اليمن في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية: حقوق مفقودة وفجوات تعكس الانهيار – بقلم شاشوف

اليمن في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية حقوق مفقودة وفجوات تعكس


يحتفل العالم غدًا باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، الذي يدعو إلى مكافحة الفقر والتمييز وتعزيز المساواة. في اليمن، تعاني البلاد من انهيار اقتصادي حاد جراء الحرب منذ 2015، مما أثر على مفهوم العدالة الاجتماعية. الفقر يتسع ليشمل شرائح واسعة، وتوزيع الثروات متباين بشكل كبير. المؤسسات المتضررة والفساد أضعفا قدرة الدولة على تأمين الحقوق الأساسية، وواجه العديد من المواطنين ظروفًا معيشية قاسية. لتعزيز العدالة الاجتماعية، يحتاج اليمن إلى إصلاحات اقتصادية شاملة، وتحسين البنية التحتية، وضمان حقوق العمل، مع ضرورة بناء دولة مؤسسات قائمة على قانون عادل وصحيح.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

غداً الجمعة (20 فبراير) يُحتفى بـ ‘اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية’ المُعتمد سنوياً من قبل الأمم المتحدة، ليتناول التحديات المتعلقة بالفقر والبطالة والتمييز، ودعوةً لبناء مجتمعات أكثر عدلاً وشمولاً.

تعكس ‘العدالة الاجتماعية’ نظاماً قيمياً وحقوقياً يسعى لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين مختلف فئات المجتمع بدون تمييز، من خلال توزيع ثروات الخدمات العامة والحقوق السياسية والاقتصادية بشكل عادل. تركز العدالة الاجتماعية على مكافحة الفقر والتهميش والظلم لضمان حياة كريمة، وتُعتبر من الركائز الأساسية للتنمية المستدامة وحقوق الإنسان.

في رسالة بمناسبة هذا اليوم، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن العدالة الاجتماعية ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة إنسانية لضمان الاستقرار والتنمية، مشيراً إلى أن العالم لا يزال يواجه فجوات كبيرة في الدخل والفرص، مما يتطلب جهوداً دولية منسقة لمعالجتها.

تدعو مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى مكافحة جميع أشكال التمييز، مُعتبرةً أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا باحترام حقوق الإنسان الأساسية. وفي الوقت نفسه، ترى منظمة العمل الدولية، وفق متابعة ‘شاشوف’، أنه من الضروري توفير بيئات عمل عادلة وضمان حقوق العمال وتعزيز الحماية الاجتماعية، وأن العدالة الاجتماعية تُعتبر قاعدة لتحقيق التنمية المستدامة، وأشارت إلى أن التحديات الاقتصادية العالمية مثل ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو تزيد من الضغوط على الفئات الهشة، مما يجعل تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي أكثر إلحاحاً.

اليمن: العدالة الاجتماعية كأزمة كاملة

منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، تعرضت البلاد لانهيار اقتصادي وتفكك مؤسساتي وتراجع اجتماعي، حتى وُصفت أزمتها بأنها من أسوأ الأزمات الإنسانية والتنموية عالمياً، وفقاً لما ناقشته ‘شاشوف’ عن الأزمات الاقتصادية المستمرة.

لكن جوهر المأساة لا يقتصر على الأرقام الصادمة للفقر والجوع، بل يتجسد في تآكل مفهوم العدالة الاجتماعية نفسها، وتراجع قدرة الدولة على تأمين الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.

أدت سنوات الصراع إلى تعطيل واسع في مؤسسات الدولة، بما في ذلك تلك المرتبطة بسيادة القانون والإدارة المالية والرقابية. تضررت البنية التحتية بشدة وتراجعت القدرات البشرية نتيجة النزوح والهجرة وانقطاع الرواتب. ومع غياب قرار اقتصادي موحد واندلاع الفساد وانعدام الشفافية، باتت عملية صنع السياسات رهينة الانقسامات السياسية ومراكز نفوذ محدودة.

كانت النتيجة اقتصاداً هزيلاً يعاني من انكماش طويل الأمد، وتدهور قيمة العملة المحلية، واضطراب في الإيرادات العامة، خاصة مع تراجع صادرات النفط (بل وتوقفها تماماً منذ أكتوبر 2022) وتذبذب الموارد السيادية وخروجها عن سيطرة حكومة عدن، كل ذلك أثر سلباً على مستوى معيشة المواطنين.

تشير المعطيات التي يتابعها مرصد شاشوف إلى اتساع رقعة الفقر بشكل غير مسبوق، إذ أن الفقر لم يعد محصوراً في فئات هامشية، بل شمل شرائح واسعة من الموظفين والمهنيين الذين كانوا يمثلون سابقاً عماد الطبقة الوسطى. وقد أدى انهيار الريال اليمني وارتفاع أسعار السلع الأساسية –خصوصاً الغذائية– إلى تآكل القوة الشرائية بشكل حاد.

والراتب الذي يتلقاه الموظف الحكومي أصبح يغطي فقط أيام معدودة من احتياجات الأسرة الشهرية. ففي مناطق حكومة صنعاء يُصرف نصف راتب فقط للموظف الحكومي، في حين يُصرف راتب كامل لجهات عليا مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للقضاء وغيرها، وهو ما يعد تمييزاً واضحاً في صرف الرواتب وفق الآلية الاستثنائية المؤقتة التي تبنتها حكومة صنعاء اعتباراً من ديسمبر 2024.

أما في مناطق حكومة عدن، فيتم صرف راتب غير منتظم متأخر، يتأثر بالدرجة الأولى بالدعم السعودي، وفق تقارير شاشوف. وفي نفس الوقت، يشكو المواطنون من أن الراتب بات زهيداً مقارنة بأسعار السلع والخدمات الأساسية التي لم تتحسن بما يتناسب مع تحسين سعر الصرف منذ أغسطس 2025، وتتراوح رواتب الموظفين بين 50 و80 ألف ريال تقريباً، ما لا يغطي شراء الاحتياجات الغذائية الأساسية.

ومع عدم انتظام صرف الرواتب في بعض القطاعات، أصبح الدخل غير مستقر، مما يدفع الأسر إلى تقليل إنفاقها إلى الحد الأدنى، والاستغناء عن احتياجات أساسية مثل الرعاية الصحية الجيدة أو التعليم الجيد.

خلق هذا الواقع فجوة طبقية أكبر، إذ تتركز الثروة والموارد في أيدي قلة محدودة، بينما تنزلق الأغلبية إلى ما دون خط الفقر، في غياب آليات فعّالة لإعادة توزيع الدخل أو شبكات أمان اجتماعي شاملة.

تدهور الخدمات وانسداد أفق الشباب

تُعتبر الصحة والتعليم والكهرباء والمياه من أبرز مؤشرات مستوى العدالة الاجتماعية، وقد تدهورت هذه الخدمات بشكل خطير في اليمن، حيث تعاني المستشفيات من نقص المعدات والأدوية والكوادر، والبنية التحتية الصحية في معظم المناطق متهالكة أو متوقفة. كما تأثرت التعليم نتيجة توقف رواتب المعلمين وانهيار المنشآت وضعف البيئة التعليمية، ما يهدد جيلاً كاملاً بخسارة فرصه المستقبلية.

أصبح الحصول على المياه النظيفة والكهرباء في بعض المدن رفاهية تكلفتها باهظة، بينما تعيش مناطق ريفية واسعة خارج نطاق الخدمات المنتظمة، مما يعمق شعور الحرمان ويغذي اختلال توزيع الفرص.

من ناحية أخرى، يواجه الشباب في اليمن معدلات بطالة مرتفعة في ظل اقتصاد راكد وضعف الاستثمار المحلي والأجنبي. وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي ‘أحمد الحمادي’ في تعليق لـ’شاشوف’ أن المحسوبية والفساد تحدّ من تكافؤ الفرص في التوظيف، وتجعل الوصول إلى الوظائف العامة أو المشاريع المدعومة مرتبطاً بالانتماءات السياسية أو المناطقية بدلاً من الكفاءة.

تعاني النساء من تمييز مزدوج اقتصادي واجتماعي، حيث مشاركتهن في سوق العمل محدودة، وتزيد القيود الثقافية والظروف الأمنية من صعوبة اندماجهن في النشاط الاقتصادي. وهذا الإقصاء يحرم الاقتصاد من طاقات إنتاجية مهمة، ويعمّق اختلال العدالة الاجتماعية.

النزاع وتعميق الفجوة الطبقية

الحرب لم تدمر الاقتصاد فحسب، بل أعادت تشكيل موازين الثروة والنفوذ، فوسط اقتصاد الحرب ظهرت شبكات مصالح استفادت من المضاربات والاحتكارات والتحكم في الموارد. وفي المقابل، فقد ملايين اليمنيين مصادر دخلهم، وخاصة النازحين الذين خسروا ممتلكاتهم وأعمالهم، ويعيشون في مخيمات أو مساكن مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة.

وفي هذا السياق، ذكر الصحفي والمتخصص في علم الاجتماع ‘عمار خالد زيد’ في حديث لـ’شاشوف’ أن الحرب أدت إلى تحولات هيكلية عميقة في البنية الاجتماعية، حيث لم يقتصر أثرها على الدمار المادي فقط، بل امتد ليعيد تشكيل الهرم الطبقي للمجتمع، مسبباً فاصلاً مروعاً بين قلة تزداد ثراءً وأغلبية ساحقة تزداد فقراً.

وأشار إلى أن الطبقة الوسطى في اليمن تتكون أساساً من فئات مهنية مثل موظفي الدولة والأكاديميين والمعلمين. ومع توقف الرواتب وانهيار العملة، انحدرت هذه الفئة إلى صفوف الطبقات الفقيرة، حيث لم تعد المداخيل، إن وُجدت، تكفي لتغطية أبسط الاحتياجات الأساسية، مما أفقد المجتمع صمام الأمان الثقافي والاقتصادي.

في المقابل، برزت طبقة جديدة تُعرف بأثرياء الحرب، الذين وفقاً لزيد، استغلوا غياب الدولة والرقابة للتربح عبر اقتصاد الظل والأسواق السوداء على مدى سنوات، بالإضافة إلى الجبايات والمدفوعات غير القانونية، والتحكم في سلاسل التوريد للسلع الأساسية، وهو إثراء يقابله جوع الملايين من المواطنين، مما جعل الفجوة تتسع بشكل غير مسبوق.

أدى هذا الاختلال إلى واقع يعايش فيه قلة مستفيدة مع أغلبية تكافح لتأمين الغذاء والدواء، مما يجعل مفهوم العدالة الاجتماعية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

في معناها الاقتصادي، تعني العدالة الاجتماعية توزيعاً منصفاً للموارد، وتكافؤاً في الفرص، وضماناً للحقوق الأساسية. لكن في السياق اليمني الحالي، وفقاً للمحلل الاقتصادي أحمد الحمادي، تبدو هذه المبادئ بعيدة عن التطبيق، في ظل غياب سياسات مالية عادلة، وضعف نظم الحماية الاجتماعية، وغياب مؤسسات رقابية مستقلة قادرة على مكافحة الفساد بفاعلية.

آفاق المعالجة

استناداً للتقارير الاقتصادية، فإن تعزيز العدالة الاجتماعية في اليمن يتطلب مساراً متعدد الأبعاد، وفقاً للحمادي، يبدأ بإصلاح اقتصادي شامل، بمعنى استعادة الاستقرار النقدي، وتوحيد السياسة المالية، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة. كما أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يكون رافعة لتوليد فرص العمل وتحفيز الاقتصاد المحلي.

تحتاج إعادة تأهيل الخدمات الأساسية إلى استثمارات في البنية التحتية الصحية والتعليمية، وضمان صرف الرواتب بانتظام، وتوسيع الشبكات المائية والكهربائية، بما يقلل الفجوة بين المناطق.

ينبغي أيضاً ضمان تكافؤ الفرص، من خلال إنشاء آليات شفافة للتوظيف، وإطلاق برامج لتمكين الشباب والرجال والنساء اقتصادياً، بعيداً عن المحسوبية والانتماءات الضيقة. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية الحقيقية دون إنهاء الحرب، وبناء دولة مؤسسات قائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، مع تبني مسار للعدالة الانتقالية يعالج آثار الانتهاكات ويعيد الثقة بالمؤسسات.

اليوم، يقف اليمن عند مفترق طرق حاسم، حيث تعود الأزمة الاقتصادية والمعيشية إلى تراكمات سياسية ومؤسسية عمقتها الحرب، واستمرار الوضع الراهن يعني اتساع الفجوة الاجتماعية وتآكل ما تبقى من مقومات الاستقرار.

في حين أن تبني إصلاحات عميقة، مقرونة بإرادة سياسية حقيقية، يمكن أن يضع البلاد على مسار تعافٍ تدريجي يضمن لليمنيين حياة كريمة قائمة على العدالة والمساواة، إذ إن العدالة الاجتماعية ليست مجرد شعار نظري، بل شرط ضروري لبناء اقتصاد مستدام ومجتمع متماسك ودولة قادرة على حماية حقوق مواطنيها وصون كرامتهم.


تم نسخ الرابط

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *