اقتصاد غزة: تناقض بين زيادة الودائع وتراجع الوضع الاقتصادي – دراسة في السيولة ضمن بيئة غير مستقرة.

اقتصاد غزة تناقض بين زيادة الودائع وتراجع الوضع الاقتصادي


تشهد غزة مفارقة حادة في المشهد الاقتصادي حيث تتزامن الأوضاع المعيشية الصعبة مع تضخم غير مسبوق في الودائع المصرفية. رغم ارتفاع الودائع بنسبة 178% خلال الحرب، إلا أنها لا تعكس قوة مالية بل تشير إلى اقتصادي مشلول. فقد أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية المصرفية وتحويل المصارف إلى سجلات مالية دون أثر اقتصادي فعلي. نتيجة لذلك، انعدمت فرص الاستثمار وارتفعت الأسعار بسبب احتكار السوق، بينما أصبحت السيولة النقدية سلعة نادرة. هذا النموذج الاقتصادي يرسخ فجوة واسعة بين الأغنياء والفقراء، وينذر بتدهور مستمر في الظروف المعيشية.

تقارير | شاشوف

يقدم الوضع الاقتصادي في قطاع غزة واحدة من أكثر التناقضات حدة في الاقتصادات المتأثرة بالنزاعات. إذ تترافق ظروف معيشية قاسية مع تضخم كبير وغير مسبوق في الودائع المصرفية. بينما يعيش مئات الآلاف في بيئة تفتقر للدخل المستقر وفرص العمل، تشير البيانات النقدية إلى زيادة حادة في كميات الأموال المودعة في الجهاز المصرفي، مما يعكس تناقضاً ظاهرياً يحمل دلالات اقتصادية عميقة.

هذه الظاهرة لا تعبر عن وجود قوة مالية كامنة أو نمو اقتصادي مؤجل، بل هي نتاج مباشر لاقتصاد مشلول، تعقدت فيه آليات السحب والتداول. فقد أصبحت السيولة أداة غير فعالة، محجوزة داخل النظام المصرفي. وبدلاً من أن تكون الودائع مؤشراً على الثقة أو فائض مالي، أصبحت تعبيراً عن انسداد اقتصادي كامل.

الحرب المستمرة منذ 2023 حتى وقف إطلاق النار في 2025 لم تؤثر فقط على البنية التحتية الإنتاجية، بل دمرت أيضاً القلب المالي للقطاع. فالمصارف، التي من المفترض أن تكون صلة الوصل بين الدخل والإنفاق والاستثمار، تحولت إلى تخزين للأموال بدون دور فعلي، مع غياب السيولة وتوقف الأعمال وانعدام الأمان.

لذا، يُعتبر تضخم الودائع في غزة ظاهرة سلبية بامتياز، تعكس اقتصاداً بلا استهلاك حقيقي، وبلا استثمار، مما يضع القطاع في نموذج اقتصادي مشوه لا يمكن تقييمه بالمعايير التقليدية.

تضخم الودائع: رقم كبير بلا معنى اقتصادي

الزيادة الملحوظة في ودائع البنوك بقطاع غزة، والتي تجاوزت 178% خلال فترة الحرب، لا يمكن اعتبارها مؤشراً على تحسن مالي أو تراكم ثروة. جاءت هذه الزيادة في سياق إغلاق شبه كامل للقطاع المصرفي وافتقار المواطنين للقدرة على سحب أموالهم، وليس كنتيجة لفائض دخل أو توسع في النشاط الاقتصادي.

جزء كبير من هذه الودائع تمثل في استمرارية دفع الرواتب الحكومية لموظفي القطاع العام والخاص والمتقاعدين، بالإضافة إلى المساعدات النقدية من التحويلات الخارجية، إلا أن هذه الأموال لم تدخل السوق الفعلي، بل بقيت محبوسة في الحسابات المصرفية.

في الظروف الطبيعية، تتحول الرواتب والتحويلات إلى استهلاك، ومن ثم إلى تجارة واستثمار، مما يحفز النمو. في غزة، توقفت هذه السلسلة تماماً، فتراكم المال بلا أي وظيفة اقتصادية، ليصبح رقماً مالياً بلا أثر إنتاجي.

الأخطر من ذلك، أن هذا التضخم في الودائع يعكس انكماشاً حاداً في النشاط الفعلي، ويؤكد على غياب الثقة والخوف وتوقف المبادرة الاقتصادية، وليس وفرة أو استقرار.

انهيار البنية المصرفية: نظام بلا أدوات

تعرض القطاع المصرفي في غزة لضربة هيكلية شديدة. فقد دُمّرت معظم فروع المصارف بالكامل أو جزئياً، ولم يعد يعمل سوى عدد محدود من الفروع التي تقدم خدمات رقمية دون تداول نقدي.

غياب النقد من السوق لم يكن خياراً تنظيمياً، بل نتيجة مباشرة لمنع إدخال السيولة، مما أدى إلى شلل كامل في وظائف البنوك الأساسية. المصرف الذي لا يتيح السحب النقدي ولا يستطيع تمويل الأنشطة أو تقديم التسهيلات يتحول إلى منصة تسجيل إلكتروني بلا تأثير اقتصادي فعلي.

إلى جانب التدمير المادي، تعرضت المصارف لخسائر كبيرة نتيجة سرقات لأموال نقدية وودائع محفوظة في خزائن البنوك، بما فيها المجوهرات والوثائق الرسمية، وفق معلومات واردة إلى ‘شاشوف’. وهذه الخسائر تزيد من حدة الأزمة، مما يهدد الثقة طويلة الأمد بالقطاع المالي.

في هذا السياق، لا يمكن التفكير في تعافٍ مصرفي دون إعادة بناء شاملة للبنية التحتية، وضمان تدفق نقدي منتظم، وتهيئة بيئة أمنية تسمح بعودة الوظائف المصرفية الأساسية.

اقتصاد بلا استثمار: السيولة كعرض للمرض لا كحل

أحد أخطر أبعاد الأزمة هو انعدام الاستثمار بشكل شبه كامل. الأموال المودعة، رغم حجمها الكبير، لا تجد أي قناة للتحول إلى مشاريع أو نشاط إنتاجي، بسبب غياب الأمن وتوقف التجارة واحتكار إدخال السلع.

هذا الواقع أدي إلى تشوه كبير في بنية الاقتصاد، حيث ارتفع الادخار القسري، بينما تراجع الاستثمار إلى مستويات تاريخية متدنية، ما أثر سلباً على الدخل القومي الذي سجل تراجعاً حاداً.

وجود عدد محدود من التجار القادرين على إدخال السلع، بتكاليف مرتفعة، خلق اقتصاداً احتكارياً مشوهاً، لا يسمح بتدفق طبيعي للسلع ولا بتوازن سعري، ونتج عن ذلك تضخم سعري منفصل تماماً عن القدرة الشرائية الحقيقية.

في هذا النموذج، الأسعار لا تعكس العرض والطلب، بل تعكس علاقات القوة، والندرة المصطنعة، والعمولات غير الرسمية، مما يزيد من سوء السوق.

أزمة السيولة اليومية: نقد نادر وتكاليف مرتفعة

على المستوى المعاشي، أصبحت السيولة النقدية بحد ذاتها سلعة نادرة. فالحصول على النقد بات مكلفاً، حتى أن عمولات السحب غير الرسمي وصلت لمستويات قياسية، مما أثر سلبًا على دخول الأسر المحدودة أصلاً.

طوابير الانتظار أمام أجهزة الصراف القليلة المتاحة لم تعد استثناء، بل أصبحت مشهداً يومياً يعكس عمق الأزمة. مع كل تأخير أو عطل، تزداد معاناة السكان، خاصة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

حتى النقد المتداول فقد جزءاً من وظيفته، إذ صارت بعض الفئات أو الأوراق المتضررة مرفوضة من قبل التجار، مما أضاف بعداً نفسياً وسلوكياً لأزمة السيولة، وحوّل التعامل المالي إلى تجربة مرهقة وغير مستقرة.

اقتصاد الحرب: تضخم أرباح الأقلية

في ظل هذا الانهيار الشامل، برزت فئة محدودة من المستفيدين عُرفت بتجار الحرب، وتمكنت هذه الفئة من تحقيق أرباح هائلة عبر احتكار إدخال السلع وبيعها بأسعار مرتفعة. هذه الأرباح لم تُستثمر، بل تم إعادة تدويرها داخل النظام المصرفي على شكل ودائع رقمية.

هذا النمط يعمق الفجوة الاقتصادية في المجتمع، حيث تتراكم الثروة لدى أقلية ضئيلة، بينما تتآكل القدرة المعيشية للغالبية. وهو نمط لا يحقق نمواً، بل يرسخ اقتصاد الريع والوساطة والاحتكار.

غزة والاقتصاد الرقمي القسري

التحول شبه الكامل إلى الاقتصاد الرقمي في غزة لم يكن خياراً تحديثياً، بل استجابة اضطرارية لانهيار النظام المصرفي التقليدي. ورغم بعض التأثيرات الإيجابية المحدودة، مثل تقليص بعض أشكال التمويل غير المشروع، فإن هذا التحول حدث في بيئة غير مهيأة رقمياً واجتماعياً.

اقتصاد رقمي دون نقد، ودون حماية اجتماعية، ودون استقرار، لا يمكن اعتباره مساراً تنموياً، بل مرحلة انتقالية قسرية فرضتها الحرب، وقد تترك آثاراً طويلة الأمد على السلوك المالي والثقة في النظام الاقتصادي.

ما يحدث في غزة ليس ازدهاراً مالياً مؤجلاً، بل صورة واضحة لاقتصاد عالق بين السيولة والشلل. إن تضخم الودائع لا يعكس قوة، بل يكشف عن انسداد كامل في الدورة الاقتصادية، حيث المال موجود لكنه عاجز عن الحركة.

من دون استقرار أمني، وإعادة بناء مصرفية حقيقية، وفتح قنوات نقدية وتجارية طبيعية، ستبقى الأرقام الكبيرة مجرد وهم محاسبي، فيما يستمر الواقع المعيشي في التدهور. اقتصاد غزة اليوم لا يعاني نقص المال، بل انعدام الاقتصاد نفسه.


تم نسخ الرابط