الأمن البحري في البحر الأحمر يعتمد على إنهاء النزاع في غزة بدلًا من التحالفات العسكرية – شاشوف

الأمن البحري في البحر الأحمر يعتمد على إنهاء النزاع في


فيما تتواصل المفاوضات بين إسرائيل وحماس في القاهرة لوقف الحرب في غزة، تواجه مئات السفن في البحر الأحمر تهديدًا من قوات صنعاء، التي نفذت هجمات بحرية منذ بداية 2024 لدعم غزة. ورغم توقيع اتفاق بنسبة 90%، تبقى المخاوف الأمنية تحديًا لشركات الشحن، التي قامت بتحويل مساراتها بسبب تراجع حركة السفن عبر قناة السويس بنسبة 57%. شركات الشحن العالمية تشدد على عدم العودة إلى البحر الأحمر دون استعادة الأمان، بينما ارتفعت أقساط التأمين نتيجة التهديدات. تبقى عودة النقل البحري مرهونة بإنهاء الحرب، مع ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاع.

أخبار الشحن | شاشوف

بينما يجتمع مفاوضون عن إسرائيل وحركة حماس في القاهرة بحثًا عن مقترح أمريكي لوقف الحرب في غزة، تنتظر مئات الناقلات البحرية الكبرى عند مداخل البحر الأحمر وقناة السويس، في ترقب لما إذا كانت أي تسوية سياسية قادمة ستعيد الحياة لهذا الممر المائي الحيوي.

ورغم الزخم الدبلوماسي القائم، تبقى المعادلة الأمنية مرتبطة بشدة بالحرب في غزة، وليس بالمفاوضات فقط. فقد نفذت قوات صنعاء، الجهة الفاعلة الأساسية في البحر الأحمر، منذ بداية عام 2024 عشرات الهجمات البحرية في ما تعتبره ‘عملية إسناد ودعم لغزة’، للضغط على إسرائيل لوقف ما وصفته بالإبادة. ولكن ردود المجتمع الدولي تمحورت حول تشكيل تحالف عسكري ضد اليمن، بدلاً من معالجة السبب الجذري للأزمة: استمرار الحرب الإسرائيلية على القطاع.

قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن حوالي 90% من الاتفاق الأمريكي قد تم الوصول إليه، مع بقاء تفاصيل تتعلق بالانسحاب التدريجي وتبادل الأسرى. وقد أدت هذه التصريحات إلى رفع التوقعات بقرب الوصول إلى وقف إطلاق نار. لكن بالنسبة لشركات الملاحة، يكمن التحدي الحقيقي في تأمين ضمانات للأمن البحري.

منذ أواخر عام 2023، أدت الهجمات التي نفذتها قوات صنعاء ضد السفن المرتبطة بإسرائيل إلى تغيير شركات النقل الكبرى لمساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر. جاءت هذه الهجمات في إطار ما تصفه حكومة صنعاء بأنه ‘واجب قومي وديني لنصرة غزة’، من خلال استهداف شريان تجاري دولي تستخدمه إسرائيل وداعمها، بهدف ممارسة ضغط اقتصادي وسياسي حقيقي لفرض توقف تل أبيب عن عملياتها العسكرية.

بدلاً من التركيز على إنهاء الحرب الإسرائيلية، اتجهت الولايات المتحدة وبعض الدول إلى تشكيل تحالف عسكري لحماية السفن في البحر الأحمر، وهو تحالف أثبت محدودية قدرته على إعادة الاستقرار للممر الملاحي. والنتيجة: ممر حيوي للتجارة العالمية أصبح رهينة لتقلبات المعادلة السياسية والعسكرية في غزة.

نزيف قناة السويس وتحولات كبرى في الملاحة العالمية

كان للأزمة تأثير اقتصادي عميق وسريع؛ فقد انخفضت حركة السفن عبر قناة السويس من 75 سفينة يومياً قبل الحرب إلى 32 فقط حالياً، مسجلة تراجعاً كبيراً يتجاوز 57% وفقاً لتقرير مرصد ‘شاشوف’. وأكد رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع أن إيرادات الحاويات انخفضت بنسبة تقارب 60% في الأشهر الأخيرة، وهو الانخفاض الأكبر منذ عقود.

هذا التحول القسري أجبر شركات الشحن العملاقة على اتخاذ قرار مكلف: الانتقال إلى مسارات بديلة عبر رأس الرجاء الصالح والقرن الإفريقي، مما يزيد من مدة الرحلات وتكاليفها التشغيلية، ويعيد رسم الخريطة البحرية العالمية مؤقتًا. هذه التغييرات، التي بدأت كإجراء احترازي في بداية 2024، أصبحت الآن قاعدة تشغيلية مستمرة على مدار عامي 2024 و2025.

أنتجت هذه التحويلات مليارات الدولارات من الأرباح غير المتوقعة لشركات النقل في عام 2024، مستفيدة من ارتفاع أسعار الشحن عبر الطرق البديلة، وفقًا لتقرير ‘شاشوف’. ولكن سياسة التعريفة الجمركية المستمرة لإدارة ترامب، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل التجارة العالمية، أثرت سلبًا على الأعمال التجارية على الطريق القياسي عبر المحيط الهادئ إلى الشرق، وأضعفت الطلب لمستويات لم تُسجل منذ 2023. ونتيجة لذلك، بدأت شركات النقل في تغيير الحمولة وتفريغ الرحلات في محاولة جادة لإدارة السعة وتحقيق توازن في الإيرادات.

بينما وفرت القوات البحرية الأمريكية والأوروبية مرافقة للسفن، فإن التدخلات العسكرية الأمريكية في البحر الأحمر -سواء تحت إدارة بايدن أو لاحقًا إدارة ترامب- فشلت في تحييد قدرات الحوثيين.

بل إن البحرية الأمريكية نفسها تعرضت لسلسلة من الحوادث الملحوظة؛ إذ أسقطت بطريق الخطأ طائرة مقاتلة أمريكية في ديسمبر 2024، وفقدت طائرتين أخريين في البحر؛ واحدة أثناء مناورة طارئة لتجنب هجوم حوثي، وأخرى نتيجة فشل في الهبوط على متن حاملة طائرات.

في عام 2025، زادت قوات صنعاء من هجماتها البحرية، أغرقت سفينتين تجاريتين على الأقل وألحقت خسائر بالأطقم الدولية. وشملت هذه الموجة هجمات منسقة ومتطورة تضمنت استخدام صواريخ وقوارب مسيرة وطائرات بدون طيار، مستهدفة عدة سفن ترتبط بالملاحة الإسرائيلية، مع اتهامات باستهداف سفن ليست لها أي علاقة. كما واصلت استهداف إسرائيل بصواريخ بعيدة المدى، في رسالة واضحة بأن الضغط البحري سيستمر طالما أن الحرب جارية.

تعززت لدى شركات الشحن القناعة بأن الحل العسكري لن يضمن مروراً آمناً في البحر الأحمر، وأن الممر سيبقى عرضة للتقلبات الجيوسياسية حتى يتغير الوضع السياسي في غزة.

شركات الشحن وشركات التأمين: الأمن أولاً… لا عودة قبل الاستقرار

صرح فنسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة ‘ميرسك’، أن الشركات لن تعود إلى البحر الأحمر حتى يتم تأمين الوضع بشكل موثوق، مؤكدًا أن المخاطر المستمرة على الطواقم والسفن لا تزال مرتفعة بشكل غير مقبول. نفس الموقف اعتمدته شركة ‘MSC’، أكبر شركة شحن في العالم، التي حذرت حسب تقرير ‘شاشوف’ من أي عودة سريعة ما لم يتحقق تحسن ملحوظ في الوضع الأمني.

أشار جيريمي نيكسون، الرئيس التنفيذي لشركة ‘أوشن نتوورك إكسبريس’، إلى أن التحالفات البحرية تواجه تحديات مستمرة طوال العام بسبب عدم اليقين الجيوسياسي في البحر الأحمر، متوقعًا استمرار التحويلات عبر رأس الرجاء الصالح.

من جانبها، قامت شركات التأمين ونوادي الحماية والتعويض (P&I) -التي يتعقب ‘شاشوف’ تحديثاتها- برفع أقساط التأمين على السفن المارة في البحر الأحمر وتعديل شروط التغطية، وأدخلت استثناءات جديدة تتعلق بما سُمي ‘حرب البحر الأحمر’ في عقود إعادة التأمين، مما يعكس عمق القلق من استمرار التهديدات.

ما يجري في البحر الأحمر ليس أزمة ملاحية منفصلة، بل هو انعكاس مباشر لحرب غزة وسياسات المجتمع الدولي تجاهها. فقد جاءت الهجمات البحرية التي نفذتها قوات صنعاء في سياق واضح: الضغط على إسرائيل لوقف الحرب، بينما تجاهلت القوى الكبرى السبب الجذري وركزت على العرض العسكري.

كان الأجدر بالدول التي سارعت لتشكيل تحالفات بحرية أن تضغط سياسيًا ودبلوماسيًا على إسرائيل لإنهاء حربها، مما كان سيعيد الاستقرار للممر الملاحي الحيوي بشكل أسرع وأقل تكلفة من الحلول العسكرية.

حتى الآن، تبقى عودة خطوط الحاويات الكبرى إلى البحر الأحمر مرهونة بإنهاء الحرب في غزة، وليس باتفاقات تأمين عسكرية أو ممرات مؤقتة. فاستعادة الأمن البحري لن تتحقق ما لم يتم معالجة جذور الأزمة السياسية التي أشعلتها.


تم نسخ الرابط