رغم اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تظل الشركات العالمية للشحن hesitant بشأن العودة إلى البحر الأحمر، نظرًا للاعتداءات المستمرة من الحوثيين على السفن. تشير التقديرات إلى أن المخاطر البحرية ستبقى قائمة، مما يعيق عودة الشحنات إلى قناة السويس بشكل سريع. تتوقع الشركات أن العودة التدريجية ستؤدي إلى زحام في الموانئ وارتفاع مؤقت في أسعار النقل، قبل أن تعود الأسعار إلى الانخفاض. ومع ذلك، ستظل الثقة مفقودة حتى يتحقق استقرار أمني سياسي شامل في المنطقة، مما يعني أن حركة النقل عبر قناة السويس قد لا تعود لطبيعتها قبل نهاية 2026.
أخبار الشحن | شاشوف
على الرغم من توصل الأطراف إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، إلا أن شركات الشحن العالمية لا تعتزم العودة بشكل سريع إلى الممر البحري الأكثر أهمية وحساسية، وهو البحر الأحمر.
إن الهجمات التي نفذتها قوات صنعاء ضد السفن التجارية التي ترتبط بإسرائيل على مدى العامين الماضيين قد غيرت بشكل كبير خريطة النقل البحري العالمية، مما دفع التحالفات الكبرى لإعادة تحديد مساراتها بعيداً عن قناة السويس. واليوم، حتى في ظل الهدوء النسبي، تبدو العودة إلى الوضع السابق غير مرجحة.
يؤكد خبراء الملاحة البحرية أن وقف القتال في غزة لا يعني انتهاء المخاطر في البحر الأحمر. ووفقاً لمحللين في قطاع النقل البحري نقلتهم شبكة CNBC، يعكس الحوثيون أنشطتهم ارتباطاً بالملف الفلسطيني، حيث صرح قائد الحوثيين بوضوح أنهم سيستمرون في مراقبة الأوضاع في غزة، وبناءً على ذلك سيتحدد مصير الوضع في البحر الأحمر.
تضع هذه الظروف شركات الشحن أمام تحدٍ حقيقي، فحتى مع توقف القتال في غزة، تبقى التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة قائمة عبر الممر الممتد من مضيق باب المندب إلى قناة السويس بسبب اضطرابات ما بعد الحرب.
يقول آلان مورفي، الرئيس التنفيذي لشركة “سي إنتليجنس” (Sea Intelligence)، إن “المنظر لا يزال في بدايته، ولا يمكن لأي شركة أن تخاطر بطواقمها أو ببضائعها في منطقة مفتوحة على جميع الاحتمالات”.
معضلة جيوسياسية معقدة
توضح الشركات العالمية في قطاع الشحن البحري أن اتخاذ القرار بالعودة إلى البحر الأحمر ليس مجرد مسألة تقنية أو تجارية بل هو سياسي وأمني في المقام الأول.
يمر هذا الممر في منطقة مليئة بالتوترات، وتتعقد الأمور بتداخلات عسكرية تشمل اليمن وإسرائيل والولايات المتحدة. لذلك، يرى المراقبون أنه لن تعود شركات الملاحة إلا بتوافر ضمانات قوية جداً بعدم تجدد الهجمات، مع تعزيز الوجود العسكري الغربي في المنطقة.
يقول مورفي: “قطع اللغز الجيوسياسي لم تكتمل بعد، وما زالت خطوط الشحن تنتظر التزامات حازمة من الحوثيين ومن القوى الكبرى قبل أن تعود إلى المسار القديم”. ويشير محللون إلى أنه حتى إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، فإن الثقة المفقودة لن تُستعاد بسرعة، بسبب حجم الخسائر التي تكبدتها الشركات، سواء في السفن المستهدفة أو في تكاليف التأمين والنقل البديل حول أفريقيا.
الانتقال من طريق رأس الرجاء الصالح إلى قناة السويس ليس قراراً فورياً. فكل مسار شحن يحتاج إلى أسطول من السفن العاملة بنظام دورات زمنية دقيقة. ويوضح مورفي أن “إعادة مسار أسبوعي واحد فقط يتطلب 14 سفينة في دورة تستغرق 98 يوماً، مما يعني أن إعادة هيكلة شبكة واحدة قد تستغرق عدة أشهر”.
أيضاً، فإن العودة السريعة قد تؤدي إلى ازدحام شديد في الموانئ الأوروبية والآسيوية، حيث ستصل السفن من كلا المسارين (الأفريقي والبحر الأحمر) في توقيت مشابه، مما يُشكل ضغطاً هائلاً على الموانئ وسلاسل التوريد.
يعتقد الخبراء أن هذا الازدحام قد يستمر بين شهرين إلى ستة أشهر في أسوأ السيناريوهات، مما يتسبب في تباطؤ عمليات التفريغ، وتأخير الشحنات، وخلق نقص مصطنع في عدد السفن المتاحة للرحلات الجديدة.
الأسعار تحت ضغط التقلّبات
يتوقع أن تؤدي العودة التدريجية إلى قناة السويس إلى انتكاسات في أسعار النقل البحري العالمية وفقاً لقراءة شاشوف، حيث سيساهم اختلال التوازن بين العرض والطلب في الأسابيع الأولى في ارتفاع كبير بالأسعار الفورية.
تشير التجارب السابقة إلى أن الأسعار قد ترتفع مؤقتاً بمقدار من 3 إلى 5 أضعاف مقارنة بالمعدلات طويلة الأجل، قبل أن تنخفض مجدداً مع استقرار حركة السفن.
لكن على المدى البعيد، ومع عودة الأساطيل إلى مسار البحر الأحمر، فإن توافر عدد كبير من السفن – التي أُضيفت سابقاً لتغطية المسافات الطويلة حول أفريقيا – سيؤدي إلى فائض في الطاقة التشغيلية.
ويحذر مورفي من أن هذا الفائض “قد يدفع أسعار الشحن إلى مستويات منخفضة مشابهة لما كانت عليه قبل أزمة 2023، وربما أقل، بسبب فائض السفن مقارنة بالطلب”.
ويتوقع الخبراء أن تكون شركات التحالفات البحرية الكبرى – مثل “أوشن ألاينس” و”بريمير ألاينس” و”جيميني”، بجانب “إم إس سي” (MSC) أكبر مشغل في العالم – في طليعة العائدين إلى البحر الأحمر، ولكن بشكل تدريجي وعلى مراحل مختلفة.
تمنح العودة المبكرة ميزة تنافسية من حيث تكلفة الوقود وسرعة التسليم، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر جسيمة إذا ما تجددت الهجمات. ويرى المحللون الذين اطلعت شاشوف على تقديراتهم أن الشركات الأكثر حرصاً على استئناف العبور عبر قناة السويس ستكون “إم إس سي” و”سي إم إيه سي جي إم” و”زيم”، نظراً لاعتمادها الكبير على أسواق شرق المتوسط المتضررة بشدة جراء إغلاق الممر الحيوي.
ومع ذلك، يُتوقع أن تبدأ هذه العودة تدريجياً فقط عندما تتحقق مؤشرات واضحة على استقرار الأوضاع الأمنية، وقدّر مورفي أن التوقيت الواقعي لعودة الحركة إلى طبيعتها “قد لا يكون قبل الربع الأخير من 2026”.
من البحر الأحمر إلى سلاسل التوريد العالمية
استمرار تحويل المسارات البحرية عبر رأس الرجاء الصالح يضيف أسابيع إضافية إلى زمن الشحن بين آسيا وأوروبا، مما يزيد من التكلفة النهائية للبضائع في الأسواق العالمية.
هذه التكاليف لا تتحملها شركات النقل فقط، بل تنتقل إلى المستهلكين عبر ارتفاع أسعار السلع المستوردة والمواد الخام.
كما يؤثر هذا التحول على الاقتصادات المصدّرة للنفط والغاز في الشرق الأوسط، حيث يزيد من تكاليف النقل ويطيل مدة الوصول إلى الأسواق الآسيوية.
ويشير محللون إلى أن هذا الوضع، إذا استمر حتى 2026، قد يدفع بعض الشركات العالمية إلى التفكير في إعادة تموضع مراكزها اللوجستية بعيداً عن قناة السويس، مما يُضعف مكانة هذا الممر الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية.
ويؤكد الخبراء أن الهدنة بين إسرائيل وحماس لا تمثل سوى خطوة محدودة نحو الاستقرار في البحر الأحمر وفقاً لما نقلته شاشوف. حيث تحولت الهجمات اليمنية إلى أداة ضغط إقليمية مستقلة، والمخاطر البحرية أصبحت جزءاً من المشهد الأمني للمنطقة.
حتى إذا تم تحقيق السلام في غزة، فإن استعادة الثقة في خطوط الملاحة العالمية ستتطلب تسوية أوسع تشمل الملف اليمني وضمانات دولية لحماية الممرات التجارية.
مع هذه المعطيات، يبدو أن قناة السويس ستبقى لفترة طويلة خالية من جزء كبير من الأسطول التجاري العالمي، حتى تستعيد المنطقة توازنها الأمني والسياسي، وهو ما قد لا يحدث قبل أواخر عام 2026 على أفضل تقدير.
