الاقتصاد العالمي تحت تأثير تقلبات الولايات المتحدة: العلاقة بين هيمنة الدولار وإجراءات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي – شاشوف

الاقتصاد العالمي تحت تأثير تقلبات الولايات المتحدة العلاقة بين هيمنة


يعاني الاقتصاد العالمي من تبعية صارخة للسياسات النقدية الأمريكية، حيث تسيطر الولايات المتحدة على 26% من الناتج العالمي وتستخدم الدولار كعملة رئيسية في المعاملات الدولية. تؤثر قرارات الفيدرالي الأمريكي، مثل خفض أسعار الفائدة، على النمو والتضخم والأسواق العالمية. بينما تسعى بعض الدول إلى إيجاد بدائل للدولار مثل اليورو واليوان، تبقى هيمنة الدولار قوية، حيث يمثل 60% من الاحتياطيات و80% من التجارة العالمية. يشير الخبراء إلى الحاجة لتنسيق عالمي لتطوير نظام مالي بديل يقلل من المخاطر الناجمة عن الاعتماد على السياسات الأمريكية، وهو طريق طويل ومعقد لتحقيقه.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

لا يزال الاقتصاد العالمي خاضعًا للسياسات النقدية الأمريكية، حيث تشكل الولايات المتحدة نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسيطر عملتها على معظم التسويات المالية والتجارية الدولية. هذه الهيمنة تتيح للحكومة الأمريكية، وخصوصًا قرارات الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، التأثير مباشرة على النمو الاقتصادي، التضخم، وأسعار العملات والسلع عالميًا.

ويعكس خفض سعر الفائدة مؤخرًا بنسبة 0.25%، مع توقعات بمزيد من التخفيض، تأثير السياسة الأمريكية على الأسواق العالمية. ارتفاع أسعار الذهب والعملات المشفرة، واتباع الاقتصادات المرتبطة بالدولار لسياسة الفيدرالي، كلها دلائل على ارتباط الأسواق العالمية بشكل وثيق بسلوك البنك المركزي الأمريكي.

كما أدى رفع سعر الفائدة سابقًا إلى نحو 5% بعد الحرب الروسية الأوكرانية إلى تشديد السياسات النقدية عالميًا، وأسهم في ارتفاع التضخم في العديد من الاقتصادات، مما يوضح مدى تبعية العالم للدولار الأمريكي.

الهيمنة الدولارية كسلاح.. مخاطر وتحديات مستقبلية

يظهر في تصريحات رئيس الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، الحذر تجاه تخفيضات إضافية في الفائدة كما يدعو الرئيس ترامب، مشيرًا إلى استمرار المخاطر مثل التضخم المرتفع وضعف سوق العمل. وأي توقف أو انعكاس في سياسات الفيدرالي قد يؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي واضطراب الأسواق، مما يبرز هشاشة النظام المالي العالمي واعتماده على قرارات الولايات المتحدة.

ومع تغير موازين القوى الاقتصادية، يتضح أن الحاجة إلى عملة بديلة للتسويات الدولية ليست خيارًا بل ضرورة لتقليل المخاطر المرتبطة بالدولار.

ومع ذلك، تواصل الولايات المتحدة رفض هذا الاتجاه، مهددة بفرض رسوم جمركية على أي دولة تحاول الاستقلال عن الدولار، مما يعكس استخدام السياسة الاقتصادية كأداة ضغط سياسية على الساحة الدولية.

وقد هدد ترامب سابقًا بفرض رسوم تصل إلى 100% على السلع المستوردة من الدول التي تحاول استبدال الدولار بعملة أخرى في التجارة الدولية، وفقًا لمتابعات مرصد شاشوف، كما تهدد واشنطن بعقوبات مالية وتقليص الوصول إلى النظام المصرفي الدولي. تملك الولايات المتحدة القدرة على منع أي بنك أو دولة من الوصول إلى النظام المالي الدولي، خاصة شبكة التحويلات البنكية الدولية ‘سويفت’، أو تقييد التعامل بالدولار في القروض والمعاملات الدولية.

توجد أمثلة على ذلك، فقد تعرضت إيران وفنزويلا لعقوبات مالية جعلت استيراد أو تصدير النفط صعبًا، مما دفعهما إلى البحث عن عملات بديلة مثل اليورو أو العملات المحلية للمعاملات التجارية. كما تمت مصادرة احتياطيات أفغانستان النقدية بعد سيطرة حركة طالبان على البلاد في 2021، وتبلغ تلك الاحتياطيات نحو 10 مليارات دولار، مما أثر مباشرة على إدارة الموارد المالية الأفغانية.

وبالعودة إلى سياسات الفائدة الأمريكية، فإن تأثيرها يمتد إلى الدول المقترضة والدول ذات الفوائض المالية. إذ يؤدي انخفاض الفائدة إلى تقليل عوائد الفوائض، بينما تضر الزيادة بالدول المقترضة. وقد حاولت الصين دخول سوق التمويل الدولي عبر قروض البنية التحتية، لكنها لم تقدم آلية بديلة شاملة، مما يُبقي الاقتصاد العالمي رهينًا لقرارات الفدرالي الأمريكي.

ومن أخطر النتائج الناتجة عن الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي هو استخدام الأدوات الاقتصادية لفرض أجندات سياسية، كما يتضح في العقوبات على دول مثل العراق وأفغانستان، أو الضغط على أوروبا لفرض رسوم على الصين والهند، مما يُقوض عدالة النظام الاقتصادي العالمي ويظهر كيف تتحول السياسات النقدية إلى أداة سياسية بحتة.

فرص للتخلص من الهيمنة الأمريكية

هناك فرص للتخلص الجزئي من الهيمنة الأمريكية والدولار، على الرغم من تعقيدات الأمر. وفق تحليلات ‘شاشوف’، تُطرح عملات بديلة للدولار مثل اليورو، الذي يُستخدم جزئيًا في التجارة الدولية، ولكنه لا يزال محدود التأثير بسبب حجم الاقتصاد الأمريكي (+29 تريليون دولار) مقارنة بحجم اقتصاد منطقة اليورو (12.7 تريليون دولار).

كما يُطرح اليوان الصيني كبديل محتمل للدولار، حيث تعمل الصين على تعميم عملتها في التجارة الدولية، خصوصًا في آسيا وأفريقيا، ولكنها لم توفر آلية عالمية بديلة للدولار بعد.

هناك أيضًا عملات رقمية مركزية، حيث تخطط البنوك المركزية العالمية لعملات رقمية خاصة بها، مما يمكن أن يقلل الحاجة للدولار على المدى الطويل.

وتوجد آلية ‘المقايضة الثنائية’، حيث تلجأ بعض الدول إلى اتفاقيات تجارية ثنائية بالدولار أو بالعملة المحلية، لتجنب التعامل بالدولار مباشرة، مثل عقود النفط والغاز بين روسيا والصين. كما بدأت دول مثل الصين والهند والبرازيل بإنشاء مؤسسات مالية بديلة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لدعم تمويل المشاريع البنية التحتية بعيدًا عن الدولار.

مع ذلك، تظل هناك عوائق رئيسية للتخلص التام من الهيمنة الدولارية، أبرزها أن الدولار يسيطر على التجارة والاحتياطيات الدولية. حوالي 60% من احتياطيات العملات الأجنبية العالمية بالدولار، وحوالي 80% من التجارة العالمية تتم تسويتها بالدولار، مما يجعل أي تحرك بعيدًا عن الدولار محفوفًا بالمخاطر الاقتصادية.

يعتمد معظم البنوك الدولية والشركات الكبرى على الدولار للوصول إلى التمويل الدولي، لكن على المدى المتوسط إلى الطويل يمكن تقليل الاعتماد تدريجيًا من خلال تنويع العملات في التجارة الدولية، وتعزيز التعاون المالي بين الدول الكبرى، وتبني العملات الرقمية للبنوك المركزية.

يتطلب التخلص من الهيمنة الدولارية تنسيقًا عالميًا واسعًا، وتطوير بنية مالية بديلة، والتغلب على التهديدات الأمريكية. هذا مسار طويل تشير تحليلات إلى أنه قد يستغرق عقودًا قبل أن يكون ملموسًا على المستوى العالمي، ما لم يتم تحفيز التنسيق الدولي.

ويبقى الاقتصاد العالمي أسيرًا لتقلبات السياسة النقدية الأمريكية، مما يفرض ضغوطًا على الاقتصادات النامية والمتقدمة على حد سواء. ولضمان استقرار مالي عالمي أكثر عدلاً، هناك حاجة ملحة لإنشاء نظام نقدي دولي جديد يحدد قواعد واضحة لأسعار الصرف والفائدة والتضخم، ويطرح عملة بديلة للتسويات الدولية لحماية الاقتصاد العالمي من تبعات سياسات الفيدرالي الأمريكي.

حتى يتحقق ذلك، ستظل دول العالم تدفع ثمن مشكلات اقتصادية ليست سببًا فيها، مع استمرار التبعية للدولار والسيطرة الأمريكية على التمويل العالمي.


تم نسخ الرابط