الاتحاد الأوروبي يتفاعل لمواجهة التصعيد الأمريكي: الرسوم المرتفعة تهدد التوازن التجاري – بقلم شاشوف

الاتحاد الأوروبي يتفاعل لمواجهة التصعيد الأمريكي الرسوم المرتفعة تهدد التوازن


مع تصاعد التوتر التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يسعى الاتحاد لوضع خطة رد سريعة على التهديدات الجمركية التي قد تتخذها إدارة ترامب، بدءًا من أغسطس. الولايات المتحدة تفكر في فرض تعريفات تصل إلى 30% على واردات أوروبية، ما قد يضر بـ70% من صادرات الاتحاد. في المقابل، يُعد الاتحاد الأوروبي إجراءات انتقامية تشمل رسومًا على منتجات أمريكية وتحفيز أدوات مكافحة الإكراه. تشير الدراسات إلى أن الرسوم الأمريكية قد تضر الاقتصاد الأمريكي، مما يثير قلق الشركات حول تأثيرات عدم اليقين والمخاطر الاقتصادية المحتملة. يُحتمل أن تُحسن المفاوضات المتعثرة الوصول إلى تفاهم، لكن الأفق الهش يظل مخيمًا.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

في ظل تصاعد التوترات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يعمل الاتحاد بسرعة على صياغة رد فعل ملموس وواسع النطاق على التهديدات الجمركية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي يُحتمل أن تدخل حيز التنفيذ في بداية أغسطس المقبل. وعلى الرغم من استمرار تشدد واشنطن في مواقفها التفاوضية، يُظهر الأوروبيون رغبة فعلية في استخدام أدوات الردع الاقتصادي، بدءًا من الرسوم الانتقامية إلى تفعيل أدوات مكافحة الإكراه ضد واشنطن، مما يمثل تحولًا غير مسبوق في العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.

ووفقًا لمعلومات موثوقة، فإن الولايات المتحدة تدرس فرض تعريفات جمركية شاملة على صادرات الاتحاد الأوروبي، قد تصل نسبتها إلى أكثر من 10%، مع تقليص تدريجي لقائمة الاستثناءات. تشمل قائمة السلع المعفاة – جزئيًا – بعض المنتجات الحيوية مثل الطيران، الأدوية الجنيسة، الأجهزة الطبية، وبعض المشروبات الروحية والمعدات الصناعية التي تحتاجها الولايات المتحدة نفسها.

بشكل منفصل، أعلن ترامب في رسالة رسمية إلى المفوضية الأوروبية عن نيته فرض رسوم بنسبة 30% على معظم الواردات الأوروبية، اعتبارًا من 1 أغسطس، بالإضافة إلى رسوم محددة تبلغ 25% على السيارات وقطع غيارها، و50% على النحاس، مع ضرائب جديدة متوقعة على الأدوية وأشباه الموصلات.

هذه الرسوم، التي وصفتها بروكسل بـ’العدائية’، تغطي وفق التقديرات الأوروبية نحو 70% من صادرات التكتل إلى الولايات المتحدة، أي ما يزيد عن 380 مليار يورو (حوالي 442 مليار دولار).

الاتحاد الأوروبي يستعد لرد استراتيجي

الاتحاد الأوروبي، الذي لا يزال يفضل الحلول التفاوضية، بدأ يشعر بأن الوقت بدأ ينفد. ووفقًا لمصادر مطلعة، يستعد ممثلو التكتل للاجتماع هذا الأسبوع لوضع خطة شاملة للرد، في حال لم تحقق المحادثات الجارية في واشنطن تقدمًا. تشمل الإجراءات المقترحة فرض رسوم انتقامية تبلغ 21 مليار يورو على منتجات أمريكية مختارة بعناية لضرب ولايات حساسة سياسيًا مثل لويزيانا – مسقط رأس رئيس مجلس النواب مايك جونسون – وتشتمل على فول الصويا، والدراجات النارية، واللحوم والدواجن.

بالإضافة إلى ذلك، أعد الاتحاد قائمة برسوم جمركية إضافية تصل إلى 72 مليار يورو تستهدف صناعات رئيسية مثل الطائرات (بوينغ)، والسيارات، والويسكي الأمريكي. كما تسعى بروكسل نحو أدوات غير جمركية، مثل تقييد الصادرات، ومراجعة عقود الشراء الحكومية، وفرض قيود على دخول الشركات الأمريكية للمناقصات الأوروبية.

أداة ‘مكافحة الإكراه’، وهي الأداة الأقوى في ترسانة بروكسل التجارية، تعود إلى السطح، بدعم متزايد من الدول الأعضاء. تمكّن هذه الأداة المفوضية الأوروبية من اتخاذ تدابير صارمة ضد الولايات المتحدة إذا اعتُبر سلوكها الاقتصادي ‘قسريًا’، مثل فرض ضرائب انتقائية على شركات التكنولوجيا الكبرى، أو تقييد استثمارات أمريكية معينة، أو حتى منع مشاركة شركات أمريكية في مناقصات عامة داخل التكتل.

الاقتصاد الأمريكي ليس بمعزل عن التأثر

ورغم أن الرئيس ترامب يروج لإجراءاته كحماية للصناعة الأمريكية، إلا أن الأثر السلبي بدأ يظهر داخل الاقتصاد الأمريكي بشكل ملموس. فقد أشار بحث صادر عن معهد ‘بيترسون للاقتصاد الدولي’ إلى أن الرسوم الجمركية التي فُرضت خلال ولاية ترامب الماضية كلّفت الأسر الأمريكية ما بين 800 إلى 1200 دولار سنويًا نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

كما حذرت الغرفة التجارية الأمريكية من أن التصعيد الجديد ضد الاتحاد الأوروبي قد يُعرض أكثر من 2 مليون وظيفة في الصناعات المرتبطة بالتصدير للخطر، بالإضافة إلى احتمال فقدان حصص سوقية لصالح الصين وكندا والمكسيك.

وفي ذات السياق، أعرب كريستيان كولمان، الرئيس التنفيذي لشركة ‘إيفونيك’ الألمانية، عن قلقه من استمرار حالة عدم اليقين، حتى في حال التوصل إلى اتفاق مؤقت، مشيرًا إلى أن ‘التهديد المستمر بفرض رسوم جديدة يدفع العالم نحو أزمة اقتصادية كبرى’، وأن السياسة التجارية الأمريكية تتسم بالتقلب مما يجعل من الصعب على الشركات وضع استراتيجيات استثمار طويلة الأجل.

وتؤكد هذه الرؤية تصريحات الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية، ريان رسول، الذي اعتبر أن فرض رسوم بنسبة 30% على الواردات الأوروبية سيشكل صدمة كبيرة للسوق الأوروبية وقد يُعيد رسم الخارطة التجارية العالمية. وأضاف في حديث مع قناة ‘العربية Business’ أن الاتحاد الأوروبي أعد بالفعل وثيقة من 206 صفحات تتضمن ردًا مفصلًا على الخطوات الأمريكية تشمل المنتجات الأمريكية الأكثر حساسية والأكثر اعتمادًا على التصدير إلى أوروبا.

مفاوضات متعثرة وآفاق ضبابية

ورغم محاولة الطرفين الوصول إلى أرضية مشتركة، إلا أن المفاوضات الجارية في واشنطن لم تُحقق تقدمًا ملحوظًا، مما دفع الاتحاد الأوروبي للاستعداد لتحرك حاسم إذا لم يتحقق اختراق دبلوماسي خلال الأسبوعين المقبلين.

القلق الأكبر يتمثل في أن أي اتفاق – حتى لو تم – قد لا يصمد طويلاً في ظل توجهات ترامب التصعيدية، وهذا ما عبّر عنه مسؤولون أوروبيون بشكل صريح، مشيرين إلى أن التكتل قد يضطر للقبول برسوم مرتفعة مؤقتًا مقابل الحصول على استثناءات تكتيكية تخفف الأثر الفوري على صناعاته.

في ظل تشدد إدارة ترامب واستعداد الاتحاد الأوروبي للرد بالمثل، يبدو أن العلاقات التجارية بين الطرفين دخلت مرحلة من التوتر الهيكلي تمتد إلى ما هو أبعد من الخلافات القطاعية المؤقتة. ومع أن القنوات الدبلوماسية تظل مفتوحة، فإن تطورات الأيام المقبلة ستحدد ما إذا كان الطرفان بصدد التوصل إلى صفقة تهدئة أم بداية فصل جديد من الحرب التجارية الباردة.

في الوقت الذي تتفق فيه الأوساط الاقتصادية على خطورة الانزلاق نحو حرب رسوم مفتوحة، يبقى الرهان على قدرة الاتحاد الأوروبي في فرض توازن قوى يحول دون استخدام التجارة كسلاح سياسي، وعلى وعي واشنطن بالعواقب التي قد لا تصيب الشركاء فحسب، بل تمتد لتؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الأمريكي ذاته في وقت يتطلب أقصى درجات الاستقرار.


تم نسخ الرابط