في عام 2026، دخل الاقتصاد في قطاع غزة مرحلة ‘الاندثار المؤسسي’، حيث تراجع مفهوم ‘الدورة الاقتصادية’. تعاني غزة من أزمات معيشية حادة نتيجة الحصار وتدمير البنية التحتية، ما أدى إلى انعدام الاستهلاك والإنتاج. البطالة تفوق 77%، والدخل الشهري لا يكفي للضرورات الأساسية. الأسعار ارتفعت بشكل جنوني، مما جعل العملة عاجزة عن تحقيق التبادل. المواطنون مضطرون لبيع ممتلكاتهم أو الاستدانة لتوفير الطعام، بينما تحولت الخدمات الأساسية إلى سلع تجارية باهظة. الواقع الاقتصادي الحالي يهدد النسيج الاجتماعي ويخلف آثارًا ستستمر لعقود، دون أي خطط لإعادة الإعمار أو التعافي.
الاقتصاد العربي | شاشوف
بدأ المشهد الاقتصادي في قطاع غزة مع بداية عام 2026 يتجاوز الأوصاف التقليدية للأزمات، ليدخل في مرحلة ‘الاندثار المؤسسي’ الشامل. لم يعد الصراع مرتبطاً بمستويات الفقر فحسب، بل حول اختفاء مفهوم ‘الدورة الاقتصادية’ بشكل كلي. يُظهر القطاع حالياً عملية ‘تصفير’ متعمدة لكل عناصر الإنتاج والاستهلاك، حيث تضافرت سياسات الحصار مع تدمير البنى التحتية لإرساء واقع جيوسياسي واقتصادي جديد يهدف لتحويل المجتمع الغزي من مجتمع منتج إلى كتلة بشرية معطلة تعيش في حالة ‘انكشاف معيشي مطلق’.
تسبب هذا التحول الجذري في تلاشي الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، إذ انصهرت الطبقة الوسطى من موظفين وأصحاب مهن في بوتقة الفقر، وانتهى بهم المطاف في طوابير طويلة بانتظار المساعدات، التي أصبحت أداة ضغط سياسي وبيولوجي.
نجم عن الحرب واقع اقتصادي مشوه يتسم بـ ‘تضخم الفراغ’، حيث ترتفع الأسعار بشكل جنوني ليس بسبب زيادة الطلب بل نتيجة انعدام العرض وتدمير سلاسل التوريد بالكامل. جعل هذا الوضع العملة النقدية، رغم ندرتها، تفقد وظيفتها كأداة للتبادل المستقر، لتتحول إلى وسيلة ملاحقة فاشلة خلف السلع الأساسية التي تُباع بأسعار مضاعفة آلاف المرات.
الانهيار الحالي ليس فقط نتيجة العمليات العسكرية، بل هو ثمرة سياسة ‘التجويع الممنهج’ التي استهدفت تدمير الأسواق المحلية والمشاريع الصغيرة وقطع الأراضي الزراعية. أصبحت المواد الغذائية والدوائية والمياه عرضة للتلاعب من قبل تجار الحروب في غياب أي سلطة رقابية قادرة على وقف الانفلات السعري الذي يأكل ما تبقى من أرزاق السكان.
في هذا السياق القاتم، يبدو تآكل القدرة الشرائية كأحد أخطر مظاهر الأزمة، إذ لم يعد الدخل الشهري للموظفين – الذي يُصرف جزئياً – كافياً لتلبية احتياجات أسبوع واحد من المتطلبات الأساسية. هذا الخلل الهيكلي دفع الأسر لاستنزاف مدخراتها بالكامل، ثم الانتقال لمرحلة ‘الاستدانة الوجودية’ أو بيع ممتلكاتها البسيطة من أجل تأمين وجبات الطعام. إنها حالة من ‘الانتحار الاقتصادي القسري’، حيث يضحي المجتمع بمستقبله ومدخرات أجياله الحالية من أجل البقاء، مما سيخلق فجوة تنموية واجتماعية ستعاني آثارها لعقود طويلة بعد انتهاء النزاع، دون وجود أي خطط دولية جادة لإعادة الإعمار أو ضخ السيولة في عروق الاقتصاد المحلي.
ورغم محاولات الصمود البطولية من السكان، تشير المؤشرات العامة إلى أن غزة تعاني من ‘اقتصاد ما تحت الصفر’. الاعتماد شبه الكلي على المساعدات الخارجية، التي تصل بشكل محدود وتتعرض لمزاجية المعابر، جعل الاقتصاد الغزي يفقد صفة الاستقلالية، ويصبح ‘اقتصاد إغاثي بامتياز’، ضائعة فيه كرامة الفرد بين الحاجة الملحة وتقييد المساعدات. إن تداخل عوامل البطالة العالية، وتآكل الدخول، وارتفاع الأسعار بشكل فلكي، خلق حلقة مفرغة من الفقر متعدد الأبعاد، تتجاوز نقص المال إلى حرمان من الخدمات الأساسية والتعليم والبيئة الصحية، مما يهدد باندلاع انفجار اجتماعي محتمل نتيجة ضغط معيشي بلغ نقطة الانفجار.
موت ‘العمل’ وتحول المهارات البشرية إلى عبء معطل
يعد الشلل الذي أصاب سوق العمل في قطاع غزة بمثابة الضربة القاضية للعمود الفقري للمجتمع، إذ تشير البيانات من الهيئات الدولية والمحلية إلى أن معدلات البطالة وصلت إلى مستويات كارثية تجاوزت 77%، مما يعني عملياً توقف الحياة المهنية لثلاثة أرباع القوة العاملة. لم يُنتج هذا الانهيار نتيجة طبيعية، بل كان ثمرة للتدمير المباشر للمناطق الصناعية والمشروعات الصغيرة التي كانت تستوعب آلاف العمال. فقد العامل الغزي مكانه في الهيكل الإنتاجي، وتحولت مهاراته المكتسبة على مر السنين إلى ‘رأس مال معطل’ لا يستطيع استغلاله، مما أدى إلى شعور جماعي بالإحباط والانزلاق القسري عن القوى العاملة النشطة.
هذا التدهور الهيكلي أدى إلى انخفاض حاد في نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى مستويات متدنية جداً (38%)، مما يعكس ظاهرة ‘اليأس الوظيفي’، حيث توقف مئات الآلاف عن البحث عن عمل بسبب انعدام الفرص. يمثل هذا الانفصال بين المواطن وسوق العمل تهديداً استراتيجياً على المدى الطويل؛ إذ يفقد العامل المعطل لفترات طويلة مهاراته التقنية، وتضمحل قدرته على العطاء، مما يجعل عملية إعادة تأهيل العمالة في مرحلة ما بعد الحرب مهمة معقدة تتطلب استثمارات هائلة. علاوة على ذلك، فإن تحول العمال المهرة إلى عمالة غير منتظمة تبحث عن أعمال هامشية لتأمين الحد الأدنى من القوت اليومي، يؤدي إلى ‘انحدار كفاءة’ القوى البشرية، ويقضي على أي فرصة مستقبلية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة أو الصناعة.
وعلى صعيد آخر، يعيش القطاع العام والموظفون الحكوميون أزمة ‘الرواتب المنقوصة’، التي تآكلت قيمتها الفعلية بأكثر من 60% جراء الأزمات المالية وتوقف التحويلات النقدية. الموظف الذي كان يمثّل صمام الأمان للاستهلاك المحلي أصبح اليوم عاجزاً عن تغطية فواتير الغذاء، حيث فقدت الرواتب المبتورة قدرتها على مجابهة التضخم الجامح. إن هذا النزيف في الدخول لا يقلل من الإنفاق فحسب، بل أدى أيضاً إلى توقف الحركة التجارية في الأسواق المحلية، وخلق ركوداً تضخمياً خانقاً تمزق فيه القوة الشرائية بين شح النقد وارتفاع الأسعار، مما يجعل الوظيفة عبئاً نفسياً بدلاً من كونها مصدر استقرار.
غياب برامج الدعم المباشر أو صناديق التعويض عن البطالة، في ظل تدمير القطاع الخاص، جعل المجتمع الغزي يواجه حالة من ‘التيه المهني’. فلم تسرق الحرب الوظائف فحسب، بل سلبت ‘المستقبل الوظيفي’ للشباب والخريجين الجدد الذين وجدوا أنفسهم خارج حسابات الزمن الاقتصادي. هذا الواقع المرير يحول البطالة من أزمة اقتصادية إلى قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي والقيمي، حيث ينمو جيل كامل في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الكسب الشريف والمستدام، مما يفتح الأبواب أمام ظواهر اجتماعية سلبية تزيد من تعقيد المشهد الإنساني المتأزم بالفعل.
فوضى الأسعار واندثار الرقابة: تجارة الجوع والموت
تمثل القفزات السعرية في أسواق غزة حالة فريدة من ‘التشوه الاقتصادي القسري’، حيث بلغت معدلات التضخم مستويات تتجاوز عقل الإنسان وتجاوزت 3000% في فترات ذروة الأزمة.
هذا الارتفاع ليس مجرد انعكاس لنقص السلع، بل هو نتاج لمنظومة كاملة من ‘اقتصاد الظل’ التي نشأت على أنقاض المعابر المغلقة وسلاسل التوريد المتضررة. غياب الرقابة الفعلية على الأسواق، والتحكم من قبل قلة من التجار في السلع النادرة التي تصل عبر المساعدات أو عبر ممرات ضيقة، حول لقمة العيش إلى مزاد علني لا يجني ثماره إلا من يملك السيولة، وهم قلة جداً في مجتمع يعاني من جفاف نقدي.
أدى الانفلات السعري إلى تغيير جذري في أنماط إنفاق الأسر، حيث اضطرت العائلات للمفاضلة بين احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها؛ كالرغيف والدواء، أو حليب الأطفال ووقود الطهي. إن وصول أسعار بعض المواد الأساسية إلى مستويات خيالية في ظل فقدان الدخل يعني حتماً إنهاء القدرة الشرائية للفقراء، ويحوّل الأسواق من مراكز للتبادل التجاري إلى ساحات للقصور والعجز.
الميزانية المحدودة للأسر الغزية، التي كانت تكفي بالكاد قبل الحرب، لم تعد اليوم قادرة على الحصول على أبسط مستلزمات البقاء، مما جعل رحلة التسوق اليومية معركة خاسرة تنتهي غالباً بعودة أفرادها فارغين أو محملين بشيء ضئيل لا يكفي.
علاوة على ذلك، فإن الخسائر الاقتصادية التراكمية التي تجاوزت 70 مليار دولار منذ بداية النزاع تعكس حجم الدمار الذي أصاب رأس المال المادي والسلعي. هذا الدمار خلق فجوة هائلة بين العرض المحدود والاحتياجات الهائلة، مما فتح الأبواب أمام ‘احتكار القلة’ واستغلال حاجة الناس. التضخم في غزة لم يعد مجرد ظاهرة مالية يمكن معالجتها بأدوات السياسة النقدية، بل تحول إلى ‘تضخم أمني’ مرتبط بالقدرة على الوصول إلى الغذاء.
استمرار ارتفاع الأسعار بــ 150% حتى في فترات ‘الهدوء النسبي’ يدل على أن الأسواق تعاني من تشوهات هيكلية عميقة، وأن الثقة في استقرار الأسعار قد تلاشت، مما يدفع السكان للتخزين القهري أو المساومة البدائية.
هذا الواقع الضاغط يؤدي بالمجتمع الغزي إلى مواجهة ‘المجاعة الصامتة’، حيث تتوفر السلع على الرفوف بأسعار تجعلها كأنها غير موجودة. الارتفاع الحاد في أسعار الخضراوات واللحوم والسلع التموينية، أجبر الغالبية العظمى على التحول إلى ‘النوع الغذائي الواحد’ المعتمد على المعلبات والمعونات الجافة، مما تسبب في تفشي حالات سوء التغذية وفقر الدم.
إن الحرب الاقتصادية هنا لا تستهدف الجيوب فحسب، بل تستهدف الأجسام والعقول، عبر حرمانها من الحد الأدنى من السعرات الحرارية والبروتينات اللازمة للبقاء، مما يشكل جريمة اقتصادية متكاملة الأركان تتجاوز في خطورتها أرقام العجز المالي والديون.
اقتصاد ‘المصروفات القسرية’
أفرزت الحرب في غزة طبقة جديدة من ‘المصروفات القهرية’ التي لم تكن موجودة قبل عام 2024، وهي تكاليف الخدمات الأساسية التي تحولت من حقوق عامة إلى سلع تجارية باهظة. وجد النازحون والسكان أنفسهم في حاجة لدفع مبالغ يومية مقابل الحصول على مياه الشرب، أو شحن الهواتف، أو شراء الحطب للطهي، أو حتى الحصول على مساحة لنصب خيمة.
هذه التكاليف اليومية، التي تتراوح بين 10 إلى 20 شيكل لكل أسرة، قد تبدو صغيرة في الظروف الطبيعية، لكنها تشكل عبئاً ثقيلاً في مجتمع انعدم فيه الدخل، مما يحوّل التفاصيل الصغيرة للبقاء إلى نزيف مالي دائمي.
تحول الخدمات الحيوية إلى سلع تخضع للمقايضة والمضاربة يبرز كملمح أساسي من ملامح ‘اقتصاد الحرب’ في غزة؛ فالمياه التي كانت تُورَّد عبر الشبكات بأسعار رمزية، أصبحت اليوم تتطلب مجهوداً كبيرًا ومبالغ نقدية فورية. وكذلك الطاقة؛ حيث أدى انقطاع الكهرباء إلى نشوء تجارة ‘شحن البطاريات’ و’بطاقات الإنترنت’ بأسعار استغلالية، مما زاد من عبء الأسر التي تحاول التواصل أو متابعة الأخبار. هذه المصروفات اليومية المتراكمة تؤدي إلى تآكل سريع لما تبقى من سيولة نقدية، وتجبر العائلات على التخلي عن شراء الغذاء من أجل دفع تكاليف الخدمات الحيوية.
هذا الواقع خلق حالة من ‘الفقر المائي والرقمي’، حيث تضطر الأسر لتقنين استهلاك المياه أو تقليل التواصل بسبب التكاليف. كما أن الاعتماد على الحطب كبديل لغاز الطهي المفقود لم يعد خياراً بدائياً، بل أصبح تجارة منظمة يتصاعد سعرها مع زيادة الطلب، مما يضيف طبقة أخرى من المعاناة الاقتصادية والبيئية. إن هذه الأعباء اليومية المستحدثة تعمل على استنزاف ما تبقى من ‘رمق مالي’ في المجتمع، وتحول الأفراد إلى رهائن لخدمات بدائية تعرض بأسعار عالية، في غياب أي تدخل دولي لتوفير هذه الخدمات بشكل مجاني أو مدعوم كجزء من المساعدات الإغاثية.
وفي النهاية، فإن تراكم هذه التكاليف القسرية يؤثر على المواطنين الغزيين بسحب آخر دفاعاتهم الاقتصادية. فالمبالغ البسيطة المخصصة لمياه الشرب والشحن والطهي تُقطع من ميزانية الدواء والكساء، مما يجعل الحياة تحت الحد الأدنى هو المعيار المتاح.
اليوم، يمثل اقتصاد غزة منظومة مهترئة تتغذى على ما تبقى من مدخرات السكان، وتحوّل معركة البقاء إلى صراع مالي مرير يبحث المواطن فيه عن مقومات الحياة، مما يمنح حالة العجز الشامل بُعداً أكبر ويجعل فكرة ‘التعافي الذاتي’ مجرد خيال في ظل هذه الظروف الراهنة.
تم نسخ الرابط
(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));
