تسعى السعودية لتعزيز نفوذها في اليمن بعد انسحاب الإمارات في 2025، مستثمرة مليارات الدولارات لضم الفصائل المسلحة ودعم الحكومة. يُخصص 3 مليارات دولار لدفع الرواتب، مع محاولة تغيير ولاء القوات المدعومة إماراتيًا نحو عدن. رغم أزماتها المالية، تعتبر الرياض ‘أمن الجوار’ أولوية لاستقرار المنطقة. من جهة أخرى، تتفاقم الخلافات بين الإمارات والسعودية، حيث انسحبت شركات إماراتية من معرض الدفاع في الرياض، مما يعكس توترات اقتصادية وسياسية قد تؤثر على الاستقرار بينهما. يُخشى من تداعيات هذه الخلافات على العلاقات التجارية التي تبلغ 30 مليار دولار.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
تستثمر السعودية نفوذها السياسي الاستراتيجي وتضخ مليارات الدولارات في مساعيها لتعزيز السيطرة على اليمن، بعد خروج الإمارات منه في ديسمبر 2025. هذه الخطوة تشير إلى رغبة الرياض في إعادة ترسيخ مكانتها الإقليمية بعد سنوات من تركيزها على الأجندات الداخلية، وفقاً لما أفادت به وكالة رويترز.
وحسب تقرير الوكالة الذي اطّلع عليه شاشوف، تعتمد الرؤية السعودية الجديدة على ضخ استثمارات مالية ضخمة كوسيلة للسيطرة وتوحيد الفصائل المسلحة والقبائل المنقسمة، في وقت تسعى فيه إلى إعادة بناء دولة منهارة من خلال استثمار أموال كبيرة، رغم أن المملكة تعاني من أزمة مالية داخلية.
خصصت الرياض ميزانية ضخمة لتمويل الرواتب (تخصيص ثلاثة مليارات دولار على الأقل لهذا العام لتغطية رواتب القوات المسلحة اليمنية وموظفي القطاع العام)، وتحسين أوضاع القوات التابعة للإمارات. يتضمن المبلغ المخصص تقريباً مليار دولار لتمويل المقاتلين الجنوبيين الذين كانت أبوظبي تتكفل برواتبهم سابقاً، في خطوة تهدف لنقل ولاء هؤلاء القوات لحكومة عدن تحت إشراف سعودي.
وأشار وزير الإعلام معمر الإرياني لوكالة رويترز إلى أن السعودية “تعاونت وأبدت استعدادها لدفع جميع الرواتب بالكامل”، دون توضيح المبلغ الإجمالي، بحيث تكون كافة القوات تحت إدارة وإشراف التحالف. ورأى أن الدعم السعودي سيمكن اليمن من إعادة تنظيم الفصائل المسلحة وإخضاعها لسلطة الدولة.
تشير رويترز إلى أن السعودية ليست فقط تسعى لتقديم المساعدات الإنسانية، بل تهدف لتحقيق مكاسب استراتيجية محددة، منها استخدام خيار “الجزرة” مع الانفصاليين. فترتدي الرياض بوضوح حوافز سياسية لجماعات انفصالية، ملمّحةً إلى أن طموح “إقامة الدولة” قد يصبح واقعاً، ولكن بشرط أساسي وهو الحسم الكامل للصراع مع الحوثيين أولاً.
تسعى السعودية لتحويل مناطق حكومة عدن إلى ورقة ضغط تجبر حكومة صنعاء على التفاوض، بالإضافة إلى تعزيز قدرات الجيش الحكومي ليكون مستعداً لأي مواجهة عسكرية.
دوافع اقتصادية وأمنية للسعودية
على الرغم من التحديات المالية الداخلية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط وتباطؤ بعض المشاريع الكبرى، إلا أن “أمن الجوار” يظل على قمة أولويات المملكة لأسباب عدة أبرزها حماية السياحة والاستثمار، وتجنب الهجمات على الطاقة، فذكرى هجمات 2022 على البنية التحتية للطاقة السعودية ما زالت حاضرة.
تعكس التحركات في اليمن، بالتوازي مع أنشطة في سوريا والسودان، رغبة سعودية في تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة تدير الأزمات في المنطقة بشكل مباشر.
في المقابل، أكد مسؤول إماراتي لوكالة رويترز أن الإمارات لم تعد متورطة في الملف اليمني بأي شكل، مشيراً إلى أن أبوظبي قدمت موارد كبيرة على مدار عقد كامل لتحسين الأوضاع، لكنها الآن تترك الساحة بالكامل للإدارة السعودية. يُنهي هذا الانسحاب سنوات من “التنافس الصامت” بين الحليفين ويضع السعودية في مواجهة مباشرة مع تعقيدات الداخل اليمني.
انسحاب الإمارات من معرض دفاعي سعودي
في تقرير منفصل، ذكرت رويترز أن شركات إماراتية انسحبت من “معرض الدفاع العالمي” في الرياض، مما يُعتبر إشارة سياسية واضحة على أن الخلافات خلف الكواليس وصلت إلى مرحلة حرجة تؤثر بشكل مباشر على المصالح الاقتصادية الكبرى.
وحسب ما علم به شاشوف، فقد انسحبت بعض الشركات الإماراتية الكبرى من معرض الدفاع العالمي المزمع إقامته في الرياض خلال الفترة من (8-12 فبراير 2026). يُعتبر هذا المعرض منصة استراتيجية للسعودية لاستعراض قوتها الطموحة في توطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030، إلا أن انسحاب الشريك التاريخي، الإمارات، يثير تساؤلات حول مستقبل التكامل الدفاعي الخليجي.
توسع الخلاف بين الدولتين ليشمل الاقتصاد، مما يطرح بعض المحللين سيناريو المحتمل للمقاطعة، إذ ينتقل القلق من الساحات العسكرية إلى الشركات والبنوك، وسط مخاوف من تكرار أزمة قطر في 2017.
تتبادل الدولتان تجارة ضخمة تصل إلى 30 مليار دولار، مما يعني أن أي اضطرابات في العلاقات قد تُكبد الطرفين خسائر فادحة.
بدأ رجال الأعمال في دبي والرياض والمنطقة الشرقية بإعادة تقييم المخاطر، مع مخاوف من فرض قيود على تدفق رؤوس الأموال أو اشتراطات الاختيار بين العمل في الرياض أو أبوظبي.
كما أن الشركات الكبرى، خصوصاً المجموعات العائلية السعودية التي تدير عملياتها الدولية من دبي، وضعت خطط طوارئ لاحتمالية حدوث اضطرابات في الرحلات الجوية أو تعقيدات في سلاسل الإمداد عبر الحدود البرية.
يحدث هذا الخلاف في وقت تنافس فيه الدولتان لجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث تسعى السعودية عبر “برنامج المقر الإقليمي” لجذب الشركات العالمية إلى الرياض، بينما تدافع دبي عن مكانتها كعاصمة مالية وتجارية للمنطقة.
لفترة طويلة، كانت المراكز المالية في الخليج تفخر بالاستقرار السياسي، إلا أن الخلاف الحالي يهدد هذه الصورة، حيث يخشى المستثمرون أن تصبح القرارات الاقتصادية رهينة للتغيرات السياسية المفاجئة.
يُظهر التشابك القوي بين الاقتصادين السعودي والإماراتي أنه من الصعب جداً فك الارتباط دون أضرار جسيمة، ويعتقد اقتصاديون ورجال أعمال أن الجميع معرضون للخسارة إذا تفاقم الوضع بين الدولتين، مما يضع استقرار “البيت الخليجي” أمام تحديات صعبة لم يشهدها منذ عقود.
تم نسخ الرابط
