يشهد الاقتصاد اليمني انخفاضًا قصير المدى في الأسعار، رغم استمرار الأوضاع الاقتصادية الهشة التي تهدد معيشة ملايين الأسر. تحسن سعر صرف الريال اليمني في مناطق عدن إلى 1,616 ريالًا للدولار بفضل تنظيمات البنك المركزي، بينما استقر عند 534 ريالًا في صنعاء. ورغم تراجع أسعار السلع الأساسية في عدن بما يقارب 14% سنويًا، تبقى المخاطر التضخمية قائمة مع عدم الاستقرار في الإمدادات. يتوقع أن يبقى 18 مليون شخص في انعدام أمن غذائي شديد، مما يتطلب سياسات فعالة وإجراءات استباقية لتعزيز الأمن الغذائي وتخفيف المخاطر اللوجستية.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
تشهد الأسواق اليمنية وضعاً معقداً: حيث تتراجع المؤشرات السعرية في الأمد القصير، بينما تبقى الأسس الاقتصادية هشة، مما يرفع المخاطر التي تواجه ملايين الأسر. فبعد موجة من الارتفاعات الحادة على مدار العامين الماضيين، شهد سعر صرف الريال اليمني في مناطق حكومة عدن تحسناً ملحوظاً منذ أغسطس واستقراراً نسبياً في سبتمبر عند متوسط 1,616 ريالاً للدولار، بينما بقي ثابتا في مناطق صنعاء عند 534 ريالاً للدولار.
هذا التحسن السريع مدفوع بإجراءات جديدة من البنك المركزي في عدن، والتي حدّت من الطلب على النقد الأجنبي، إلا أنه يظل مكسباً هاشاً ما لم يترافق مع إصلاحات تعالج جذور التباين في الميزان التجاري ونقص العملات الأجنبية، وفقاً لما أظهرته ‘نشرة السوق والتجارة لشهر سبتمبر 2025’ الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).
على المستوى السعري، أفادت النشرة التي اطلع عليها شاشوف بتراجع محدود في أسعار السلع الأساسية بمناطق عدن خلال سبتمبر، واستقرارها في مناطق صنعاء بفعل مراقبة الأسعار. وقد أظهر ذلك تأثيراً إيجابياً على تكلفة “سلة الحد الأدنى من الغذاء” التي انخفضت في عدن بحوالي 14% على أساس سنوي، بينما ظلت مستقرة في مناطق صنعاء، رغم كونها دون متوسط ثلاث سنوات سابقة.
ومع ذلك، لا يزال هناك خطر من وجود تضخم قائم، إذ إن الأسواق تعاني من أي ارتدادات في سعر الصرف أو اضطرابات في الإمدادات، خاصة مع استمرار القيود على الموانئ الشمالية وتذبذب تدفقات الوقود والحبوب.
ومن المتوقع حتى فبراير 2026 أن تظل الحالة الإنسانية صعبة للغاية: يتوفر الغذاء في الأسواق بشكل عام، لكن القدرة على الوصول إليه تتناقص بفعل ضعف الدخل وارتفاع المخاطر. تشير التحليلات الأخيرة التي تابعها شاشوف إلى أن أكثر من 18 مليون شخص سيظلون في حالة انعدام أمن غذائي شديد، مما يستدعي مراقبة دقيقة لمحركات الأمن الغذائي: الأسعار، القرارات الحكومية، عمل الموانئ، المواسم الزراعية، نقص الوقود، مسارات النزاع، وتعقيدات المنطقة.
سعر الصرف.. مكاسب سريعة تحت اختبار الاستدامة
سجل الريال اليمني مكسباً نوعياً في مناطق عدن خلال أغسطس، واستقر نسبياً في سبتمبر، مع تحسن سنوي يقدر بـ 17% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ومع ذلك، فإن هذا التحسن مرتبط مباشرة بتشديدات تنظيمية من البنك المركزي في عدن بشأن الاستيراد وسعر الصرف، مما يعني أن المكاسب إدارية أكثر من أن تكون نتيجة لتحسين المتغيرات الأساسية مثل زيادة الصادرات أو احتياطات أكبر. أي تساهل في الانضباط النقدي، أو صدمة خارجية في الحساب الجاري، قد يؤدي إلى العودة السريعة للضغوط على سعر الصرف.
من ناحية أخرى، حافظت مناطق سلطة صنعاء على سعر صرف مستقر مع وجود اختلافات هيكلية في بيئة النقد والسيولة منذ قرار منع تداول الطبعات الجديدة من العملة في نهاية 2019. وقد أدى نظام السعرين إلى مفارقة ظاهرة في مستويات الأسعار بالعملة المحلية.
باختصار، لا يزال “اختبار الاستدامة” قائماً: فمن دون معالجة العجز التجاري، وزيادة الموارد الخارجية المستدامة، وتخفيف اختناقات الواردات، سيظل أي تحسن سريع في العملة مهدداً بالتراجع، ما قد ينتج عنه موجات تضخمية لاحقة.
الأسعار وسلة الغذاء.. تحسن مؤقت لصالح المستهلك وقلق من تضخم راجع
سجلت أسعار السلع الأساسية تراجعاً طفيفاً في مناطق عدن خلال سبتمبر، بينما استقرت في مناطق صنعاء، متأثرة بمسار الوقود وسعر الصرف. لقد انعكس ذلك على كلفة “سلة الحد الأدنى من الغذاء” التي انخفضت في مناطق الحكومة بحوالي 14% على أساس سنوي، بينما بقيت مستقرة في مناطق حكومة صنعاء وكانت أكثر انخفاضاً من متوسط السنوات الثلاث الماضية.
غير أن قيود الاستيراد في الموانئ الشمالية، وحظر استيراد دقيق القمح، لم تؤدِّ إلى قفزات سعرية واسعة بفعل تشدد رقابة الأسعار، ولكن المخاطر قائمة إذا استمر اضطراب الإمدادات.
وفي تفاصيل الإمدادات، ارتفعت واردات القمح عبر الموانئ الشمالية والجنوبية مقارنة بالشهر السابق، لكنها تراجعت سنوياً في الشمال وارتفعت في عدن، حسب نشرة الفاو.
أما الوقود فظل مستقراً في رأس عيسى وتراجع في عدن والمكلا، فيما حدّت الضربات الجوية من القدرة التشغيلية للموانئ الشمالية، مما خفض قدراتها الاستيعابية، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والمخاطر اللوجستية وهوامش الأسعار.
أما الوقود للمستهلك النهائي، فقد ظل مستقراً في مناطق حكومة صنعاء خلال الشهر، بينما انخفض في مناطق حكومة عدن بنسبة 11–12% شهرياً و16–20% سنوياً، بدعم من تحسن الريال. ورغم أن الأسعار في الجنوب أصبحت أدنى قليلاً من متوسط السنوات الثلاث الماضية، فإن أي عرقلة إضافية لواردات الشمال قد تعيد الضغوط على جانب العرض في صنعاء، مما يغذي موجة تضخمية متحركة بين المنطقتين.
القدرة الشرائية والعمل والماشية.. مؤشرات مختلطة تحجبها هشاشة الدخل
تظهر “شروط التبادل” بين العمل/الماشية والحبوب اتجاهات متباينة: استقرار نسبي لمؤشر الماشية مقابل الحبوب في مناطق حكومة عدن وتراجع طفيف في مناطق حكومة صنعاء على أساس شهري، مع بقاء كلا المؤشرين أفضل من العام الماضي.
على الجانب الآخر، تراجع بسيط لشروط تبادل “العمل اليومي/الحبوب” في مناطق عدن مع ارتفاع هامشي في مناطق حكومة صنعاء، نتيجة تماسك أسعار الدقيق والوقود هناك وتحسن أجور العمل غير المنتظم موسمياً. هذه الحركة الدقيقة تؤكد أن أي مكسب سعري لا يترجم تلقائياً إلى تحسن صافٍ في القدرة الشرائية ما لم يرتبط بتحسن مستدام في الدخل.
بالنسبة للأجور، انخفضت أجور العمل اليومي والزراعي في مناطق الحكومة نتيجة لتراجع الأسعار وفق قراءة شاشوف، بينما ارتفعت قليلاً في مناطق صنعاء مع زيادة الطلب الموسمي في القطاع الزراعي.
مقارنة بالعام الماضي، بقيت الأجور مستقرة في عدن وأعلى بحدود 17% في صنعاء، لكنها ما تزال فوق متوسط السنوات الثلاث الماضية في كلا المنطقتين. ومع ذلك، يظل الوزن النسبي للأجر في تغطية تكلفة السلة الغذائية محدوداً بسبب هشاشة الدخل واستمرار فجوة الأسعار مع طاقة الاستهلاك للأسر.
أسعار الماشية تراجعت قليلاً شهرياً في المنطقتين، لكنها ازدادت سنوياً في عدن وبقيت مستقرة في مناطق صنعاء، بحسب نشرة الفاو، مع توقعات ببقاء الأسعار مرتفعة نسبياً بسبب قيود الاستيراد. أما أسعار الأسماك (ثمد) فقد انخفضت بوضوح في عدن وبقيت مستقرة في مناطق حكومة صنعاء، ما يعكس تأثير تذبذب الوقود والنقل وتوافر العرض المحلي.
هذه الصورة المختلطة تؤكد أن الأسر تتعرض لضغوط وسحب متزامنين بين تكلفة الغذاء والدخل، وكلها مترابطة بمسار العملة والوقود والإمدادات.
مكاسب هشة تتطلب سياسة متكاملة واستجابة إنسانية فعالة
يوفر استقرار سعر الصرف وتراجع الأسعار في سبتمبر متنفساً مؤقتاً للأسر، لكنه لا يلغي هشاشة المشهد الكلي. لقد ساعدت الإصلاحات التنظيمية في تهدئة سوق الصرف وتقليل جزء من التكاليف، ولكن استدامة المكاسب مرهونة بعوامل أعمق: معالجة العجز التجاري، تعزيز الاحتياطي، فك اختناقات الموانئ، وتخفيف مخاطر اللوجستيات والوقود.
في غياب هذه الإجراءات، سيظل أي تحسن سريع عرضة للانعكاس، مما قد يؤدي بالبلاد إلى حلقة من “تخفيف قصير الأجل/ارتداد تضخمي” ترهق المستهلك والسلطة النقدية معاً.
وعلى الجانب الإنساني، يبقى الأمر الأكثر أهمية هو القدرة على الوصول إلى الغذاء، وليس توافره فقط. فالتوقعات حتى فبراير 2026 تشير إلى بقاء مستويات انعدام الأمن الغذائي مرتفعة جداً، مما يستدعي اليقظة في الرصد وتنفيذ سياسات استباقية في إدارة الواردات والأسعار والدعم الاجتماعي، مع توجيه المساعدات إلى الأشد حاجة.
إن تثبيت المكاسب المحدودة الحالية وتحويلها إلى انخفاض مستدام للأسعار يتطلب، قبل كل شيء، سياسة اقتصادية منسقة واستقراراً لوجستياً يقلل من تكلفة المخاطر على كل حلقة من سلسلة الغذاء.
تم نسخ الرابط
