاطر، بينما أدى النزاع في الشرق الأوسط إلى إطالة مسافات الشحن، مما زاد من احتمالات فقدان البضائع وأجبر الشركات على تحميل المستهلكين تلك التكاليف، مما يعزز الهشاشة الاقتصادية للأفارقة.
التجارة البحرية العالمية في “مرحلة نمو هشة”
وفقًا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” الذي صدر اليوم الأربعاء، وأطلع عليه شاشوف، فإن التجارة البحرية العالمية دخلت مرحلة نمو هشة، مع توقع أن يبلغ نموها 0.5% فقط في عام 2025، بعد ارتفاع قياسي في العام السابق (+6% في طن الأميال).
أدت التعريفات الجديدة وقيود الموانئ إلى رحلات أطول وتجاوزات في مكالمات الموانئ، مما رفع التكاليف. كذلك، تمر تجارة الطاقة بمرحلة انتقالية، حيث يضغط التحول نحو إزالة الكربون على الفحم والنفط، فيما تتوسع تجارة الغاز.
المعادن الضرورية للبطاريات والطاقة المتجددة أصبحت مصدر توتر جديد، إذ تتنافس الدول لتأمين الإمدادات، مما يزيد من تعقيد سلسلة التوريد الدولية.
تظهر إعادة تشكيل الجغرافيا التجارية تأثيرًا أكبر على الدول النامية بسبب ضعف قدرتها على التكيف مع التكاليف الجديدة، بينما تتحكم الدول الكبرى في تحديد الطرق والمعايير البيئية والتكنولوجية، ما يعمق الفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب.
يوجد تحدٍ تشغيلي يتمثل في ضغط الموانئ، حيث يظهر هذا الضغط في ازدحام السفن وتأخير الشحنات وارتفاع تكاليف التشغيل. رغم أن بعض الدول بدأت في اعتماد أنظمة رقمية مثل النوافذ البحرية الفردية، فإن الغالبية العظمى من الاقتصادات النامية ما زالت متاخرة، مما يعزز التأثير السلبي على التجارة المحلية والإقليمية.
عدم التقدم في الرقمنة لا يعكس فقط ضعف البنية التحتية، بل يمثل تهديدًا استراتيجيًا لقدرة الدول النامية على المنافسة في التجارة العالمية، مما يزيد من احتمالية تعرضها لدائرة ارتفاع التكاليف وضعف الأداء وفقدان الأسواق.
أما التحدي المناخي، فقد ارتفعت انبعاثات الشحن بنسبة 5% في عام 2024، بينما لا تزيد نسبة الأسطول العالمي العامل بالوقود البديل عن 8%. إن إزالة الكربون من النقل البحري ليست فقط خيارًا بيئيًا، بل تعتبر عاملًا اقتصاديًا وسياسيًا، نظرًا لما تفرضه من تكاليف تشغيلية، مما يقود الدول والشركات الكبرى لتحديد أولويات الاستثمار. بينما قد تتعرض الدول الضعيفة لخطر فقدان القدرة التنافسية ما لم تحصل على الدعم المالي والتقني المناسب.
انطباعات أزمة البحر الأحمر: المخاطر متصاعدة
في نفس السياق، تركت أزمة البحر الأحمر انطباعات عميقة في الأسواق الدولية وصناعة النقل البحري، حيث أظهرت تقارير “شاشوف” أن إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح وتأخيرات الشحنات عززت شعورًا عالميًا بـ “الهشاشة اللوجستية” في المنطقة، خصوصًا في الموانئ الأفريقية والشرق أوسطية.
ارتفاع أسعار التأمين البحري -من 0.7% إلى حوالي 2% من قيمة السفينة- أدى إلى زيادة تكاليف النقل وتحمّل المستوردين هذه الأعباء، مما يترك انطباعًا بأن البحر الأحمر أصبح “منطقة عالية المخاطر” على الرغم من أن الخسائر الفعلية ما زالت أقل مقارنةً بالتقديرات.
هناك تأثير نفسي واقتصادي على المستثمرين، حيث ترى الأسواق الدولية البحر الأحمر كمنطقة عدم استقرار، مما يزيد من الحذر الاستثماري ويؤخر مشاريع البنية التحتية وتوسع الموانئ، كما أن الأزمة كشفت عن قصور في الرقمنة والتجهيزات الذكية للموانئ، مما يعقد التأقلم مع الصدمات بالنسبة للدول النامية.
إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو، فإن التوقعات تشير إلى استمرار ارتفاع تكاليف الشحن، مما يزيد من التضخم في أسعار السلع المستوردة. كما يتفاقم الفجوة بين الدول الكبرى القادرة على امتصاص الصدمات والدول الصغيرة أو النامية التي تزداد هشاشتها. واحتمال تأجيل أو إلغاء عقود تجارية بسبب عدم اليقين اللوجستي، مما يضعف سلاسل التوريد الإقليمية.
وإذا نظرنا بعناية إلى أزمة البحر الأحمر، نجد أنها ليست مجرد تهديد مؤقت، بل تمثل اختبارًا عالميًا لقدرة الحكومات والشركات على إدارة المخاطر المتعددة الأبعاد: السياسية، الاقتصادية، البيئية، والبشرية. والفشل في التكيف مع هذه الأزمة قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في مسارات التجارة البحرية العالمية، وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي بين الدول الكبرى والدول الأكثر هشاشة.
تم نسخ الرابط
