الاقتصاد الروسي يواجه تراجعاً تدريجياً… دلائل على التآكل تتزايد رغم تصريحات القوة – شاشوف

الاقتصاد الروسي يواجه تراجعاً تدريجياً دلائل على التآكل تتزايد رغم


يظهر الاقتصاد الروسي علامات إجهاد واضحة مع اقتراب النزاع الروسي-الأوكراني من عامه الرابع، حيث انخفضت القدرة الشرائية وتراجعت قطاعات صناعية كبيرة. تعاني الأسر من ارتفاع الأسعار الذي يفوق زيادة الرواتب، مما أدى إلى تراجع الاستهلاك. المسؤولون يشيرون إلى أزمة في القطاع المصرفي، حيث ارتفعت القروض المتعثرة، فيما تتزايد الضغوط الأمريكية على صادرات الطاقة. في ظل عجز مالي متزايد، تعتمد الحكومة على الاقتراض وتعديلات ضريبية لتأمين التمويل. رغم القدرات الحالية على الاستمرار في الصراع، تواجه موسكو خطر الركود الداخلي الذي قد يتفاقم في 2026.

تقارير | شاشوف

مع اقتراب النزاع الروسي–الأوكراني من عامه الرابع، بدأت تظهر بوضوح ملامح الإجهاد الاقتصادي على الدولة الروسية بشكل أكبر مما كان معلناً في السنوات السابقة. فقد شهد الاقتصاد في بدايات الحرب موجة توسع مالي هائلة وارتفاع قياسي في عائدات الطاقة، ولكنه دخل عام 2025 في مرحلة جديدة تماماً؛ تتميز بانكماش قدرة المستهلك، وتراجع تنافسية القطاعات المدنية، وزيادة كلفة التمويل، وتآكل الفوائض الحكومية التي صمدت طوال فترة طويلة قبل أن تضغط عليها العقوبات والتحركات العسكرية.

ومع تقليص المسافة بين المدني والجبهات، تعيش العديد من المناطق الروسية حالة من التوتر اليومي نتيجة سقوط المسيّرات التي تستهدف منشآت الطاقة والمناطق السكنية، مما يعمق الإحساس الداخلي بأن الحرب التي كانت تُدار عن بعد أصبحت تقترب بشكل واضح من حياة المواطنين. هذه التحولات الأمنية اقترنت بتغيرات اقتصادية أكثر قسوة؛ بدءاً من تباطؤ النمو، إلى قرارات نقدية مشددة، وصولاً إلى تراجع الاستهلاك الغذائي في بلد لطالما اعتمد على قدرته الشرائية الواسعة كأحد أعمدة استقراره الاجتماعي.

ومع تقلص قدرة التحفيز المالي وازدياد الفجوة بين ما تنفقه الحكومة على العمليات العسكرية وبين ما يتبقى لدعم القطاعات المدنية، بدأت تتشكل طبقة جديدة من الأزمات المرتبطة بالسوق الداخلية: أسعار تزيد بوتيرة أسرع من الأجور، تراجع في قطاع التجزئة، انكماش في الصناعات الثقيلة، وعودة تدريجية لشبح الركود الذي دأبت موسكو على الادعاء بأنها تجاوزته. ورغم أن حجم المعاناة لا يقارن بما يحدث في أوكرانيا، إلا أنه يكشف حدود قدرة الاقتصاد الروسي على استيعاب صدمة بهذا الحجم.

هذا المشهد الاقتصادي المعقد يتزامن مع ضغوط أمريكية متزايدة على صادرات النفط والغاز الروسية، ومحاولة دفع موسكو نحو اتفاق لوقف إطلاق النار. ورغم أن روسيا لا تبدو مستعدة سياسياً لإنهاء القتال، فإن المؤشرات الاقتصادية، وفق اطلاع شاشوف، تكشف أن قدرة الدولة على الاستمرار بنفس وطأة الإنفاق العسكري ليست مستدامة بلا نهاية.

الشروخ تتسع داخل الاقتصاد المنزلي الروسي

تعيش العاصمة موسكو والمدن الكبرى تحولات غير مسبوقة في سلوك المستهلكين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد؛ أسعار تزداد بوتيرة أسرع من الأجور، وقدرة شرائية تتناقص رغم رفع الرواتب العسكرية والمدنية في 2024 بنسبة تقارب 20% وفقاً لقراءة شاشوف.

ورغم أن هذا الارتفاع بدا في حينه مؤشراً على ‘اقتصاد مزدهر’، إلا أن حقيقته كانت مرتبطة بدفعة استثنائية من الإنفاق الحكومي، والتي سرعان ما انعكست تضخماً واسعاً بين عامي 2024 و2025.

وبحسب بيانات منصة «سبير إندكس» التابعة لـ«سبيربنك»، بدأت الأسر الروسية تقليص إنفاقها على المواد الأساسية، حيث انخفضت مبيعات سلع مثل الحليب ولحوم الخنزير والحنطة السوداء والأرز بنسبة تتراوح بين 8% و10% خلال شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين. يعكس هذا التحول ضغوطاً حقيقية على سلة الغذاء الروسية، في وقت يحاول السكان التكيف مع تراجع الدخل الحقيقي وتزايد الضرائب.

أما التضخم، الذي بلغ نحو 6.8% في مطلع نوفمبر وفق مراجعة شاشوف، فلا يعكس تحسناً اقتصادياً، بل هو في معظمه ناتج عن ضعف الطلب، وفق مركز التحليل الكلي والتنبؤات القصيرة الأجل المرتبط بوزارة الدفاع. فالمستهلك الروسي اليوم يُنفق أقل ليس لأن الأسعار مستقرة، بل لأن قدرته على الشراء تراجعت.

في المقابل، كشفت تصريحات رسمية روسية أن متوسط قيمة مشتريات البقالة الأسبوعية تضاعف خلال السنوات الأخيرة، مما يعد مؤشراً إضافياً على أن أسعار المواد الغذائية تضغط على معيشة الأسر بشكل لم تشهده روسيا منذ عقد على الأقل.

القطاعات الإنتاجية تتراجع… وصناعة الصلب والفحم في منطقة الخطر

تشهد القطاعات الصناعية الروسية تراجعاً واسعاً يؤثر على أكثر من نصف قطاعات الاقتصاد، وفق تقييم مركز الأبحاث الاستراتيجية في موسكو. ويظهر قطاع الصلب كأكثر القطاعات تأثراً، حيث انخفض استهلاك الصلب داخل البلاد بنسبة 14% خلال عام 2025، بحسب شركة «سيفيرستال»، أكبر منتج للصلب في روسيا. كما هبط الطلب على الصلب في قطاع البناء بنسبة 10% وفي قطاع الآلات والمعدات بنسبة 32%، مما يعكس عمق الانكماش الاقتصادي.

أما قطاع التعدين، وخاصة الفحم، فيعاني من أسوأ وضع له منذ عقد، حيث بدأت شركات كبرى بخفض الإنتاج تحت وطأة التكاليف المتزايدة وتراجع الطلب الخارجي.

وفي قطاع التجزئة، تشير بيانات الربع الثالث إلى إغلاق نحو 45% من متاجر الأزياء، وانخفاض غير مسبوق في سوق الإلكترونيات، الأسوأ منذ 30 عاماً، مع توجه المستهلكين لتأجيل أي مشتريات كبرى بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض.

وتضاعف الضغوط الأوكرانية على البنية التحتية الروسية، خاصة في الموانئ ومصافي النفط الممتدة من البحر الأسود إلى البلطيق، من الأعباء على سلاسل الإنتاج. هذه الهجمات، التي وصلت في بعض الحالات إلى عمق 2000 ميل داخل روسيا، أدت إلى أزمة وقود داخلية أدت إلى قفزة كبيرة في أسعار البنزين منذ نهاية أغسطس، رغم التراجع الطفيف في نوفمبر.

قطاع مصرفي يتجه نحو القلق

أدت موجة التضخم المرتفعة في ذروة الحرب إلى رفع البنك المركزي الروسي أسعار الفائدة إلى 21% في أكتوبر الماضي، وهو أعلى مستوى منذ سنوات. ورغم أن الفائدة تراجعت لاحقاً، فإن أثر التشديد النقدي ظهر بوضوح في عام 2025، حيث تباطأت الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، وتراجع الطلب على القروض الجديدة، وازدادت الضغوط على المستثمرين المحليين.

وفق بيانات البنك المركزي، ارتفعت القروض المتعثرة في محافظ الشركات إلى 10.4%، ما يعادل نحو 9.1 تريليون روبل (112 مليار دولار)، بينما ارتفعت القروض المتعثرة للأفراد إلى 12%. وتعد هذه الأرقام مؤشراً واضحاً على تآكل قدرة الأسر والشركات على خدمة ديونها.

مع اتساع عجز مالي بلغ 1.9% من الناتج المحلي في أكتوبر، وتوقع ارتفاعه إلى 2.6% بنهاية العام، بدأت الحكومة الروسية زيادة الاقتراض الداخلي عبر سندات مرتفعة العائد، وفق متابعة شاشوف، في خطوة تعكس الحاجة المتزايدة لتمويل العمليات العسكرية وتراجع إيرادات النفط والغاز، التي هبطت بأكثر من الخُمس خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.

يضاف إلى ذلك خطط لزيادة ضريبة القيمة المضافة وتوسيع نطاق تطبيقها، بالإضافة إلى فرض ضريبة تكنولوجية جديدة على المكونات الإلكترونية، مع رفع رسوم السيارات. ووفق التقديرات، ستضيف هذه الإجراءات نحو 1.2 تريليون روبل إلى خزينة الدولة في عام 2026.

صادرات الطاقة تتراجع… والضغوط الأمريكية تتزايد

تراجع عائد روسيا من النفط والغاز إلى 7.5 تريليون روبل بين يناير وأكتوبر، وهو أقل بأكثر من الخُمس عن الفترة نفسها من عام 2024، بسبب انخفاض الأسعار، وقوة الروبل، والعقوبات الغربية، وتراجع وظائف أسواق التصدير.

جاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة على شركتي ‘روسنفت’ و ‘لوك أويل’ في أكتوبر لتزيد الضغط على موسكو، في وقت كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يدرس إرسال صواريخ «توماهوك» إلى أوكرانيا. وقد دفع ذلك موسكو لإعادة تشغيل قناة تفاوض خلفية مع واشنطن للحصول على تخفيف للعقوبات مقابل تقدم سياسي في مسار وقف إطلاق النار.

تشير بيانات نوفمبر إلى أن صادرات الوقود الروسية انخفضت إلى أدنى مستوى منذ بداية الحرب، كما تباطأت الطفرة التجارية مع الصين بعد أن كانت أحد أهم المخارج الاقتصادية لروسيا خلال العامين السابقين.

ورغم أن بكين تبقى شريكاً أساسياً لموسكو، فإن تراجع الطلب الصيني على الوقود الروسي، وتذبذب الأسعار، وتزايد الضغوط الأمريكية على الشركات الوسيطة، يقلص قدرة روسيا على الاعتماد على آسيا كمتنفس دائم.

تشير معظم البيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الروسي، رغم صلابته الظاهرة في عامي 2022 و2023، يدخل في مرحلة إنهاك ممتدة، حيث تتراجع المؤشرات تدريجياً دون انهيار شامل. وفي حين لا تزال موسكو قادرة على تمويل العمليات العسكرية، فإن الفاتورة أصبحت أعلى بكثير والقدرة على مواجهة صدمات جديدة أصبحت أقل.

رغم أن الأزمات المتراكمة لا تعني توقف الحرب قريباً، فإنها تكشف أن الاقتصاد الروسي بات يتحرك في مساحة ضيقة بين الحفاظ على الجبهة العسكرية ومنع تدهور داخلي قد يؤدي إلى ركود واسع في عام 2026. وإذا لم يتغير المسار السياسي، سيظل الاقتصاد الروسي عرضة لتآكل مستمر ببطء لكنه مؤكد.

يبقى السؤال الحقيقي: هل تدرك القيادة الروسية أن التحول من اقتصاد مدني مُنتج إلى اقتصاد حرب له حدود؟ أم أن جرس الإنذار، الذي بدأ يُسمع بوضوح، لم يصل بعد إلى نقطة تجعل موسكو تعيد تقييم كلفة استمرار النزاع؟

التاريخ يقول إن النزاعات الطويلة لا تُهزم بالسلاح وحده، بل بالأرقام… والاقتصاد الروسي بدأ يشعر بتلك الحقيقة اليوم.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version