الصين تعيد صياغة قواعد المعادن النادرة والعالم يتكيف مع مركز ثقل جديد – بقلم قش

الصين تعيد صياغة قواعد المعادن النادرة والعالم يتكيف مع مركز


في قمة العشرين الإفريقية، أظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ قوة بكين في إدارة مواردها الاستراتيجية، مشددًا على عدم القبول باستخدام المعادن النادرة كورقة ضغط من القوى الغربية. عُرضت مبادرة تعدين جديدة تستهدف إشراك 19 دولة غنية بالموارد، تهدف إلى بناء شراكات تقوي الصين كقوة محورية. بينما يواجه الغرب صعوبة في بناء بديل حقيقي لصناعات معالجة المعادن، تواصل بكين مساعيها لتوسيع تأثيرها في الأسواق العالمية. تظهر هذه الديناميكية تحولًا في ميزان القوة الاقتصادية، حيث أصبحت الصين مركز الثقل في سلاسل الإمداد، خصوصاً في القطاعات العسكرية والتكنولوجية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

لم تتأخر بكين في تقديم نفسها في قمة العشرين الإفريقية؛ إذ دخل رئيس الوزراء لي تشيانغ النقاشات برسائل واضحة: الصين لن تتراجع عن إدارة مواردها الاستراتيجية، ولن تسمح بأن تتحول المعادن النادرة إلى ورقة ضغط تستخدمها القوى الغربية حسب رغبتها. ومع ذلك، بدا كأنه يمدّ يداً ‘انتقائية’ نحو دول الجنوب، التي تسعى لموقع عادل داخل سلاسل الإمداد العالمية، دون أن تكون مجرد أسواق خام لدول كبرى.

كان الحضور الصيني في القمة استباقياً أكثر من كونه دفاعياً؛ إذ تزامن الحديث عن القيود مع مبادرات لإشراك الدول الصديقة في نظام تعدين أكثر استدامة. وبينما ينشغل الأوروبيون بتداعيات اختناقات التوريد، تعمل بكين على تسويق نموذج بديل قائم على الاستفادة المشتركة، ولكن وفق شروطها.

في الخلفية، يرتفع الصوت الغربي الساخط من أن الصين أصبحت تتحكم في مفاصل سوق المعادن الحرجة، بينما تنظر بكين إلى تلك الانتقادات كمحاولة للالتفاف على هيمنتها التي اكتسبتها عبر عقود من الاستثمار، وليس عبر قرارات فوقية. هنا يظهر بوضوح ملامح الصراع الاقتصادي الجديد: من يضع قواعد اللعبة، ومن سيكون مضطراً للعب وفقها.

بكين تدير الملف كقضية أمن قومي لا كبند تجاري

في كلمته، أوضح لي تشيانغ أن الصين تعتبر المعادن النادرة امتداداً لأمنها الاقتصادي وفق اطلاع مرصد شاشوف. لم يتحدث عن ‘قيود’ بل أكد على ‘إدارة حذرة’، وهي عبارة تحمل دلالات ثقيلة في لغة الدبلوماسية الصينية.

تصرّ بكين على أن الاستخدامات العسكرية لهذه المعادن، خاصة تلك المستخدمة في الإلكترونيات الدفاعية، تجعلها لا تستطيع ترك الباب مفتوحاً بلا ضوابط.

جاءت الرسالة الصينية أيضاً بما يشير إلى أن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، هو الطرف الأكثر تسليحاً لهذا الملف. فبينما تتهم واشنطن بكين بتقييد التجارة، كانت الصين سبّاقة في تحمل الكلفة البيئية والمالية للتعدين والمعالجة عندما لم يكن هناك استعداد لذلك.

ومع ارتفاع الطلب العالمي، ترى بكين أن ضبط سلاسل الإمداد أصبح ضرورة وليس مجرد رغبة سياسية. فالمعادن النادرة تعتبر عصب الصناعات الحساسة من الصواريخ إلى رقاقات الهواتف الذكية، وأي اضطراب فيها قد يشكل تهديداً مباشراً على صادرات الصين أو اقتصادها.

على الرغم من الضغوط الغربية، يؤكد المسؤولون الصينيون أن التعاون لا يزال ممكناً، لكن تحت صيغة لا تُخضع الصين لابتزاز تجاري جديد كما حدث خلال الحرب التجارية في السنوات الماضية.

مبادرة تعدين “خضراء”… شراكات انتقائية بدل توسع عشوائي

على هامش القمة، أعلنت الصين عن مبادرة تعدين جديدة تشترك فيها 19 دولة غنية بالموارد الطبيعية. ورغم أن الإعلان بدا عاماً وغير محدد بالتفاصيل المالية، إلا أن الرسالة السياسية كانت واضحة: تفضل بكين بناء شبكة ‘أصدقاء’ بدل الخضوع لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد التي تحاول واشنطن قيادتها.

تهدف المبادرة، المرتبطة بمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، إلى خلق بيئة تعدين أكثر انضباطاً، سواء في حماية الموارد أو ضبط التكاليف البيئية. بالنسبة لبكين، هذا ليس تنازلاً، بل محاولة لخلق إطار دولي يمنع الاتهامات الغربية بشأن ‘الاستغلال’ أو ‘الهيمنة’.

الدول المشاركة، من نيجيريا إلى كمبوديا وزيمبابوي، ترى في العرض الصيني فرصة نادرة: نقل التكنولوجيا، بناء قدرات محلية، وإدراجها ضمن سلاسل التوريد بدلاً من تركها على هامش السوق العالمية.

هذا النمط من الشراكات يمنح الصين قوة ناعمة إضافية، لا تعتمد فقط على الإنتاج والمعالجة، بل تهدف إلى خلق نظام بديل تتحرك فيه بكين كقوة محورية.

بينما يطالب الغرب بشفافية أكبر في سلاسل الإمداد، تسعى الصين لتقديم نموذج ‘متعدد الأقطاب’ في إدارة المعادن، يضمن لها دوراً أكبر في صياغة المعايير الدولية.

أوروبا تحاول تجاوز الصدمة… لكن الخيارات محدودة

لم يخف القادة الأوروبيون امتعاضهم من القيود الصينية، سواء من خلال التصريحات التي تابعتها شاشوف أو من خلال الصياغة المبطنة في بيان قمة العشرين. بينما تتحدث بروكسل عن ‘الإجراءات التجارية الأحادية’، يدرك الأوروبيون أنهم أخفقوا في بناء بديل حقيقي لصناعات المعالجة الصينية خلال العقدين الماضيين.

يواجه قطاع الصناعات الألمانية واليابانية معضلة: كيف يمكن الاستغناء عن الصين عندما تشمل القيود عناصر تُستخدم في الصناعات العسكرية؟ محاولات واشنطن لإنشاء سلسلة إمداد بديلة لم تحقق تقدماً كبيراً؛ فالدول الغنية بالمعادن تطلب شيئاً أكثر من مجرد شراء مواد خام.

في البرازيل، أوضح الرئيس لولا دا سيلفا الموقف المشترك لمعظم دول الجنوب: لن تكون قارتنا مجرد مورد خام. هذه الرسالة أربكت الأوروبيين؛ فهي تتلاقى مع النظرة الصينية التي تفضل شراكات التصنيع المشترك بدلاً من تزويد الغرب بمواد نصف مصنعة.

وتبقى المشكلة الأوروبية أكبر من مجرد القيود الصينية؛ فهي تتعلق بعجز هيكلي في القدرة الصناعية على معالجة المعادن، وهي عملية تتمتع فيها الصين بخبرة يصعب تعويضها بسرعة مهما بلغت الاستثمارات الغربية.

الصين وأمريكا على طاولة واحدة

لم تمنع الحرب التجارية بين واشنطن وبكين الطرفين من الجلوس مجدداً للتفاوض بشأن تراخيص المعادن النادرة. فالولايات المتحدة، رغم خطابها الحازم، تدرك أنها تعتمد على الصين في عشرات المواد التي لا يمكن تصنيع الرقائق أو المعدات العسكرية دونها.

تهدف المحادثات حول ‘التراخيص العامة’ إلى إيجاد صيغة تسمح بتدفق المواد الحساسة دون عوائق، مع مراعاة هواجس الأمن القومي للطرفين. لكن بكين تدرك أنها في موقع قوة؛ فالتكنولوجيا الأمريكية لا تكتمل دون المعادن الصينية، والدول الأوروبية لا تملك بدائل جاهزة.

هذا الواقع لا يمنع الصين من تقديم صورة ‘الشريك المسؤول’ للدول النامية. وفي القارة الإفريقية بشكل خاص، يتردد الخطاب الصيني حول بناء قدرات محلية، وهو خطاب يجد صدى لدى الحكومات التي سئمت من عقود من التبعية للغرب.

ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة في الغرب من أن الصين تستخدم نفوذها لإعادة تشكيل منظومة المعادن عالمياً بما يتجاوز المنافسة التجارية، إلى تحديد مستقبل الصناعات الاستراتيجية ذاتها.

الملف الذي ظهر في قمة العشرين لم يكن صراعاً تجارياً بل كشفاً عن تحول بنيوي في ميزان القوة الاقتصادية. الصين لم تعد لاعباً ضمن لاعبين؛ بل أصبحت مركز الثقل الذي تدور حوله سلاسل الإمداد، خصوصاً في القطاعات العسكرية والتكنولوجية.

بينما يحاول الغرب إعادة بناء نفوذه عبر التحالفات أو الاستثمارات، تعمل الصين على توسيع دائرة الدول الصديقة، مسلحة بنموذج اقتصادي أكثر جاذبية للدول النامية، وتجربة صناعية لا يمكن منافستها بسهولة.


تم نسخ الرابط