السفن تستأنف رحلاتها إلى البحر الأحمر بشكل تدريجي.. شركات النقل البحري تتوقع استمرار الهدوء النسبي – شاشوف

السفن تستأنف رحلاتها إلى البحر الأحمر بشكل تدريجي شركات النقل


تظهر علامات تحسن في حركة الشحن عبر البحر الأحمر، حيث بدأت شركات النقل الكبرى، مثل ‘ميرسك’، إعادة جدولة خدماتها بسبب انخفاض المخاطر الأمنية المرتبطة بالصراعات في المنطقة. بعد أكثر من عامين من الالتفاف حول مسارات أطول، تعتبر هذه العودة مؤشرًا إيجابيًا للسوق، مما قد يرفع الطاقة الاستيعابية ويسهم في تقليل أسعار الشحن. ومع ذلك، حذر المحللون من أن العودة إلى مستويات الحركة العادية ستستغرق وقتًا، وسط تحديات إضافية تتعلق بالتباطؤ المتوقع في التجارة العالمية. تبقى الاعتبارات الأمنية والاقتصادية محور اهتمام الشركات أثناء إعادة هيكلة خدماتها.

أخبار الشحن | شاشوف

بدأت بوادر الانفراج تلوح في البحر الأحمر، وهو من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، مع بدء العودة التدريجية لسفن الحاويات العملاقة، بعد أكثر من عامين من الاضطرابات الأمنية التي اضطرت شركات الشحن لتغيير مساراتها إلى طرق أطول وأكثر تكلفة.

تشير وكالة بلومبيرغ في تحليل اطلعت عليه شاشوف بهذا الصدد، إلى أن كبرى شركات النقل البحري، مثل الشركة الدنماركية “ميرسك”، بدأت في إعادة تقييم استراتيجياتها التشغيلية، في ضوء ما تعتبره تحسناً نسبياً في مستوى المخاطر الأمنية المرتبطة بالهجمات على السفن العابرة للمنطقة بسبب الحرب في غزة.

عودة حذرة ولكن ذات مغزى

يعتبر إعلان “ميرسك” عن إعادة توجيه إحدى خدماتها المنتظمة عبر البحر الأحمر وقناة السويس بمثابة إشارة قوية إلى تغيير في تقييم المخاطر، خصوصاً أن الشركة تُعرف بتوجهها الحذر تجاه مناطق النزاع.

وحسب متابعات شاشوف، كانت هذه الخدمة تمر خلال العامين الماضيين حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، في رحلة أطول كلفتها وقتاً وتكاليف إضافية. ويرى مراقبون أن خطوة “ميرسك” مرتبطة بتقييم أوسع لمشهد أمني إقليمي أقل توتراً مما كان عليه خلال ذروة الأزمة، رغم بقاء الوضع هشاً وقابلاً للتدهور.

في هذا السياق، اعتبر لارس ينسن، الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوتشي ماريتايم”، أن هذا الإجراء قد يكون بداية لعودة أكبر، متوقعاً أن تراقب شركات الشحن الأخرى هذه الخطوة عن كثب قبل اتخاذ قرارات مشابهة، خصوصاً بعد انتهاء عطلة رأس السنة الصينية في النصف الثاني من فبراير المقبل، كما ذكرت بلومبيرغ.

إن تقليص المسافات البحرية بالعودة إلى مسار البحر الأحمر لا يؤثر فقط على زمن الرحلات، بل يمتد تأثيره إلى بنية سوق الشحن العالمية ككل، حيث يعني اختصار الوقت عملياً زيادة الطاقة الاستيعابية المتاحة للأسطول العالمي، إذ تستطيع السفن القيام بعدد أكبر من الرحلات سنوياً، وهو ما قد يفرض ضغوطاً إضافية على أسعار الشحن الفورية التي استفادت، خلال العامين الماضيين، من نقص السعة الناتج عن تغيير المسارات.

تظهر أهمية هذا التحول إذا أخذ بعين الاعتبار أن بضائع تزيد قيمتها على تريليوني دولار كانت تعبر هذا الممر في عام 2023 وحده وفق بيانات اطلعت عليها شاشوف من “كلاركسون ريسيرتش سيرفيسز”، مما يجعل أي تغير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر له انعكاسات مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية.

إعادة هيكلة الخدمات الملاحية

في هذا الإطار، كشفت “ميرسك” أن خدمة بحرية تربط الهند والإمارات بالساحلين الشرقي والخليجي للولايات المتحدة ستخضع لـ’تغيير هيكلي’.

وقد بدأت أولى ملامح هذا التعديل بسفينة غادرت ميناء جبل علي في دبي متجهة غرباً، بينما أبحرت أول سفينة في الاتجاه المعاكس عبر قناة السويس من ميناء سافانا الأمريكي في وقت سابق من الأسبوع.

رغم وصف الشركة لهذه الخطوة بأنها “لحظة فارقة”، فإنها أكدت في الوقت نفسه على احتفاظها بخطط طوارئ تتيح العودة السريعة إلى مسار رأس الرجاء الصالح في حال تدهور الأوضاع الأمنية، مشددة على أن سلامة الطواقم تظل أولوية لا تقبل المساومة.

وأظهرت بيانات استشارية ذكرتها بلومبيرغ أن عددًا من السفن التابعة لشركتي “إم إس سي” السويسرية، أكبر ناقل حاويات في العالم، و”سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية، ثالث أكبر شركة في القطاع، عبرت قناة السويس مؤخرًا.

تشير بيانات “ألفالاينر” التي تابعها شاشوف إلى أن هذه الشركات الثلاث تمتلك مجتمعة نحو 48% من الطاقة العالمية لنقل الحاويات، مما يضفي وزناً استثنائياً على تحركاتها في تحديد اتجاهات السوق.

يرى محللون أن أهمية خطوة “ميرسك” ليست مقتصرة على عدد السفن أو نوعية الخدمات التي أعيد تشغيلها، لأن الشركة كانت من أكثر اللاعبين تحفظًا بشأن العودة إلى البحر الأحمر، مما يجعل قرارها نقطة تحول نفسية وتشغيلية لبقية السوق.

على الرغم من هذا التحسن، لا تزال حركة العبور عبر قناة السويس بعيدة عن مستواها الطبيعي، ففي الأسبوع المنتهي يوم الأحد الماضي، عبرت القناة 26 سفينة حاويات، وهو أعلى رقم في خمسة أسابيع، لكنه يظل أقل بكثير من المتوسط الأسبوعي الذي كان يدور حول 80 سفينة قبل بدء تحويل المسارات في أواخر 2023، وفق بيانات يتتبعها شاشوف أسبوعياً من مؤشر “دروري”.

يتفق المحللون على أن العودة إلى الجدولة الملاحية الطبيعية ستستغرق وقتًا، قد يمتد من ثلاثة إلى خمسة أشهر، طبقًا لتقديرات بيتر ساند، كبير المحللين في منصة “زينيتا”، شريطة استمرار الاستقرار الأمني وعدم اندلاع توترات جديدة في المنطقة.

حسابات دقيقة لتجنب الصدمات

تتعامل شركات الشحن بحذر شديد في عملية العودة، إذ تسعى لتفادي سيناريوهات ازدحام الموانئ الناتج عن التغييرات المفاجئة في الجداول، أو حدوث فائض كبير في السعة يؤدي إلى انخفاض الأسعار إلى مستويات غير مربحة، كما تحرص على عدم الإضرار بموثوقية خدماتها عبر التردد بين المسارات، وهو ما قد يربك العملاء وسلاسل التوريد.

في الوقت نفسه، تواجه شركات النقل تحديات إضافية تتعلق بتباطؤ متوقع في نمو تجارة السلع العالمية بحلول عام 2026. فقد توقعت “أكسفورد إيكونوميكس” أن يقتصر نمو التجارة العالمية هذا العام على 1.7%، مقارنة بـ4.9% في 2025، مما يعني أن الطلب لن يكون كافياً لامتصاص أي زيادة كبيرة في الطاقة الاستيعابية.

هذه المعطيات مجتمعة تنعكس فعلياً على الأسواق المالية، إذ تراجعت أسهم “ميرسك” بأكثر من 5% عقب الإعلان عن العودة، كما انخفضت أسهم “هاباغ لويد” الألمانية، الشريكة لـ ‘ميرسك’ في تحالف “جيميني”، بأكثر من 3%، وسط مخاوف المستثمرين من تآكل الأرباح مع تراجع أسعار الشحن.

كانت تحويلات المسارات بعيدًا عن البحر الأحمر قد امتصت نحو 7% من السعة العالمية لنقل الحاويات، مما دعم الأسعار والأرباح خلال العامين الماضيين. ومع تراجع هذه التحويلات تدريجيًا، يتوقع محللو “بلومبيرغ إنتليجنس” أن تتعرض الأسعار لمزيد من الضغوط نتيجة اختلالات العرض والطلب.

حذر مستمر

رغم المؤشرات الإيجابية، يحذر المحللون من أن المشهد لا يخلو من مخاطر كامنة، خاصة مع احتمال حدوث تغيرات في سياسات إيران المتعلقة بمضيق هرمز، مما قد يعيد خلط الأوراق في أحد أهم مفاصل الملاحة العالمية.

في النهاية، تبدو العودة التدريجية للسفن إلى البحر الأحمر خطوة مهمة نحو استعادة انسيابية التجارة بين الشرق والغرب، لكنها تظل عودة مشروطة بحسابات أمنية واقتصادية دقيقة، في عالم لا يزال مثقلاً بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات الطلب العالمي.


تم نسخ الرابط