الرسوم الجمركية كأداة للسيطرة: الخطة الشاملة لترامب – بقلم قش

الرسوم الجمركية كأداة للسيطرة الخطة الشاملة لترامب بقلم قش


شهدت سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارية تقلبات ملحوظة، حيث استخدم الرسوم الجمركية كوسيلة تفاوضية، رغم أن العديد من التهديدات لم تُنفذ. وفقًا لتحليل ‘بلومبيرغ’، فرض ترامب رسوماً غير مسبوقة على دول كبرى مثل الصين وأوروبا، ولكن التطبيق كان محدودًا. هذا النهج أثر على مصداقية الإدارة الأمريكية وخلق حذرًا لدى الحلفاء. كما أدت الرسوم إلى عدم استقرار الأسواق المالية، حيث تفادت هذه التهديدات تنفيذها الفعلي. رغم هذا، أشار ترامب إلى أن السياسات الحمائية أحيَت قطاع التصنيع وعززت الإيرادات الحكومية، مما يعكس توترًا بين الضغوط الخارجية والاستقرار الداخلي.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تجرب سياسة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التجارية خلال السنوات الأخيرة تقلبات سريعة، حيث تحولت الرسوم الجمركية من أداة اقتصادية تقليدية إلى وسيلة تفاوضية وسياسية معقدة، تحمل رسائل متعددة للدول الأخرى، ولها تأثير بالغ على الأسواق المالية وثقة الحلفاء الأوروبيين.

من خلال تحليل نشرته “بلومبيرغ”، اطلع عليه مرصد “شاشوف”، فمنذ عودته إلى الحكم، أعلن ترامب عن مجموعة من الرسوم الجمركية غير المسبوقة منذ قرن، شملت دولاً كبيرة مثل الصين وأوروبا، بالإضافة إلى المكسيك وكندا، ومنتجات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والأفلام الأجنبية. لكن التطبيق الفعلي لهذه الرسوم كان ضئيلاً، حيث تم تنفيذ جزء بسيط فقط من التهديدات، وتمت إلغاء أو تأجيل العديد منها تحت ضغوط تهديدات الرد من الدول المستهدفة أو بسبب ردود الفعل من الأسواق المالية.

أحدث مثال على هذا النمط كان تهديد ترامب بفرض رسوم على الدول الأوروبية بسبب صفقة غرينلاند، حيث أعلن عن رسوم تبدأ من 10% في فبراير وتصل إلى 25% في يونيو ما لم يتم التوصل إلى اتفاق لشراء الجزيرة بالكامل، حسب متابعات شاشوف.

وعلى الرغم من التصريحات الحادة، إلا أن ترامب تراجع سريعاً بعد استجابة جزئية من أوروبا، مما يعكس نمطاً ثابتاً وُصف بـ “تجارة تاكو” أو TACO trade، أي ‘ترامب يتراجع دوماً’.

الرسوم كأداة ضغط تفاوضي

تستخدم الإدارة الأمريكية الرسوم الجمركية بشكل استراتيجي لتحقيق مكاسب سياسية وتجارية، وليس بالضرورة للتطبيق الفعلي. اعتبر ترامب أن مجرد التهديد بالرسوم يمنحه نفوذاً للوصول إلى تنازلات، مثل الحصول على معادن حيوية أو حل النزاعات التجارية العالمية.

وأشار تيم ماير، أستاذ القانون في جامعة ديوك، إلى أن هذا النهج أدى إلى أزمة في المصداقية مع الدول الأخرى، التي أصبحت تدرك نمط التهديدات الأمريكية وتتعامل معها بحذر. فعندما يعلن ترامب عن صفقة أو فرض رسوم، يبدأ الآخرون في انتظار التراجع المحتمل قبل اتخاذ أي خطوة، مما يقلل من فاعلية التهديدات مع مرور الوقت.

كما ظهرت استراتيجية “الرسوم الثانوية”، حيث تُمارس الضغوط ليس مباشرةً على الدولة المستهدفة، بل على شركائها التجاريين، كما في حالة إيران وفنزويلا وروسيا، بهدف التأثير على السياسات الداخلية لهذه الدول دون أن تؤثر مباشرة على العلاقات التجارية الأمريكية. هذا الأسلوب يعكس استغلالاً تفاوضياً محفوفاً بالمخاطر، خاصةً مع الاقتصادات الكبيرة مثل الصين والهند.

تأثرت الأسواق المالية الأمريكية بالتقلبات في سياسة الرسوم الجمركية، حيث شهدت الأسهم الأمريكية وسندات الخزانة تراجعًا الأسبوع الماضي مع تفاقم الخلاف حول غرينلاند، قبل أن تتعافى بعد الإعلان عن اتفاق. يشبه هذا النمط ما حدث سابقًا مع الرسوم المتبادلة التي أعلن عنها ترامب في أبريل 2025، والتي تم تعليقها وسط اضطرابات السوق.

تشير هذه التفاعلات، وفقاً لـ بلومبيرغ، إلى أن المستثمرين والأسواق باتوا يأخذون في اعتبارهم احتمال تراجع ترامب ضمن توقعاتهم، مما يعكس عدم الاستقرار في السياسة الاقتصادية وتذبذبها بالنسبة للمؤشرات المالية العالمية.

أثارت تهديدات ترامب الجمركية استياء واسعاً بين حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، الذين اعتبروها سلوكًا عدائيًا غير متناغم مع التزاماتهم السابقة. وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن “الصفقة هي صفقة، وعندما يتصافح الأصدقاء، يجب أن يكون لذلك معنى”، معبرةً عن فقدان الثقة في الالتزامات الأمريكية.

واعتبر جيمسون غرير، الممثل التجاري الأمريكي، أن الاتحاد الأوروبي فشل في الوفاء بالتزاماته رغم جهود الولايات المتحدة السريعة لخفض الرسوم، وأن هناك قضايا متعددة تتعلق بالسياسة الخارجية والاقتصاد تتجاوز نطاق الاتفاق، مشيراً، وفقًا لتحليلات شاشوف، إلى ضرورة عدم استخدام هذه القضايا كذرائع للتأخير.

داخلياً، يشير ترامب إلى أن سياساته الحمائية أسهمت في إنعاش قطاع التصنيع الأمريكي، بالإضافة إلى توليد إيرادات حكومية تصل إلى نحو 30 مليار دولار شهرياً من الرسوم الجمركية. لكن الضرائب أدت أيضاً إلى زيادة حادة في الأسعار للمستهلك الأمريكي.

حتى مؤيدو السياسات الحمائية عبروا عن مخاوفهم من تقلبات الرسوم الجمركية، معتبرين أن تهديد أوروبا بالرسوم قد يؤثر سلبًا على مصالح الولايات المتحدة ويؤثر على استقرار الاتفاقات القائمة مسبقاً. ويرى أورين كاس، رئيس مركز “معهد أمريكان كومباس”، أن تكرار فرض الرسوم قد يقلل من جدية المفاوضات التجارية المستقبلية ويقوض ثقة الشركاء.

يخلص تحليل شاشوف إلى أن الرسوم الجمركية أصبحت سلاحاً تفاوضياً متعدد الأبعاد، يُستخدم لتحقيق مكاسب سياسية وتجارية مع تأثيرات عميقة على الأسواق المالية وثقة الحلفاء. ورغم أن العديد من التهديدات لم تُنفذ، فإن مجرد الإعلان عنها منح الإدارة الأمريكية نفوذًا مؤقتًا، لكنه يواجه تحديات متزايدة في المصداقية مع الوقت.

تُظهر استراتيجية ترامب التوتر المستمر بين الضغوط الخارجية والاستقرار الداخلي، وبين التهديدات والتطبيق الفعلي، مما يجعل التجارة الدولية أداة ديناميكية ومتغيرة، يتم إعادة رسم حدودها دائمًا وفقاً لتطورات السياسة والاقتصاد العالمي.


تم نسخ الرابط